|
عقائد الامامية
كتاب في حلقات
الشيخ محمد رضا المظفر
الحلقة الثامنة عشر
الفصل الرابع
ما أدب به آل البيت شيعتهم
إن الأئمة من آل البيت عليهم السلام علموا من ذي قبل أن دولتهم لن تعود
إليهم في حياتهم ، وأنهم وشيعتهم سيبقون تحت سلطان غيرهم ممن يرى ضرورة
مكافحتهم بجميع وسائل العنف والشدة. فكان من الطبيعي - من جهة - أن
يتخذوا التكتم " التقية " دينا وديدنا لهم ولأتباعهم ، ما دامت التقية
تحقن من دمائهم ولا تسئ إلى الآخرين ولا إلى الدين ، ليستطيعوا البقاء
في هذا الخضم العجاج بالفتن والثائر على آل البيت بالإحن. وكان من
اللازم بمقتضى إمامتهم - من جهة أخرى - أن ينصرفوا إلى تلقين أتباعهم
أحكام الشريعة الإسلامية ، وإلى توجيههم توجيها دينيا صالحا ، وإلي أن
يسلكوا بهم مسلكا اجتماعيا مفيدا ، ليكونوا مثال المسلم الصحيح (
العادل). وطريقة آل البيت في التعليم لا تحيط بها هذه الرسالة ، وكتب
الحديث الضخمة متكلفة بما نشروه من تلك المعارف الدينية ، غير أنه لا
بأس أن نشير هنا إلى بعض ما يشبه أن يدخل في باب العقائد فيما يتعلق
بتأديبهم لشيعتهم ، بالآداب التي تسلك بهم المسلك الاجتماعي المفيد ،
وتقربهم زلفى إلى الله تعالى ، وتطهر صدورهم من درن الآثام والرذائل ،
وتجعل منهم عدولا صادقين . وقد تقدم الكلام في ( التقية ) التي هي من
تلك الآداب المفيدة اجتماعيا لهم ، ونحن ذاكرون هنا بعض ما يعن لنا من
هذه الآداب .
عقيدتنا في الدعاء
قال النبي صلى الله عليه وآله : ( الدعاء سلاح المؤمن وعمود الدين ونور
السماوات والأرض ) ، وكذلك هو ، أصبح من خصائص الشيعة التي امتازوا بها
، وقد ألفوا في فضله وآدابه وفي الأدعية المأثورة عن آل البيت ما يبلغ
عشرات الكتب من مطولة ومختصرة .
وقد أودع في هذه الكتب ما كان يهدف إليه النبي وآل بيته صلى الله عليهم
وسلم من الحث على الدعاء والترغيب فيه . حتى جاء عنهم ( أفضل العبادة
الدعاء ) و ( أحب الأعمال إلى الله عز وجل في الأرض الدعاء ) بل ورد
عنهم ( إن الدعاء يرد القضاء والبلاء ) ، و ( أنه شفاء من كل داء). وقد
ورد أن ( أمير المؤمنين ) صلوات الله عليه كان رجلا ( دعاء ) ، أي كثير
الدعاء . وكذلك ينبغي أن يكون وهو سيد الموحدين وإمام الآلهيين. وقد
جاءت أدعيته كخطبه آية من آيات البلاغة العربية كدعاء كميل بن زياد
المشهور ، وقد تضمنت من المعارف الإلهية والتوجيهات الدينية ما يصلح أن
تكون منهجا رفيعا للمسلم الصحيح.
وفي الحقيقة إن الأدعية الواردة عن النبي وآل بيته عليهم الصلاة
والسلام خير منهج للمسلم - إذا تدبرها - تبعث في نفسه قوة الإيمان ،
والعقيدة وروح التضحية في سبيل الحق ، وتعرفه ، سر العبادة ، ولذة
مناجاة الله تعالى والانقطاع إليه ، وتلقنه ما يجب على الانسان أن
يعلمه لدينه وما يقربه إلى الله تعالى زلفى . ويبعده عن المفاسد
والأهواء والبدع الباطلة .
