|
شبهة الوحي النفسي
غازي عناية
إنّ الرسول (ص) كان يتمتع بوحي نفسي،
وما القرآن إلا من استنباطه العقلي، وإدراكه الوجداني عبّر عنه محمد
بأسلوبه، وبيانه، ولغته، ومكنه من ذلك ذكاؤه، وفراسته، وقوة فطنته،
وعمق تأملاته، ورفاهة أحاسيسه استخدمها كلها في تلفيق الأخبار، وسرد
الغيبيات، وتبيان الحقائق العلمية.
ـ تفنيد هذه الشبهة:
يمكننا تفنيد هذه الشبهة بعدة أمور هي:
أولاً: إن الرسول (ص) لم يعرف عنه أنه كان يتمتع بالوحي النفسي، وقومه
يعرفونه حق المعرفة، والقرآن الكريم يتعدى، ويتجاوز كل ما نسبوه إلى
الرسول (ص) من صفات، وخوارق، بل يتعدى كل استنباط عقلي، أو إدراك
وجداني.. وكذلك لم يعرف عن النبي (ص) قبل البعثة أنه أُوتي خوارق
الأخبار، والغيبيات، والعلوم، كما أنه لم يحدث عن أساطير الأولين، وهو
المشهور بصدق الحديث الصادق الأمين.
ثانياً: فبالنسبة لأخبار الأمم، وقصص الأنبياء مع أقوامهم، فإن ما جاء
به القرآن فوق طاقة العقل البشري، ومهما أوتي من ذكاء، أو فطنة، أو
فراسة، مما يثبت أن تلك الأخبار، والقصص إنما وردت، وبكل يقين للنبي
(ص) عن طريق التلقي، والتلقين، والإيحاء ممن يعلم الغيب. وهذا مصداق
قوله تعالى: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا
قومك من قبل هذا فاصبر إنّ العاقبة للمتقين) سورة هود آية 49.. وقد ربط
الله تعالى بين التنزيل القرآني، وسرد القصص على مسامع النبي (ص) مصداق
قوله تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن
كنت من قبله لمن الغافلين) سورة يوسف آية 3.. وقد تناول القرآن قصص
الأنبياء، والرسل، وأخبار الماضين بتفصيل لحقائقها، وتبيين لوقائعها
بشكل واضح تعجز عنه العقول، والتنبؤات، وبشكل يخرص الألسنة، ويسكت
الأقلام، ويفند الافتراءات، فالقرآن يضرب فى أغوار التواريخ، ويخبر عن
أقدم الأخبار في خلق الأمم مما يتجاوز حدود إعمال الفكر بحيث يستحيل
على النبي (ص) أو غيره أن يعرفها، أو يطلع على أخبارها. والقرآن نفى
ذلك عن الرسول (ص).. فهذه آيات قرآنية تفصل أحوال موسى، وفي أخباره مع
أهل مدين. قال تعالى: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر
وما كنت من الشاهدين * ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر وما كنت
ثاوياً في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين) سورة القصص
آية 44 ـ 45.. وهذه آيات قرآنية تخبر عن كفالة زكريا لمريم، وولادة
المسيح منها كلمة من الله تعالى. قال تعالى: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه
إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ
يختصمون * إذ قالت الملائكة يا مريم إنّ الله يُبشِّرك بكلمة منه اسمه
المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين) سورة آل
عمران آيات 44 ـ 45.. وهذه آيات قرآنية تسهب في سرد قصة يوسف مع إخوته.
