|
اجيال من الصمت
ايمان عبد الحسين
استمرارا لما ينبثق من الذات نحو ماضي الحروب والاستبداد، واستمرارا في
تحطيم التركيب البنائي التقليدي يبقى التحديث علامة واضحة في أدب
المرحلة الحالية وتبقى ثيمة الحرب والأنظمة المستبدة التي لا زالت
هيمنتها مستمرة في الذاكرة هاجساً أساسياً واداة مهمة في ايدي المبدعين
تمارس حضورها و تمد ثقلها على اغلب الاعمال الابداعية.
فلو تأملنا جوهرمجموعة القاص علي حسين عبيد ( الاقبية السرية) الصادرة
بالقطع المتوسط عن (دار الشؤون الثقافية العامة) نرى إن القاص على
الرغم من تحركه على مساحة متسعة تتسم بالتنوع فإننا نرى إن للحروب
والانظمة القمعية على امتداد المجموعة سيرورة من الإحالات متخذة هيئات
متعددة من التشظيات والضياع والتغيب وفقدان التواصل قصص لا تصنع فيها
الحروب وتبعاتها، القتل والدمار والموت الجسدي فقط بل إن ظلها يمد
جبروته ليؤثر في العقل والروح معا ( مهمة شاقة ومعركة شاملة بين
النصفين العنيدين الروح والجسد انا لا ادري ايهما ظل لي او ما هو
النصف الذي مات) قصة (النصف الضائع) (جسده يبدو ضامرا وروحه هي الاخرى
ملتاعة يائسة) قصة (الاقبية السرية).
ففي ظل الحروب وفي ظل القمع الذي تمارسه السلطات الدكتاتورية شئنا أم
أبينا ، ينتهكنا الآخر المتمثل بسلطة التدمير والاقصاء والقتل ، بغية
عزلنا ومحونا ومسخ شخصيتنا وهذا مانراه في قصة ( طفل الحروب ) اذ يحاول
القاص فيها تصوير عالم مليء بالفزع والاسى تحضر الحرب فيه بدرجة مهيمنة
كفعل لتمزيق و قتل الطفولة وتسيد الصمت ، ( وفجاة اقترب رجل طويل هجم
على ابني واطبق بكفه على يده عند الزند وهزه بعنف وهو يسب ويشتم
وتقاطيع وجهه توحي بحشية حيوان مفترس) (مات لساني وتحجر جسدي بهتت
روحي ولاذت بصمت ذاهل-انا ايضا لا اعرف ابدا لماذا كبلني الصمت-لاذ
ابني بالصمت ولاذت اهنا بالخجل-وكان الصمت يعقد لسانه والخجل يثقل
مشاعري.
و نراه في قصة (الرجل الاصم) يمتد ويتسع ليخلف وراؤه اجيال متواصلة من
التمزق والاغتراب والصمت فالوحشية لا ينعكس نسقها الاستبدادي في
الاجيال السابقة في هذه القصة فقط إنما يأتي انعكاسه مهيمنا من الجد
الى الاب والزوجة والابن الذي يمثل الجيل الحالي (ذات مرة قال لي ابي
في احدى نصائحه التي احفظها اطبقها طيلة حياتي قال كن اصما مع الكلمات
الجارحة التي تطلق عليك لا تنس ذلك فقط من الكلمات التي لا تروق لك-ص14
(قلت لزوجتي بعد ساعات الصمت الطويلة انني لم اعد احتمل هذا الوضع انني
اتضايق حقا بدات اشعر إن نصيحة ابي اخذت تعمل بالاتجاه المضاد لكن