وبالاختصار أن هذه الأدعية قد أودعت فيها خلاصة المعارف الدينية من
الناحية الخلقية والتهذيبية للنفوس ، ومن ناحية العقيدة الإسلامية ، بل
هي من أهم مصادر الآراء الفلسفية والمباحث العلمية في الإلهيات
والأخلاقيات .
ولو استطاع الناس - وما كلهم بمستطيعين - أن يهتدوا بهذا الهدى الذي
تثيره هذه الأدعية في مضامينها العالية ، لما كنت تجد من هذه المفاسد
المثقلة بها الأرض أثرا ، ولحلقت هذه النفوس المكبلة بالشرور في سماء
الحق حرة طليقة ولكن أنى للبشر أن يصغي إلى كلمة المصلحين والدعاة إلى
الحق ، وقد كشف عنهم قوله تعالى : ( إن النفس لأمارة بالسوء ) ( وما
أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين). نعم إن ركيزة السوء في الانسان اغتراره
بنفسه وتجاهله لمساوئه ومغالطته لنفسه في أنه يحسن صنعا فيما اتخذ من
عمل : فيظلم ويتعدى ويكذب ويراوغ ويطاوع شهواته ما شاء له هواه ، ومع
ذلك يخادع نفسه أنه لم يفعل إلا ما ينبغي أن يفعل ، أو يغض بصره متعمدا
عن قبيح ما يصنع ويستصغر خطيئته في عينه .
وهذه الأدعية المأثورة التي تستمد من منبع الوحي تجاهد أن تحمل الانسان
على
الاختلاء بنفسه والتجرد إلى الله تعالى ، لتلقنه الاعتراف بالخطأ وأنه
المذنب الذي يجب عليه الانقطاع إلى الله تعالى لطلب التوبة والمغفرة ،
ولتلمسه مواقع الغرور والاجترام في نفسه ، ومثل أن يقول الداعي من دعاء
كميل بن زياد: " إلهي ومولاي ! أجريت علي حكما اتبعت فيه هوى نفسي ولم
أحترس فيه من تزيين عدوي ، فغرني بما أهوى ، وأسعده على ذلك القضاء ،
فتجاوزت بما جرى علي من ذلك بعض حدودك ، وخالفت بعض أوامرك " .
ولا شك أن مثل هذا الاعتراف في الخلوة أسهل على الانسان من الاعتراف
علانية مع الناس ، وإن كان من أشق أحوال النفس أيضا . وإن كان بينه
وبين نفسه في خلواته ولو تم ذلك للانسان فله شأن كبير في تخفيف غلواء
نفسه الشريرة وترويضها على طلب الخير. ومن يريد تهذيب نفسه لا بد أن
يصنع لها هذه الخلوة والتفكير فيها بحرية لمحاسبتها ، وخير طريق لهذه
الخلوة والمحاسبة أن يواظب على قراءة هذه الأدعية المأثورة التي تصل
بمضامينها إلى أغوار النفس مثل أن يقرأ في دعاء أبي حمزة الثمالي -
رضوان الله تعالى عليه : " أي رب ! جللني بسترك ، واعف عن توبيخي بكرم
وجهك ! " فتأمل كلمة " جللني . . " فإن فيها ما يثير في النفس رغبتها
في كتم ما تنطوي عليه من المساوئ ، ليتنبه الانسان إلى هذه الدخيلة
فيها ويستدرجه إلى أن يعترف بذلك حين يقرأ بعد ذلك : " فلو اطلع اليوم
على ذنبي غيرك ما فعلته ولو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته " .
وهذا الاعتراف بدخيلة النفس وانتباهه إلى الحرص على كتمان ما عنده من
المساوئ يستثيران الرغبة في طلب العفو والمغفرة من الله تعالى لئلا
يفتضح عند الناس لو أراد الله أن يعاقبه في الدنيا أو الآخرة على
افعاله ، فيلتذ الانسان ساعتئذ بمناجاة السر وينقطع إلى الله تعالى
ويحمده أنه حلم عنه وعفا عنه بعد المقدرة فلم يفضحه ، إذ يقول في
الدعاء بعد ما تقدم : " فلك الحمد على حلمك بعد علمك وعلى عفوك بعد
قدرتك " ثم يوحي الدعاء إلى النفس سبيل الاعتذار عما فرط منها على أساس
ذلك الحلم والعفو منه تعالى ، لئلا تنقطع الصلة بين العبد وربه ،
ولتلقين العبد أن عصيانه ليس لنكران الله واستهانة بأوامره إذ يقول ، "
ويحملني ويجرئني على معصيتك حلمك عني ، ويدعوني إلى قلة الحياء سترك
علي . ويسرعني إلى التوثب على محارمك معرفتي بسعة رحمتك وعظيم عفوك " .
وعلى أمثال هذا النمط تنهج الأدعية في مناجاة السر لتهذيب النفس
وترويضها على الطاعات وترك المعاصي . ولا تسمح الرسالة هذه بتكثير
النماذج من هذا النوع . وما أكثرها. ويعجبني أن أورد بعض النماذج من
الأدعية الواردة بأسلوب الاحتجاج مع الله تعالى لطلب العفو والمغفرة ،
مثل ما تقرأ في دعاء كميل بن زياد:" وليت شعري يا سيدي ومولاي ! أتسلط
النار على وجوه خرت لعظمتك ساجدة ، وعلى ألسن نطقت بتوحيدك صادقة
وبشكرك مادحة ، وعلى قلوب اعترفت بإلهيتك محققة ، وعلى ضمائر حوت من
العلم بك حتى صارت خاشعة ، وعلى جوارح سعت إلى أوطان تعبدك طائعة
وأشارت باستغفارك مذعنة ، ما هكذا الظن بك ولا أخبرنا بفضلك " .
كرر قراءة هذه الفقرات ، وتأمل في لطف هذا الاحتجاج وبلاغته وسحر بيانه
، فهو في الوقت الذي يوحي للنفس الاعتراف بتقصيرها وعبوديتها ، يلقنها
عدم اليأس من رحمة الله تعالى وكرمه ، ثم يكلم النفس بابن عم الكلام
ومن طرف خفي لتلقينها واجباتها العليا ، إذ يفرض فيها أنها قد قامت
بهذه الواجبات كاملة ، ثم يعلمها أن الانسان بعمل هذه الواجبات يستحق
التفضل من الله بالمغفرة ، وهذا ما يشوق المرء إلى أن يرجع إلى نفسه
فيعمل ما يجب أن يعمله إن كان لم يؤد تلك الواجبات. ثم تقرأ أسلوبا آخر
من الاحتجاج من نفس الدعاء ، " فهبني يا إلهي وسيدي وربي صبرت على
عذابك فكيف أصبر على فراقك ! وهبني يا إلهي صبرت على حر نارك فكيف أصبر
عن النظر إلى كرامتك " .
وهذا تلقين للنفس بضرورة الالتذاذ بقرب الله تعالى ومشاهدة كرامته
وقدرته ، حبا له وشوقا إلى ما عنده ، وبأن هذا الالتذاذ ينبغي أن يبلغ
من الدرجة على وجه يكون تأثير تركه على النفس أعظم من العذاب وحر النار
، فلو فرض أن الانسان تمكن من أن يصبر على حر النار فإنه لا يتمكن من
الصبر على هذا الترك ، كما تفهمنا هذه الفقرات أن هذا الحب والالتذاذ
بالقرب من المحبوب المعبود خير شفيع للمذنب عند الله لأن يعفو ويصفح
عنه . ولا يخفى لطف هذا النوع من التعجب والتملق إلى الكريم الحليم
قابل التوب وغافر الذنب .