قال تعالى: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا
أمرهم وهم يمكرون) سورة يوسف آية 102.. وقد تناولت الحكمة الربانية في
سرد القصص، ورواية الأخبار بين جميع الأنبياء، والرسل أيضاً. قال
تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى) سورة
يوسف آية 109. وقد أصل القرآن الكريم عظمة الاعتبار من سرد القصص،
وشواهد تثبيت معالم الألوهية لهذا القرآن. قال تعالى: (لقد كان في
قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين
يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) سورة يوسف آية 111.. وقد
تناول الإعجاز الإلهي في سرده للقصص أرقاماً حسابية وحقائق عددية تثبت
ألوهية هذا القرآن، وتنفي عنه صفة الوحي النفسي البشري.. القرآن يذكر
مدة مكث نوح (ع) في قومه، وهي: ألف سنة إلا خمسية عاماً.. قال تعالى:
(ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسية عاماً فأخذهم
الطوفان وهم ظالمون) سورة العنكبوت آية 14.. والقرآن يذكر مدة لبث
أصحاب الكهف في كهفهم، وهي: ثلاث مائة وتسع سنوات. قال تعالى: (ولبثوا
في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً) سورة الكهف آية 25.. ثالثاً:
وبالنسبة للغيبيات المستقبلية: فقد أعجزهم القرآن، وأثبت أن ذلك ليس في
مقدور البشر حتى والأنبياء منهم، فقد أخبر القرآن غيبيات كثير من
الأمور، والحوادث التي ستقع مستقبلاً، ومنها:
أ ـ انهزام المشركين في غزوة بدر، مصداق قوله تعالى: (سيهزم الجمع
ويولون الدبر) سورة القمر آية 45. فسورة القمر مكية، وانهزام المشركين
حصل في بدر في المدينة بعد هجرة النبي (ص) إليها بسنتين.
ب ـ غيبية انتصار الروم على الفرس في بضع سنين مصداق قوله تعالى: (الم
* غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين
لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون) سورة الروم آيات 1 ـ
4.
ج ـ غيبية أداء عُمرة القضاء، ودخول المسجد الحرام محلقين رؤوسهم
ومقصرين مصداق قوله تعالى في سورة الفتح: (لقد صدق الله رسوله الرياء
بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين
لا تخافون) سورة الفتح آية 27.
د ـ غيبية انشقاق القمر: مصداق قوله تعالى في سورة القمر: (اقتربت
الساعة وانشقَّ القمر * وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) الآية
1 ـ 2.
رابعاً: وبالنسبة للحقائق العلمية فما ورد في القرآن يؤكد ألوهية
التنزيل القرآني. والجميع على علم بأمية محمد (ص)، ولا شأن له بحقائق
العلم الغيبية، والتي أوردها القرآن، والتي لا يزال العلم يكتشفها،
ويؤكد حقيقتها كآيات ربانية تنفي عن النبي (ص) قرآنية الاستحداث
الغيبي، أو الافتراء العلمي، أو الإيحاء النفسي كما يزعمون.
ـ أمثلة على هذه الحقائق:
الأولى: حقيقة خلق الإنسان من طين. مصداق قوله تعالى فى سورة ص: (إذ
قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين) الآية 71.
الثانية: حقيقة خلق الإنسان أطواراً، مصداق قوله تعالى في سورة
المؤمنون: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة خلقنا
العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأته خلقاً
آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) الآيتان 13 ـ 14. ومصداق قوله تعالى في
سورة نوح: (وقد خلقكم أطواراً) الآية 14.
الثالثة: حقيقة خلق كل شيء من ماء، مصداق قوله تعالى في سورة الأنبياء:
(وجعلنا من الماء كل شيء حي) الآية 30.
الرابعة: حقيقة دوران النجوم، والكواكب في أفلاكها. مصداق قوله تعالى
في سورة يس: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار
وكل في فلك يسبحون) الآية 40.. ولنا القول: بأن شبهة تمتع الرسول (ص)
بالوحي النفسي لا تقوم على دليل، وتفقد كل مسوغ. بل هي في حد ذاتها من
قبيل الهذيان النفسي الذي انتاب نفراً من الضعفاء الحاقدين من أهل
الكفر الذين لم يستطيعوا بأي حال من الأحوال أن ينكروا نبوة محمد (ص)،
أو الوحي الإلهي بالقرآن له مصداق قوله تعالى في سورة الأعراف: (وإذا
لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إليَّ من ربي)
الآية 203. والرسول (ص) بشر من الناس اختصه الله بالنبوة، فلم العجب،
والأنبياء والرسل كلهم من البشر!! قال تعالى في سورة الكهف: (قل إنما
أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) الآية 110. وإنه (ص) بشر
لا يملك لنفسه نفعاً، ولا ضراً، ولا يعلم الغيب إلا بإيحاء من الله
تعالى مصداق قوله تعالى في سورة الأعراف: (قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا
ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني
السوء إن أنا إلا نذير وبشير) الآية 188.. وإنه (ص) يشهد على نفسه
بالبشرية مصداق ما رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن: «سمع رسول الله
(ص) خصومة بباب حجرته فخرج إليهم، فقال: إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون
إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له
بذلك، فمنن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها، أو
يتركها.. ولعل من المفيد أن نختم الرد على هذه الشبهة بما قاله المفكر
المسلم محمد عبدالله دراز في كتابه «النبأ العظيم» حيث يقول: «هذا
الرأي هو الذي يروجه الملحدون اليوم باسم (الوحي النفسي) زاعمين أنهم
بهذه التسمية قد جاؤونا برأي علمي جديد، وما هو بجديد، وإنما هو
الجاهلي القديم، لا يختلف عنه في جملته، ولا في تفصيله، فقد صوروا
النبي (ص) رجلاً ذا خيال واسع، وإحساس عميق، فهو إذن شاعر، ثم زادوا،
فجعلوا وجدانه يطغى كثيراً على حواسه، حيث يخيل إليه أنه يرى ويسمع
شخصاً يكلمه.