المفاجاة التي اذهلتني تكمن في الصمت الحقيقي الذي اصاب زوجتي )ص15ـ
اللحظة التي قررت فيها إن ادخل فيها الى مشكلتي لا حظت الصمت المطبق
تخيم على وجه الولد ثم توقفت شفتاه عن التحرك حتى عيناه لم ترمشا بعد
ذلك وعرفت إن ابني قداصيب بالصمم ايضا كما في اطار مجتمع محكوم بسلطة
القتل والموت و في مجتمع يقمع حرية الانسان تمتد خيوط الايادي
الشيطانية هي الاخرى ايضا لتكشف عن سلوكيات التدنيس و الانحراف و
ارتكاب المحارم هذا ما يجعل البعد السكيولوجي واضحا وتظهر الحالة
العصابية لدى الشخصيات من خلال مواقفها التي تحاول فيها إعلان انهزامها
أمام الاخرالذي يسعى انتهاكها ففي قصة(الغرف المغلقة ) يحاول فيها
القاص المزج بين الوعي واللاوعي بين الحقيقة والخيال فتنهدم الفواصل ما
بين الانسانية واللا إنسانية في اللحظة التي تفتض فيه ابكار الطفولة
فيحاول القاص بحساسية خطاب الأديب ،الانسان، لاقطاً شخصية الطفل الذي
يتعرض للاغتصاب( واعادتها الى هياة الطفل الشاب الذي ياوي اليها بعدما
يحاصره الاخرون ويعبثون بجسده بلا وازع من شفقة) ،ويمكن أن نلمس فعل
الدكتاتورية الوحشية يبلغ مداها في قصة (الاقبية السرية) أيضاً عبر
واحدة من حالات الجنون والايغال في الهذينات التي يستحضرفيها القاص
صورة الإنسان الذي غيبه القمع واحاله الى انسان مقهور محطم كما نرى
ايضا إن في التعابير الانفعالية المفرطة في اغلب القصصى نوع من
الإزاحة التي تظهر ما هو مضمر في الدواخل الانسانية.
لعلّ مما يلفت، في هذا السياق تكرار الشخصيات ذاتها في اكثر من قصة ،
وهي شخصيات يحيلها المكبوت والمكشوف المتواري بقصد دلالة التكرار الى
واقع حقيقي وكأن الأمر يعني اشخاص بعينهم ويبدو هذا واضحا من خلال
الإلحاح على شخصية الاب الذي يبحث عن ولده الضائع الذي نجده يتكرر في
قصة(طفل الحروب)( ولدي الذي اختفى عني بلمح البصر) وفي قصة (فم
التنين)( ضاع مني منذ اعوام بعيدة تمعنت في وجهه عصرت ذاكرتي التي هدها
الزمن واللهاث وراء لقمة العيش نعم ها انا اراه بوضوح ها انا اتذكر انه
ولدي - ضاع ولدي وسط هذا الركام الغريب.
وفي التكرار الواضح لشخصية الفتاة التي تبحث عن اخيها الذي يظهر على
نحو لافت في قصة (الغرف المغلقة)( ضيعت اخاها مرة اخرى في متاهات
الغيب) وفي قصة (الاقبية السرية )(اخيها الذي اكلته وشربته الشائعات
الكاذبة وانتفى في دهاليز الغيب وقد يجد قارئ فيما سبق نوعا من
المحايثة للسيرية التي تعيد، من منطلق ، بناء التجربة المعيشية
الخاصة.