ولا بأس في أن نختم بحثنا هذا بإيراد دعاء مختصر جامع لمكارم الخلاق
ولما ينبغي لكل عضو من الانسان وكل صنف منه أن يكون عليه من الصفات
المحمودة : " اللهم ارزقنا توفيق الطاعة وبعد المعصية ، وصدق النية
وعرفان الحرمة”. " وأكرمنا بالهدى والاستقامة ، وسدد ألسنتنا بالصواب
والحكمة واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة ، وطهر بطوننا من الحرام والشبهة
، واكفف أيدينا عن الظلم والسرقة ، واغضض أبصارنا عن الفجور والخيانة ،
واسدد أسماعنا عن اللغو والغيبة. " وتفضل على علمائنا بالزهد والنصيحة
، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة ، وعلى المستمعين بالإتباع والموعظة.
" وعلى مرضى المسلمين بالشفاء والراحة ، وعلى موتانا بالرأفة والرحمة”.
" وعلى مشايخنا بالوقار والسكينة وعلى الشباب بالإنابة والتوبة ، وعلى
النساء بالحياء والعفة ، وعلى الأغنياء بالتواضع والسعة ، وعلى الفقراء
بالصبر والقناعة”." وعلى الغزاة بالنصر والغلبة ، وعلى الأسراء بالخلاص
والراحة ، وعلى الأمراء بالعدل والشفقة ، وعلى الرعية بالإنصاف وحسن
السيرة”." وبارك للحجاج والزوار في الزاد والنفقة ، واقض ما أوجبت
عليهم من الحج والعمرة”. “ بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين " .
وإني لموص إخواني القراء ألا تفوتهم الاستفادة من تلاوة هذه الأدعية ،
بشرط التدبر في معانيها ومراميها وإحضار القلب والاقبال والتوجه إلى
الله بخشوع وخضوع ، وقراءتها كأنها من إنشائه للتعبير بها عن نفسه ، مع
اتباع الآداب التي ذكرت لها من طريقة آل البيت ، فإن قراءتها بلا توجه
من القلب صرف لقلقة في اللسان ، لا تزيد الانسان معرفة.
ولا تقربه زلفى ، ولا تكشف له مكروبا ، ولا يستجاب معه له دعاء . ( إن
الله عز وجل لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساه ، فإذا دعوت فأقبل بقلبك ثم
استيقن بالإجابة).
هل يملك الإسلام نموذجاً حضارياً؟
هل يملك الاسلام نموذجاً حضارياً؟ يمكن أن يكون بديلاً عن النموذج
الحضاري الغربي، أو يكون على الأقل خياراً متاحاً يلفت الأنظار إليه
ويدعو الآخرين للتفكير فيه؟. لا ريب في أن الإسلام وفّر لأتباعه
ومعتنقيه في الماضي الأسس والمقومات التي قادتهم إلى بناء حضارة
إسلامية متميزة . فقد أحدث الدين نقلة في حياة العرب تمثلت أساساً في
تغيير القيم .وكان محور هذا التغيير _ كما يقول المستشرق الدنمركي
(جوستاف فون جرونيباوم).
“هو تحديد هدف الحياة وغايتها" حيث أن
الإسلام جعل قيمة أي إنجاز بشري مرتبطة بالحساب والجزاء في الدار
الآخرة الباقية .
ونسترسل قليلاً مع المستشرق الدنمركي وهو يشرح لنا المعطيات الحضارية
الإسلام فيقول : "في ظل هذه القيم الأساسية يطرح الإسلام أسئلة جوهرية
ثلاثة ويقدم إجابته عليها وهي :كيف تعيش حياة صحيحة ؟ وكيف تفكر
تفكيراً ؟ وكيف تقيم نظاماً صحيحاً؟ ويضيف قائلاً: "لقد قدّم الإسلام
أجوبة على هذه الأسئلة في التربية الصحيحة للفرد، والترتيب النسبي
لمناشط الإنسان، وتحديد القصد والمجال بالنسبة لسلطة الحكم أو ممارسة
القوة السياسية.
وكذلك بنى الإسلام نظاماً للقيم يتناول الواجبات والحقوق في شتى مجالات
السلوك الإنساني، سواء السلوك الفردي أو السلوك الاجتماعي وعلاقات
الفرد بقربته أو بالجماعة كلها. وقد أدى ذلك إلى تقويم أية خبرات
حضارية سابقة أو لاحقة في هذا الضوء بحيث تكون متجاوبة مع معايير
الإسلام ومقاصده".