القرآن..يتجلى في تكوين كوكب الأرض
الشيخ نزيه القميحا
الأرض كوكب سابح في الفضاء ضمن مجموعة
تابعة للشمس، عاش عليها بلايين البشر على مدى الزمن.. يرد ذكرها في
القرآن كثيراً، وأنها خلقت بعد السماء، قال سبحانه وتعالى: (والأرض بعد
ذلك دحاها) النازعات/ 30.. وأنها منة من الباري سبحانه لخليفته فيها
(إني جاعل في الأرض خليفة) البقرة/ 30.. وأنها لم تُخلق، مع المخلوقات
التي عليها، عبثاً بدون سبب أو حكمة.. إنها باب الحياة الفُضلى،
والطريق الموصل إلى النهاية الخالدة.. إنها ذات حجم أصغر من حجم الشمس
بمليون و 300 ألف مرة!! وأن وزنها اقل من وزن الشمس بـ / 332 ألف مرة!!
وأن بعدها عن الشمس/ 93 مليون ميل!! وأن دورتها اليومية حول نفسها تتم
بـ 24 ساعة!! وأن دورتها السنوية حول الشمس تتم في مدة / 365 يوماً
ونحو ربع اليوم.. وأن شكل مدارها حول الشمس اهليليجي.. وأن سرعة
دورانها حول نفسها ألف ميل في الساعة.. وأن سرعة دورانها حول الشمس/ 18
ميل في الثاني!! وأن وضعها على مدارها مائل بزاوية قدرها/ 23 درجة!!
هذا ما أثبته العلم الحديث من معلومات عن الارض بعد دراسات طويلة،
وتجارب مريرة.. ويقول العلم أيضاً: لو كان حجم الأرض أكبر مما هو عليه
الآن، أو أصغر. أو كان ثقلها وكثافتها أقل أو أكثر، لاختلّ أمر الحياة،
أو تغير، أو تشوه.. إن حجمها متناسب مع سرعتها، ومع دورتها.. وثقلها
متناسب مع قوة جذبها، وهكذا.. فلو زاد الحجم، أو نقص لتغيرات السرعة،
والمدة في دورتها.. ولو قل جذبها لأفلت الأوكسجين منها.. ولولا الدورة
اليومية حول نفسها لما كان لنا ليل ونهار.. ولو زادت سرعة دورانها حول
نفسها عن ألف ميل في الساعة، أو قلت، كما هو الحال في بقية الكواكب،
لاستحالت الحياة عليها.. فمثلاً: لو كانت سرعتها مئة ميل في الساعة بدل
ألف! لأصبح طول النهار/ 120 ساعة، ولاحترق الزرع من طول النهار، وشدة
الحر، ولزوى في زمهرير الليل، ولاختل ميزان العمل في النهار، والراحة
في الليل.. ولكن الله سبحانه الخالق الحكيم، جعل هذه السرعة ثابتة فلم
يطرأ عليها أي تبديل ولو بمقدار ثانية واحدة منذ بلايين السنين..