واذا كان التوتر والقلق يكونان السمة الأساسية للمجموعة فانهما لم
يولدا على مدار القصص سوى هيمنة العنف النفسي الذي نلاحظة حين نحصي
عدداً هائلاً من الألفاظ و التعابيراللغوية المرتبطة بالخطاب
السايكلوجي الذي يتسق مع الخط العام لتوجه الشخصيات و يبين رؤية القاص
للإطار الذي يسعى ايصاله وهذا ما جعله يلح ويغول فيه على مدار القصص
منها على سبيل المثال-فقد ثلاثة ارباع عقله في كواليس الحبس - تصاعدت
قهقاته الشيطانية بدرجة مخيفة(الغرف المغلقة)- فدبت في دخيلته نوبة قلق
وخوف(انا)- اعيش ماساة الانفصال عن الواقع والعالم واستسلم للشرود( فم
التنين)- استدعى الاطباء النفسانين عقد معهم جلسات طبية طويلة وعديدة
لكنها لم تستطع مسح صور هذا الكابوس-اطلق قهقه تشبه تلك التي يطلقها
المجانين وهم في حالة خوف ورعب (الوليمة)- ليس ثمة منهم من اعار
اهتماما لهلوسة الام أو لكلمات الصبي المخبول-كان يرى إن الصبي مصاب في
عقله وان كلامه هذا ليس سوى هذيان صبي ممسوس (مخبا الموت)-الان يمر في
نوبة تغيير متاججة يقارع فيها السكون والصمت- احال حياتي الى عذاب
مستديم ربما سينتهي بي الى الجنون - لم يتخلص من دوامة الجنون المفزعة
التي اجتاحته (الراس الحجري)-اخذ صوته المصدوع يتذبذب صعودا وهبوطا رقة
خشونة وضوحا وهذرا في نوبة الهلع التي انتابته - بدا لها كالممسوس فكل
شيء فيه يدل على انه فقد انسانيته ولم يتبقى منها الا ذبالة قد تنطفيء
مع هبة جنون قادمة(الاقبية السرية)- الرجل الذي ضاقت به شعاب
الجنون(رقيم الجنون)
من الواضح مما سبق نرى إن القاص وهو يحاول ربط المنهج النفسي بالاتجاه
الإيديولوجي كان يسعى اثراء العمل القصصي ومنحه ملمحا تعبيريا عمقياً
يحقق من خلاله ابعاد متعددة للقراءة ، كما يؤكد حقيقة سبقت الإشارة
اليها ايضا وهي ان ادانة الحروب والانظمة القمعية في بعدها الظاهر أو
المخفيّ في شخصياتها وأحداثها كان هدف المجموعة على امتداد قصصها.
توابيت عائمة في الذاكرة
حاتم الصكر
ربما كان الشاعر عبد الوهاب البياتي أول من أذاع مصطلح "المنفى" في
الشعر العربي منذ الخمسينيات بدوافع سياسية، عاناها مباشرة في العهد
الملكي في العراق، فسمى ديواناً مبكراً له "أشعار في المنفى"، أو
تاثراً بـناظم حكمت، المنفي من وطنه(تركيا)، الذي قال فيه إن الشاعر
حين وضعوه في الجنة صاح ملتاعاً: وطني! وأطلق مقولته التي كانت عنوانا
لأحد دواوينه: "يالحياة المنفى من مهنة شاقة.
لاحقاً سيكون المنفى أكثر قسوة، فهو اختيار -لا اضطرار مثل حالة حكمت
والبياتي- يسعى إليه المنفيون بأقدامهم وتسعى بهم إلى حيث العناء
والنوستالجيا، وهذا ما يشخصه خلدون الشمعة خاتما ديوان الشاعر عبد
اللطيف اطيمش" توابيت عائمة"، الصادر مؤخرا، مضيفاً أن "معظم قصائد
الديوان... هو حصيلة ذاكرة منفية جمدتها تحديقة ميدوزا في الزمان
والمكان.
لا يخفي أطيمش تلك المزايا، بل يعلنها كعتبات لقراءة شعره، الذي ينتمي
إلى مدرسة الشعر الحر العراقية أيام صعودها الإيقاعي والصوري
والمضموني. لذا يمكننا أن نعثر على ثيمات واضحة تعزز المباشرة
والطبيعية التي يعلنها الشاعر مفتتحا لديوانه مقتبسا من «ييتس» قوله:
«شعر الشاعر ينبغي أن يكون مباشرا وطبيعيا مثل كلام محكي». ويهدي
الديوان إلى أخيه الأكاديمي والكاتب الراحل محسن أطيمش، «الذي حالت
المنافي دون لقائنا المؤجل»، فيصبح للمنفى تضاعيف وخسائر عميقة تبرر
الشكوى من مفرداته وتفاصيله، ولكنها قد لا تبرر الدعوة إلى أن يكون
الشعر مباشرا وطبيعيا كما نص المفتتح.