ولم تكن ثمرات الحضارة التي أرسى دعائهما الإسلام في حياة المسلمين
مقتصرة عليهم وحدهم، بل تجاوزت حدودهم وبلغ تأثيرها غيرهم.
وهذه شهادة لشخصية غربية مرموقة هي ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز
في كلمته التي ألقاها في جامعة أكسفورد في شهر أكتوبر من العام 1993م
حيث يقول: "وكثيرة هي السمات واللمسات التي تعتز بها أوربا الحالية
التي هي فعلاً مقتبسة من أسبانيا المسلمة: الدبلوماسية والتجارة الحرة
والحدود المفتوحة وأساليب البحث الأكاديمية في علم أصل الإنسان،
والأزياء والأدوية البديلة والمستشفيات. فكل هذه وصلتنا من هذه المدنية
العظيمة.
وكان الإسلام في القرون الوسطى معروفاً بالحلم والتسامح عندما كان يسمح
لليهود والمسيحيين بممارسة شعائرهم الدينية، واضعاً ذلك يسمح لليهود
والمسيحيين بممارسة شعائرهم الدينية، واضعاً ذلك مثالاً، لم يتعلمه
الغرب لسوء الحظ لعدة قرون.
إن الأمر العجب هو وجود الإسلام في أوربا كجزء منها منذ أمد طويل،
أولاً في اسبانيا ثم في البلقان، وكذلك مساهمته في حضارتنا التي كثيراً
ما نعتقد خطأً بأنها حضارة غربية كلياً.
إن الإسلام جزء من ماضينا وحاضرنا في جميع ميادين الجهد البشري. لقد
ساعد الإسلام على تكوين أوربا المعاصرة فهو جزء من تراثنا، وليس شيئاً
مستقلاً بعيداً عنا”.
الموقف من التراث الغربي
د. حسن حنفي
لا تعني الدعوة إلى تحجيم الغرب وردِّه إلى حدوده الطبيعية، والقضاء
على أسطورة عالميته وبيان محلّيته مثل أي تراث آخر، وأنّ عصر الهيمنة
الأوروبية هو الذي أفرز هذه الهيمنة الثقافية ـ لا يعني كل ذلك أي دعوة
إلى الانغلاق أو العودة إلى جنون الذات أو رفض التعرّف على الغير
والانفتاح على الآخر، فتلك لم تكن سُنّة القدماء الذين تفتَّحوا على
الثقافة المجاورة وفي مقدمتها اليونانية وتمثّلوها وعرفوها واحتووها
داخل الإطار الحضاري الخاص، بل يعني أنّ فترة التعلم قد طالت، وأنّ
فترة التتلمذ قد امتدّت، فنحن نتعلّم منذ قرنين وما زالت مرحلة الإبداع
بعيدة في الأفق. إنّ التعلم من الغير وسيلة لا غاية، ومرحلة وليس
تاريخاً، ومجرد باعث ومحرك وليس بديلاً عن الشيء ذاته. لقد تعلَّم
القدماء قَرْناً واحداً هو القرن الثاني وما أن أتى القرن الثالث حتى
ظهر الكندي أول الحكماء بادئاً علوم الحكمة. لقد كانت الدعوة إلى
الانفتاح على الغرب لها ما يبرِّرها في أوائل القرن الماضي نظراً
للتحدي الحضاري الذي كان يمثله الغرب علماً وصناعة وحريةً وديمقراطيةً،
ودستوراً ونظماً برلمانيةً، ونهضةً وتقدماً وعمراناً. ولكن نظراً لطول
المدّة انقلب الانفتاح إلى الضدِّ وهو التقليد، والتعلّم إلى تبعية.