وبحكمته عزوجل جعل الإنسان مشدوداً إليها بقانون الجاذبية.. وقانون
الجاذبية هذا اكتشفه العلم الحديث، وعرفه من آثاره، ولم يدركه بأي حاسة
من الحواس الخمس، وعليه يتوقف العلم اليوم. فالأرض مع جيرانها من
الكواكب ترتبط بالشمس بوساطة الجاذبية، والشمس بدورها ترتبط بالمجرة
بوساطة الجاذبية، والمجرة ايضاً ترتبط بالكون بوساطة الجاذبية.. وهكذا
نجد الكون كله مترابطاً متماسكاً تحت قانون عرفوه من آثاره، وأسموه
الجاذبية.. بينما المؤمن بالله تعالى يقول: إن الكون يرتبط ارتباطاً
وثيقاً بقدرة الخالق، المكون، المدبر، الحكيم، وهو خالق الأسباب
والمسببات والقوانين، وهوا لمشرف على إدارته وتدبيره، لا يغيب عنه: (حي
قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما فيا لسماوات والأرض) البقرة/ 255)..
فأبناء العلم العصري يسألون المؤمن، هل رأيتَ ربك بعينك؟.. فهل للمؤمن
أن يسأل أبناء العلم اليوم: أنتم تؤمنون بوجود الجاذبية، بل وتعتقدون
أن الكون مترابط بها وقائم عليها، فهل رأيتم الجاذبية؟ أو لمستموها
بإحدى الحواس الخمس؟ لابد أن يكون جوابهم: أننا آمنا بالجاذبية
وعرفناها من آثارها فنقول لهم: لماذا يحق لكم ما لا يحق لغيركم؟ ـ
القرآن يتجلى في حركة الأرض وكرويتها: منذ مئات السنين والخلاف على
أشده: هل الأرض، كروية ومتحركة، أم أنها ثابتة ومسطحة؟ بنظر الإنسان
الساذج تبدو ثابتة والشمس متحركة، ولكن العلماء اخترعوا المراصد
وأثبتوا من خلالها أن كل الأجرام السماوية متحركة، وهذا ما جاء به
القرآن الكريم منذ مئات السنين: (وكل في فلك يسبحون) يس/ 40.. قبل أن
نذكر الآيات القرآنية التي تثبتُ حركة الأرض ودورانها، علينا أن نذكر
مقدمة تمهيدية: نزل القرآن الكريم في زمان كان يغلب على أهله الجهل
والتخلف والفساد، فنهض بأبنائه، وحثهم على العلم والمعرفة والكشف عن
أسرار الكون.. ثم تحكم بالأمة مَن ليس أهلاً للحكم، وسيطر العدو الكافر
من جديد.. وما الى ذلك إلا لابتعاد الناس عن قانون السماء، الذي رسمه
الحق سبحانه هدى ورمة، وطريق أخلاق ومعرفة.. وكان الغرب من ناحيته يرزح
تحت حكم الجهل، باسم الدين، ويقمع كل علم لا يتماشى مع مفهوم الكنيسة
للخلق والحياة.. هذا (كوبرنيكوس) ثبت له علمياً أن الأرض متحركة، وكان
هذا مخالفاً لتعاليم الكنيسة في ذلك الحين، (مع أنه كان أسقفاً من
أساقفتها)، فرفع كتابه إلى البابا بولس الثالث، يقول في مقدمته: ((إذا
وجدت أُناساً أخذوا على عاتقهم، رغم جهلهم بالرياضيات، أن يحكموا على
هذه الآراء وفقاً لآية من الكتاب المقدس شوهوا صفوها حتى يوافق هواهم،
فإنني لا أقيم لها وزناً، بل أحتقر حكمهم الأحمق، وإنني لأرفع بحثي في
هذا الموضوع إلى قداستكم، ثم إلى أعلام الرياضيين ليحكموا فيه. ولم
يمتد العمر بكوبر نيكوس طويلاً، إذ أُصيب بشلل أقعده ثم مات بعد أن ظلّ
هدفاً للسخرية والإزدراء.. ثم جاء بعده (برونو) وأعلن قبوله للنظام
(الكوبرنيكي)، فعدّ ذلك منه خروجاً على الكنيسة، فلجأ إلى جمهورية
البندقية، ولكنه حُوكم، وحُكم عليه بالسجن، وبعد ست سنوات، رأى أولو
الأمر أن السجن لا يكفي في معاقبته، فحُكم عليه بالموت حرقاً، وكانت