في اشتباك التداعيات يتناظر الماضي -لاسيما المكان (الناصرية أو بقايا
"أور" القديمة)- والحاضر، زمناً للعيش بعيداً وقصياً عن الذكرى.
ذلك يفسر احتشاد الديوان بأسماء الأصدقاء والشوارع والحارات ومحطات
القطار والمدارس والمغنين والأشعار الشعبية، وكل ما يستحضر تلك المدينة
الجنوبية وأهلها؛ ولكن في سياق فجائعي وبكاء يرتفع ليناسب مهمة الوضوح
والمباشرة التي يدافع عنها الشاعر مستعيراً المأثورات.
آه من قلة الزاد
ومن وحشة في الطريق
وطول السفر
وتوفر له هذه الأقانيم الثلاثة ملخصاً لما يعاني في أيام المنفى، خاصة
وقد أسند السفر للقلب لا الجسد، تعظيماً للوحشة
آه من سفر القلب
ما بين منفى ومنفى
أين يمضي الزمان؟
وفي وطني
يهرم الناس قبل الأوان
ويزيد ألم الوصول إلى المنفى ما حل بالمكان الأول، حيث صار الوطن
توابيت عائمة فوق مياه نهرين كانا رمزاً للخصب والحب والحياة
مقابرنا سفن
فوق ماء الفراتين
تطفو التوابيت
ما بين نهرين
على صفحة الموج
لا أحد يوقف الموج
أو يوقف الموت
أو عارف أين ذاهبة
كل هذي التوابيت عائمة
فوق سطح المياه
تصطف في الديوان تفاصيل مدهشة يستعيدها الشاعر عن المكان الأول
(الناصرية) في تداعيات تؤشر إلى عمل الذاكرة بديلاً للخيال، فتنهمر
سجون وساحات ووجوه ورسوم وشوارع ومدارس ونساء وأصدقاء
كان "جودي”
نحيلاً
كعرجون سعف النخيل
وأسمر
مثل نواة البلح
كان يهوى الحياة
ويعشق ليل مدينته
ويهيم بواحدة من بنات المدينة
وهكذا تتشكل لوحة الوطن القصي الذي كان أيام جيل المنفى الأول جنة
مفقودة، فصار جحيما مشتهاة تغيم بعذوبة وعذاب فوق صفحة الذاكرة.
أختام هجرية، صورة شعرية حديثة على متون
نثرية قديمة
أسامة الشحماني
يكادُ يتفق مشتغلو النقد الأدبي العرب قدامى ومحدثون على كون الشعر هو
مركز الثقافة العربية ومحور تشكلها، ومنهم من عدّه أصلها، على إن هذه
المركزية لم تكن لتؤدي الى تطور في التنظير النقدي لخصوصيات وآفاق
الشعريات العربية، أو الى إعادة قراءة الدراسات البلاغية العربية
القديمة لدفع ما إضطلعت به من مناهج ومصطلحات نقدية الى أمام، بما يتسع
لإستيعاب ما طرأ على النص الشعري من تغيّر في أشكال التعبير و طبائع
البنى. ولعل سؤال الحداثة والتجديد في النص الشعري من أهم الأسئلة التي
عانت من التعكز على أسس نظرية وأرضيات فلسفية ما كانت من نتاج العقل
العربي، ولذا تفتقر المدونة النقدية العربية الى تأصيل واضح المعالم
لمفهوم الحداثة، ولم يتأسس مفهوم نقدي لمصطلح الحداثة حتى بعد ظهور
حركة الشعر الحر وما واكبها من حراك فكري، وهذا ما يمكن ملاحظته في أهم
كتاب نقدي ظهر في تلك الحقبة الزمنية، نعني دراسة الشاعرة نازك
الملائكة (قضايا الشعر المعاصر) ، إذ تتجنب الشاعرة قصداً وعلى إختلاف
تمفصلات كتابها الإشارة الى مصطلح الحداثة وتستعيض عنه بإصطلاحات أخرى
من قبيل التجديد أو المعاصرة، و لكلٍ معنى. ولسنا هنا في وارد البحث