فنشأت ظاهرة “التغريب” في حياتنا الثقافية وفي وعينا القومي، والتي
تبدو في الآتي:
1- اعتبار الغرب النمط الأوحد لكل
تقدم حضاري ولا نمط سواه، وعلى كل شعب تقليده والسير على منواله، وقد
أَدّى هذا بالتالي إلى إلغاء خصوصيات الشعوب وتجاربها المستقلة،
واحتكار الغرب حقّ إبداع تجارب جديدة، وأنماط أخرى للتقدم.
2- اعتبار الغرب ممثل الإنسانية
جمعاء، وأوروبا مركز الثقل فيه. تاريخ العالم هو تاريخ الغرب، وتاريخ
الإنسانيّة هو تاريخ الغرب، وتاريخ الفلسفة هو تاريخ الفلسفة الغربية،
الغرب فيه يصبّ كل شيء.
3- اعتبار الغرب المعلِّم الأبدي
و"اللاّغرب" هو التلميذ الأبدي، وأنّ العلاقة بينهما أحادية الطرف،
أَخْذٌ مستمرٌ من الثاني، وعطاء مستمرّ من الأول، استهلاك مستمرّ من
الثاني وإبداع مستمرّ من الأول. ومهما تعلّم التلميذ فإنه يكبر
تلميذاً، ومهما شَاخَ الأستاذ فإنه يظلُّ معلماً.
4- ردّ كل إبداع ذاتي لدى الشعوب غير
الأوروبية إلى الغرب. فكل دعوة إلى العقل ديكارتية أو كانطية، وكل دعوة
إلى الحرية ليبرالية غربية، وكل نضال من أجل العدالة الاجتماعية
ماركسية، وكل اتجاه نحو العلم وضعية حتى أصبح الغرب هو الإطار المرجعي
الأول والأخير لكل إبداع ذاتي غير أوروبي، كما كان الحال مع الحكماء
الأوّلين بالنسبة لليونان فخرج ابن رشد أرسطيّا.
5- أثر العقلية الأوروبية على أنماط
التفكير عامّة، وعلى كل عقلية ناهضة. فالعقلية الأوروبية هي العقلية
التي تضع كل طرفي معادلة في علاقة تضادّ مثل: مثالية أو واقعية؟ صورية
أو مادية؟ ذاتية أو موضوعية؟ فردية أو اجتماعية؟ عقلانية أو حسيّة؟
كلاسيكيّة أو رومانسيّة؟.
6- تحول ثقافتنا إلى وكالات حضارية
وامتداد لمذاهب غربية، اشتراكية، ماركسية، وجودية، وضعية، شخصانية،
بنيوية، حتى لم يعد أحد قادراً على أن يكون مفكّراً أو عالماً أو حتى
مثقفاً إنْ لم يكن له مذهب ينتسب إليه، وتفرَّقنا شيعاً وأحزاباً،
وضاعت الثقافة الوطنية. الكل يبحث عن الأصالة الضائعة فيهرع إلى الفنون
الشعبية.
7- خلق بؤرٍ وفئات ثقافية معزولة لدى
الشعوب غير الأوروبية بحيث تكون مناصرة للغرب وجسراً لانتقاله. وتنتهي
هذه الفئة ـ إذا ما تولَّت الحُكْم ـ بموالاة الغرب، فيتحوّل التغريب
الثقافي إلى عمالة سياسية مما يسبّب ثورات الشعوب الوطنية على الفئة
كلها تأكيداً للهوية والثقافة الوطنية في جدلية تاريخية بين الأنا
والآخر.
إنّ التراث الأوروبيّ في حقيقة الأمر إنّما يعبِّر عن الوعي الأوروبي،
وهو موضوع فلسفي واحد ظهر في الفلسفة المعاصرة، خاصة في الظاهريّات،
فلا توجد فلسفات غربية بل فلسفة أوروبية تعبّر عن وعي أوروبي: تطوّراً
وبناءً، تكويناً ورؤيةً.