آخر كلماته: إنكم وأنتم الحاكمون علي أشد خوفاً مني أنا المحكوم عليه،
فقد كافحتُ وهذا كثير.. أما النصر ففي أيدي القدر. أما كيف يكون حكم
القدر فالعصور المقبلة لن تنكر علي ـ أياً كان المنتصر ـ إنني لم اخشَ
الموت! فآثرتُ الموت على حياة الجبن.. وجاء دور (غاليلو) الذي تأكد
علمياً من صحة رأي كوبرنيكوس، فأعلن رأيه وجاء بالأدلة والبراهين على
صحة ما ذهب إليه.. اصتدر رجال الدين أمراً بطلبه إلى روما حيث قرر مجمع
الكرادلة، اعتبار كتابات (كوبرنيكوس) محرمة، ويعاقب قائلها وناشرها
ومعتقدها.. وبذلك وجد غاليلو نفسه بين خطرين: إما السجن والتعذيب، وإما
ترك آراء كوبرنيكوس، وهي الحق كل الحق.. فآثر السلامة، وسلّم بما لابد
منه.. وبعد أن توفي البابا بولس الخامس، وخلفه البابا أربان الثامن،
(وكان من أصدقاء العالم غاليلو)، ظنّ أن العهد الجديد سيكون عهد تساهل،
فوضع كتاباص على نمط محاورة بين ثلاثة أشخاص.. أحدهم يمثل رأي
كوبرنيكوس، والثاني يمثل رأي أرسطوطاليس وبطليموس، والثالث يُدير
المناقشة. وجعل الغلبة لرأي كوبرنيكوس.. صودر الكتاب، وأُستدعيَ غاليلو
للمحاكمة، وأمام مجمع الكرادلة حكموا بإعدام مؤلفاته! ولكن نظراً لكبر
سنه، واعتدال صحته، وإعلانه لتوبته، اكتفت المحكمة بسجنه في ديوان
التفتيش طول عمره.. وخرج من المحكمة وهو يقول كلمته المعروفة: (ومع ذلك
فهي تدور)، وظل سجيناً إلى أن مات.. وعندما كنتُ أكتب هذه الكلمات عن
تسلط علماء الدين الجهلة في الماضي، وحكمهم على أهل الفكر والعلم
بالسجن والإعدام، طالعتنا مجلة الكفاح العربي في عددها رقم/ 904 الصادر
في تاريخ 27/ 11/ 1995 بكتاب لمفتي الديار السعودية، الشيخ عبدالعزيز
بن باز يقول فيه: إن الأرض باثتة، والشمس هي المتحركة، وكل مَن يقول
غير ذلك فهو كافر، ويجب قتله بعد أن يستتاب.
وقال أيضاً: إن الفكر هو الكفر! لأنهما يتألفان من نفس الأحرف.. قال
الله تعالى: (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل) الزمر/
5.. اللغة: يكور، أي يلف، ومنه كّور العمامة على رأسه أي أدارها على
هيئة حلزونية.. عبر الله سبحانه عن كروية الارض بشكل علمي حديث.. إن
العلماء بعد أن صعدوا في الفضاء، وراقبوا الأرض عن بُعد، (بعد سنة/
1958)، وجدوا أن الجانب المواجه للشمس مضيء دائماً، والجانب الآخر مظلم
دائماً، وهي تدور حول محورها، وهذا الدوران المستمر أي اللف المتعاقب
والدائم، موصوف في كلام الله تعالى: (يكور الليل على النهار ويكور
النهار على الليل).
قال الله سبحانه هذا القول في زمان لم يكن عند أهله أي فكرة عن حركة
الأرض، أو دورانها حول نفسهن أو حول الشمس. وقد أشار سبحانه إلى دورتها
وحركتها بآيات أخرى.
منها قوله تعالى: (يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً) الأعراف/ 54.
هل هناك تعبير أوضح وأبين من هذا الكلام، الذي يوضح أن الليل يطلب
النهار بسرعة وإلحاح، وأن لا نهاية لهذا الطلب، أو الملاحقة، وأنه
يغشاه ويتداخل به؟.
ومنها قوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون)
يس/ 37.
هل رأى الإنسان كيف يتداخل الليل مع النهار، أو كيف ينسلخ أحدهما من
الآخر؟.