المفصَّل في مسببات عزوف العقل النقدي العربي عن بحث مفهوم الحداثة،
ولكننا نرجِّح أنّ إشتغال النقاد بقضية قصب السبق في ريادة التجديد
(الشكلي) في الشعرية العربية غيَّبَ الإهتمام بالتأصيل النظري للتعامل
مع هذا المفهوم، الذي مازال يرزح تحت طابع شمولي، وموقف فكري ضبابي
متوتر، لا يكف عن تدمير العلاقة مع التراث بدعوى أفوله وضرورة البحث عن
بدائله، ومن هنا أصبح مفهوم الحداثة في الكثير من التجارب الشعرية لا
يعني أكثر من إنسلاخ الأنا عن أبعاد عالمها التراثي في محاولة لخلق
وتثبيت هوية مختلفة، منقطعة عن الذاكرة التاريخية، ولا أحسب قارئاً
يتصور أن حداثة الشعر الذي هو مركز الحضور الثقافي الإنساني يمكن أن
تتجلى بالقفز على أهم مرجعيات التواصل في البنى والأنساق المفترض
وجودها كمشتركات بين النص والمتلقي. الحداثة إستجابة حضارية وفعل حركي
تتجاوز النصوص فيه تحديدات الزمن، و كم من عملٍ شعري يجوز وصفه
بالحديث، فيما لو قورن بالكثير مما نشر باسم الحداثة، على الرغم من كون
تلك الاعمال تعود لشعراء قدامى سبقوا ضجيج العديد من مدعي الحداثة
الآن.
إن إرتباك المشهد النقدي العربي قاد تلقائياً الى بروز نصوص وأسماء
كثيرة أصبحت محسوبة على الحداثة الشعرية، في حين أنها لم تأخذ من حمى
الحداثة غير هذياناتها، وبقيت تدور حول فكرة مستهلكة إختزلت الحداثة
بتكريس فوضى النص كشكل تعبيري عن فوضى الحياة، ولم تجهد نفسها إلا في
صياغة نصوص حاولت الإستجابة لإشتراطات النظرية النقدية وما لها من
إجرائية منهجية صارمة، أكثر من إستجابتها لحاجة النص الشعري الذي هو
أقوى تأكيد عرفته أشكال الأدب لإستمرار ليونة اللغة وطرائها الفني. إن
كل هذا الإضطراب حدث كنتيجة طبيعية لعدم وضوح المفاهيم عند غالبية
كبيرة ممن إستلطف فكرة تداول الحداثة، فمنهم من عدها لهاثاً وراء ما
يتوائم ومقاسات إسلوبية جاهزة نقلتها ترجمات ذات طابع تجاري فإعتقدوا
أنها هي الحداثة ولم يعوا أنهم بهذا اللهاث أجهزوا على اللغة وخنقوا
كلَّ ما فيها من مكامن شعرية. وقد برزت ظاهرة التضخم في النتاج الشعري
(الحديث) بشكل لافت للنظر في بغداد، ولا عجب، بوصفها من أهم مدن العالم
العربي وأكثرها وضوحاً في مسيرة تحديث الشعرية العربية إبتداءً من أبي
نؤاس وليس إنتهاءً بالربع الأخير من القرن العشرين حيث تنامى دور
الشاعر و موقفه مما تعاقب على الإنسان العراقي من تواريخ مؤلمة، وحيوات
معطوبة. لقد تشكلت تجارب شعرية عراقية مهمة نذكر منها على وجه التحديد
تجربة حداثة النخبة التي نهض بها ثلة من شعراء جيل الثمانينيات و
التسعينيات، إذ تعاملوا مع الحداثة كاسلوب وموقف من الحياة وليس من
الوزن والقافية، فكانت لهم ملامح شعرية ذات خصوصية لغوية لم تقع تحت
تأثير سلطة التنظيرات الحداثية المتطرفة، تلك التي دعت للقطيعة مع
التراث وبشرت بقيم ليست من نتاجها، وإنما كانت معنية بنبذ الجزء الخامل