ويشمل تطوّر الوعي الأوروبي نشأته ثم بداية تطوّره ثم نهايته. فمن حيث
النشأة يجد الوعي الأوروبي أصوله في ثلاثة: الأصل اليوناني الروماني،
والأصل اليهودي المسيحي، والبيئة الأوروبيّة نفسها. ولا يُذْكَر الأصل
الشرقيّ القديم على الإطلاق قبل الأصلين الأولين، ولا يذكر الأصل
الإسلامي قبل النهضة الحديثة. وذلك لأنّ الغرب قد اعتبر اليونان أصلاً
عبقرياً على غير مثالٍ إذْ لم يسبقهم أحد، وكأنّ الهند لم تؤسِّس
المنطق الصّوري في البوذية، ولم تسهم في نشأة علم الحساب. وكأنّ
فيثاغورس وطاليس لم يكونا على اتصال بالنِّحلات الشرقية، وكأنّ أفلاطون
لم يدرس الرياضيات في مصر، ولمَّا كان الغرب وريث اليونان فقد ظلّ
نسيجاً عبقرياً مثله على غير منوال.
وبالرغم من التباين والخلاف في جوهر كلِّ من اليهودية والمسيحية ـ كما
لاحظ سلسوس من قبل ـ إلا أنّ الأصل اليهودي المسيحي قد جمع بينهما
ابتداءً من الكتاب المقدّس، حيث ضُمَّ العهدُ الجديد كخاتمةٍ للعهد
القديم، وكنهايةٍ للنبوّة واكتمال لها بالرغم من رفض اليهود. ونظراً
للتآلف الطائفي العنصري بين الحضارتين اليهودية والمسيحية ضد الحضارات
الأخرى، إسلاميَّة كانت أو "بدائية" فقد أصبحتا مصدراً واحداً. وكأنّ
الإسلام لم يكن تحقّقاً لصدق اليهودية والمسيحية في التاريخ، سواء من
حيث الصحّة التاريخية للكتب المقدّسة أو من حيث التصديق بالعقائد، أو
من حيث أحكام السلوك العملي لأهل الكتاب. وكأنّ الحضارة الإسلامية بعد
ترجمتها إلى اللاتينيّة لم تكن أحد روافد النهضة الأوروبية الحديثة
والفلسفات العقلية، وكأن الرُّشْدية اللاتينيّة لم تساهم في نشأة العلم
الحديث في الغرب.
ولا يكاد أحد يذكر البيئة الأوروبية نفسها، كأنّما الحضارة الأوروبية
حضارة بلا بيئة، نشأت بلا عوامل ودوافع، بلا ظروف وملابسات، سواء فيما
يتعلَّق بطبيعة المُعطى الديني الذي كان لديها، مثل عقيدة الاختيار
التي كانت موجودة وراء العنصرية والاستعمار، أو الروحانيّة الغالية
والقائلة إنّ ملكوت السماوات ليس في هذا العالم ، وإنّ للداخل الأولوية
المطلقة على الخارج، مما سبّب ردّ فعل جذري تبدّى في المادية الفظّة،
واعتبار ملكوت السماوات في هذه الأرض مقرّراً أولوية الخارج على
الداخل. ولا يكاد أحد يذكر أيضاً طبيعة السلطة الدينية التي نشأت في
الغرب واعتبار أنّ للوحي مصدرين: الكتاب والتراث، الوحي والكنيسة مما
تسبّب في نشأة السلطة الدينية واحتكارها للتفسير وللعلم، وسيطرتها على
السلطة السياسية. وقد أحدث هذا ردّ فعل مضادّ لصالح العلم والعقل
والسلطة المدنية، فنشأ الوعي الأوروبي معادياً للسلطة الدينية داعياً
للعلمانية، معادياً للدين باسم العلم والعقل والمدنية. هذه هي الظروف
التي نسج الغرب حولها مؤامرة الصمت ليجعل الحضارة الأوروبية نموذجاً
للحضارة العالمية التي يتعين على كل حضارة أخرى الاقتداء بها. عصرها كل
العصور، ومذاهبها كل المذاهب، وتاريخها كل التاريخ، إبداعاتها للتقليد،
وتقنياتها للنقل، وكأنّ علم اجتماع المعرفة لا يُطبَّق إلاَّ على
ثقافات الآخرين. |