ما هذا إلا كلام الله عزوجل، العالم بسر الخلق، وعظمة الصنعة، وقدرة
الخالق المهيمن سبحانه.
ومنها قوله تعالى: (ألم ترَ أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار
في الليل) لقمان/ 26.
عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير
هل إيلاج الليل في النهار إلا دخوله فيه؟!.
وهل هناك تعبير أجمل وأوضح من هذا على كروية الأرض وحركتها؟.
ومنها قوله سبحانه وتعالى: (يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة
لأولي الأبصار) النور/ 44.
حقاً إنه كلام الله سبحانه، عالم الماضي، والحاضر، والمستقبل، إنه
الحكيم الخبير.
إنه يخاطب أولي الألباب، أصحاب المعقول والأفهام.
ومنها قوله تعالى: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق
النهار وكل في فلك يسبحون) يس/ 40.
وقوله تعالى: (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك
يسبحون) الأنبياء/ 33.
هنا يذكر القرآن الكريم بوضوح أمراً جوهرياً، ألا وهو وجود مدار لكل من
الشمس والقمر، وأ هذين الجرمين ينتقلان في الفضاء كل بحركة حقيقية خاصة
به.
كل من تأمل هاتين الآيتين وجد أن الله سبحانه قد ذكر الشمس والقمر
صراحة.
وذكر الأرض بذكر الليل والنهار، ليدل العلماء على أن الأرض تدور حول
محورها فتؤلف الليل والنهار.
وعلاوة على ذلك قال سبحانه: إن هذه الأجرام التي نراها، ونعيش عليها،
كلها في فلك تسبح!
وهذه من التشبيهات الجميلة التي عرفها الإنسان الحديث بوساطة التلسكوب،
ورأى كيف أن كل ما في الفضاء من نجوم ومجرات وكواكب تسير وتسبح في ظل
نظام دقيق، وقانون لا تحيد عنه.
ومنها قوله تعالى: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم
قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن
بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) يونس/ 24.
في هذه الآية الكريمة بين سبحانه كروية الأرض وحركتها بشكل واضح، لأن
قوله: (ليلاً أو نهاراً) يوضح المعنى.
وأنه سبحانه يخبر بأنه سيحطم الأرض ويدمرها بعد أن تصل المدنية إلى أوج
عزها، ويأتيها هذا الأمر في وقت يكون نصفها في حالة الليل، والنصف
الآخر في حالة النهار.
وهذا ينسجم تماماً مع الشكل الكروي للأرض كما هو معلوم.
ومنها قوله تعالى: (والأرض مددناها) ق/ 7.
في هذه الآية دلالة واضحة على كروية الأرض، لأن السائر عليها تبدو له
لأول وهلة أنها غير كروية، فهي ممتدة أمامه امتداداً فسيحاً، ولكنه إذا
سار لا يصل إلى طرفها، بل يعود إلى نقطة انطلاقه.
يصل إلى طرفها، بل يعود إلى نقطة انطلاقه.
أوَليس في ذلك دلالة واضحة على أنها كروية ممدودة أمام الإنسان؟.
ومنها قوله تعالى: (والأرض بعد ذلك دحاها) النازعات/ 30.
الدحو في اللغة: الدحرجة، قالوا: دحى الولد الكرة أي دحرجها.
ولا تتحقق للأرض الدحرجة إلا إذا كانت كروية مثل الكرة.
وهذه من الآيات الدالة بوضوح على كروية الأرض وحركتها..
الإعجاز في مفهومه
محمد هادي معرفة
الإعجاز: مصدر مزيد فيه من (عجز) إذا لم يستطع أمراً، ضد (قدر) إذا
تمكن منه. يقال: أعجزه الأمر، إذا حاول القيام به فلم تسعه قدرته
وأعجزت فلاناً: إذا وجدته عاجزاً أو جعلته عاجزاً.. والمعجزة ـ في
مصطلحهم ـ تطلق على كل أمر خارق للعادة، إذا قرن بالتحدي وسلم عن
المعارضة، يظهره الله على يد أنبيائه ليكون دليلاً على صدق رسالتهم..