من التراث الشعري شكلاً ومضموناً، وخلق فعلٍ شعري يتنامى داخله دور
الشاعر ليصبح شاهداً على ما يرى، ويعيش إسطورة وجوده وطبيعة وعيه
بالأشياء متحرراً من القيود الثقافية والأقماط المعرفية أو القوالب
والطقوس التي رافقت موجة الحداثة. ولذا يمكننا القول إن إشكالية
المنظور النظري للحداثة لم تمنع الشعرية العراقية النخبوية من أن تقدم
إبداعات خصيبة، فلم تكن معنية كثيراً بالجري وراء ذلك الهاجس النظري،
وعلائقه بالمنظومات الفكرية الغربية كما ساد في المشهد الثقافي العربي،
بقدر عنايتها بالتأسيس لنصوص تثبت إستقلالية العقل الشعري عن سلطة
التجارب السابقة، وليس عن مجمل مرجعياتها الفكرية وخلفياتها النظرية،
ولعل هذه هي إحدى أهم ميزات الحداثة الشعرية العراقية التي مثلها في
العقدين الأخيرين من القرن الماضي شعراء متحرِّرون من ثقل التبعية و
الإنتماءات ، فكان لهم أسلوب شعري منفرد كرَّس الجانب الثوري والرؤيوي
للحداثة ليحقق توافقاً وإنسجاماً في الإشكالية الأكثر جدلاً في هذه
الموضوعة ، وهي ثنائية الماضي والحاضر.
قصة قصيرة
الــحــافــلــة
حسن عبد الرزاق
طلب من سائق الحافلة النزول.
ثيابه بدوية .. وعلى وجهه براءة الصحاري .. وفي قلبه ستة مسامير.
من الخانة الاخيرة - حيث كان جالسا - حتى الباب ، مسح جميع وجوه
الركاب.
فرقبته تلفتت يمينا ويسارا واستدارت الى الخلف قليلا وعادت الى الامام
ملتقطة صور الجميع بعينين تغشيهما غلالة من الاستغراب.
ضحك وابتسامات .. ومن فم شاب مراهق اثاره التلفت ، تنطلق تعليقات
مترادفة لم يفهم الرجل معناها لكن الضحك افهمه انها سخرية منه ليس الا.
وطأت قدماه الارض واستقبله نسيم البرية الاذاري وخضرة اعشابها الممتدة
من حافة اسفلت الطريق الخارجي حتى خارج النظر حيث تقع مرابع اهله هناك.
لقد عاد الان من سفرة طبية الى العاصمة اخذت من حياته الصحراوية يوما
ونصف اليوم ومن المفروض ان يهرع باشواقه نحو الجهة التي تحتوي عالمه
الهادي هدوء الجنة ، لكنه تابع الحافلة بفم مغلق لعل السيارة تذكره في
هذه اللحظات الاخيرة الى أي جنس ينتمي ركابها.
انه يبتسمون ويقهقهون ويسخرون ونام بعضهم على المقاعد واكلوا في مطعم
الطريق.
كاد راسه ان يتصدع وهو يتلقى رنين تلك الاسئلة قبل ان يترك صورة
الحافلة وبقية السيارات المتخاطفة رواحا ومجيئا ويتجه الى اهله
البعيدين عن الطريق الخارجي.
كاد فعلا...
في الليل وبعد ان نامت زوجته العجوز مخدرة بالدواء الذي جلبه اليها ..
اخرج نايا قديما كان قد دسه في صرة من قماش منذ ان غادر عمر العشق
والغناء السحيق.
ولكي يخلص راسه من التصدع سحب الاسئلة منه الى صدره وتركها تسرب نارها
من فم الناي.
وكان في تلك النار سخونة بارود ينفجر وجمر اجساد ستة تتفحم ولون دماء
يصبغ الشارع المحاذي للمراب.. وفيها ايضا نظرات صفيقة لوجوه ركاب راوا
كل هذا قبل ثلاث ساعات فقط ثم نسوه تماما وعادوا يضحكون. |