وهي تتنوع حسب تنوع الأمم المرسل إليهم في المواهب والمعطيات، فتتناسب
مع مستوى رقيهم في مدارج اكمال، فمن غليظ شديد إلى رقيق مرهفن ومن قريب
مشهود إلى دقيق بعيد الآفاق. وهكذا كلما تقادمت الأمم في الثقافة
والحضارة فإن المعاجز المعروضة عليهم من قبل الأنبياء (ع) ترق وتلطف،
وكانت آخر المعاجز رقة ولطفاً هي أرقاها نمطاً وأعلاها أسلوباً، ألا
وهي معجزة الإسلام الخالدة، عرضت على البشرية جمعاء مع الأبد، مهما
ارتقت وتصاعدت في آفاق الكمال، الأمر الذي يتناسب مع خلود شريعة
الإسلام.. ولقد صعب على العرب ـ يومذاك وهم على البداوة الأولى ـ تحمل
عبء القرآن الثقيل، فلم يطيقوه. ومن ثم تمنوا لو يبدل إلى قرآن غير
هذا، ومعجزة أخرى لا تكون من قبيل الكلام: (قال الذين لا يرجون لقاءنا
ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن
أتبع إلا ما يوحى إليّ). إنها لم تكن معجزة للعرب فقط، وإنما هي معجزة
للبشرية عبر الخلود، لكن أنى لأمة جهلاء أن تلمس تلك الحقيقة وأن تدرك
تلك الواقعية سوى أنها اقترحت عن سفه: أن يفجر لهم من الأرض ينبوعاً،
أو تكون له جنة من نخيل وعنب ويفجر الأنهار خلالها تفجيراً، أو يسقط
السماء عليهم كسفاً، أو يأتي بالله والملائكة قبيلاً، أو يكون له بيت
من زخرف أو يرقى في السماء، ولا يؤمنوا لرقيه حتى ينزل عليهم كتاباً
يقرؤونه... وقد عجب النبي (ص) من مقترحه ذلك التافه الساقط، مما يتناسب
ومستواهم الجاهلي، ومن ثم رفض اقتراحهم ذاك (قل سبحان ربي هل كنت إلا
بشراً رسولاً). أي ليس هذا من شأنكم وإنما هي حكمة بالغة يعلمها الحكيم
الخبير.. قال الراغب الاصفهاني: المعجزات التي أتى بها الأنبياء (ع)
ضربان: حسي وعقلي: فالحسي: ما يدرك بالبصر، كناقة صالح، وطوفان نوح،
ونار إبراهيم، وعصا موسى (ع).. والعقلي: ما يدرك بالبصيرة، كالإخبار عن
الغيب تعريضاً وتصريحاً، والإتيان بحقائق العلوم التي حصلت عن غير
تعلم.. فأما الحسي: فيشترك في إدراكه العامة والخاصة، وهو أوقع عند
طبقات العامة، وآخذ بمجامع قلوبهم، وأسرع لإدراكهم، إلا أنه لا يكاد
يفرق ـ بين ما يكون معجزة في الحقيقة، وبين ما يكون كهانة أو شعبذة أو
سحراً، أو سبباً اتفاقياً، أو مواطأة، أو احتيالاً هندسياً، أو تمويهاً
وافتعالاً ـ إلا ذو سعة في العلوم التي يعرف بها هذه الأشياء.. وأما
العقلي: فيختص بإدراكه كملة الخواص من ذوي العقول الراجحة، والأفهام
الثاقبة، والروية المتناهية، الذين يغنيهم، إدراك الحق.. وجعل تعالى
أكثر معجزات بني إسرائيل حسياً لبلادتهم، وقلة بصيرتهم، وأكثر معجزات
هذه الأمة عقلياً لذكائهم وكمال أفهامهم التي صاروا بها كالأنبياء.
ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (كادت أمتي تكون أنبياء).. ولأن هذه
الشريعة لما كانت باقية على وجه الدهر غير معرضة للنسخ، وكانت العقليات
باقية غير متبدلة جعل أكثر معجزاتها مثلها باقية. وما أتى به النبي (ص)
من معجزاته الحسية، كتسبيح الحصا في يده، ومكالمة الذئب له، ومجيء
الشجرة إليه فقد حواها وأحصاها أصحاب الحديث. وأما العقليات: فمن تفكر
فيما أور6ه (ع) من الحكم التي قصرت عن بعضها أفهام حكماء الأمم بأوجز
عبارة اطلع على أشياء عجيبة.. ومما خصه الله تعالى به من المعجزات
القرآن: وهو آية حسية عقلية صامتة ناطقة باقية على الدهر مبثوثة في
الأرض، ولذلك قال تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما
الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين. أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك
الكتاب يتلى عليهم) ودعاهم ليلاً ونهاراً مع كونهم أولي بسطة في البيان
إلى معارضته، بنحو قوله (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا
بسورة من مثله. وادعوا شهداءكم من دون الله) وفي موضع آخر: (وادعوا من
استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) وقال: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن
على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض
ظهيراً).. فجعل عجزهم علماً للرسالة، فلو قدروا ما أقصروا، إذ قد بذلوا
أرواحهم في إطفاء نوره وتوهين أمره، فلما رأيناهم تارة يقولون: (لا
تسمعوا لهذا القرآن والغوافيه) وتارة يقولون: (لو نشاء لقلنا مثل هذا)،
وتارة يصفونه بأنه (أساطير الأولين) وتارة يقولون: (لولا نزل عليه
القرآن جملة واحدة) وتارة يقولون: (إئت بقرآن غير هذا أو بدله) كل ذلك
عجزاً عن الإتيان بمثله، علمنا قصورهم عنه، ومحال أن يقال: إنه عورض
فلم ينقل فالنفوس مهتزة لنقل ما دق وجل. وقد رأينا كتباً كثيرة صنفت في
الطعن على الإسلام قد نقلت وتدوولت.. ويمتاز القرآن على سائر المعاجز
بأنه يضم إلى جانب كونه معجزاً جانب كونه كتاب تشريع، فقد قرن التشريع
بإعجاز ووحد بينهما |، فكانت دعوة يرافقها شهادة من ذاتها، دل على ذاته
بذاته.. قال العلامة ابن خلدون: اعلم أن أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها
دلالة القرآن الكريم المنزل على نبينا محمد (ص).. فإن الخوارق في
الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي ويأتي بالمعزة شاهدة بصدقه،
والقرآن هو بنفسه الوحي المدعى، وهو الخارق المعجز فشاهده في عينه ولا
يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي، فهو أوضح دلالة،
لاتحاد الدليل والمدلول فيه.. قال: وهذا معنى قوله (ص): (ما من نبي من
الأنبياء إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي
أوتيته وحياً أوحي إليّ، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم
القيامة). يشير إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوة
الدلالة، وهو كونها نفس الوحي، كان الصدق لها أكثر لوضوحها، فكثر
المصدق المؤمن وهو التابع والأمة.. وقال الجاحظ: (بعث الله محمداً (ص)
أكثر ما كانت العرب شاعراً وخطيباً، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت
عدة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته، فدعاهم
بالحجة، فلما قطع العذر وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار،
الهوى والحمية دون الجهل والحيرة، حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم
الحرب ونصبوا، وقتل من عليهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في
ذلك يحتج عليهم بالقرآن، ويدعوهم صباحاً ومساء إلى أن يعارضوه إن كان
كاذباً، بسورة واحدة، أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحدياً لهم بها،
وتقريعاً لعجزهم عنها، تكشف من نقصهم ما كان مستوراً، وظهر منه ما كان
خفياً، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم
ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا. قال: فهاتوها مفتريات، فلم يرم
ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر، ولو طمع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك،
ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ويزعم أنه قد عارض
وقابل وناقض، فدل ذلك على عجز القوم، مع كثرة كلامهم، واستجابة لغتهم،
وسهولة ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء
أصحابه وخطباء أمته، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله،
وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس،
والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال.. وهذا من جليل التدبير الذي لا
يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات، ولهم القصيد
العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة، ولهم
الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور، ثم تحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز
أدناهم فمحال ـ أكرمك الله ت أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر
الظاهر، والخطأ المكشوف البين مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز،
وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، وقد احتاجوا
إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر الجليل
المنفعة، وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثاً وعشرين سنة (مدة رسالته صلى
الله عليه وآله) على الغلط في الأمر الجليل المنفعة فكذلك محال أن
يتركوه وهم يعرفون ويجدون السبيل إليه، وهم يبذلون أكثر منه.. |