|
عقائد الامامية
كتاب في حلقات
الشيخ محمد رضا المظفر
الحلقة التاسعة عشر
أدعية الصحيفة السجادية
بعد واقعة الطف المحزنة ، وتملك بني أمية ناصية أمر الأمة الإسلامية .
فأوغلوا في الاستبداد وولغوا في الدماء واستهتروا في تعاليم الدين بقي
الإمام زين العابدين وسيد الساجدين عليه السلام جليس داره محزونا ثاكلا
، وجلس بيته لا يقربه أحد ولا يستطيع أن يفضي إلى الناس بما يجب عليهم
وما ينبغي لهم.
فاضطر أن يتخد من أسلوب الدعاء ( الذي قلنا أنه أحد الطرق التعليمية
لتهذيب النفوس ) ذريعة لنشر تعاليم القرآن وآداب الإسلام وطريقة آل
البيت ، ولتلقين الناس روحية الدين والزهد ، وما يجب من تهذيب النفوس
والأخلاق وهذه طريقة مبتكرة له في التلقين لا تحوم حولها شبهة
المطاردين له ، ولا تقوم بها عليه الحجة لهم ، فلذلك أكثر من هذه
الأدعية البليغة ، وقد جمعت بعضها ( الصحيفة السجادية ) التي سميت (
بزبور آل محمد).
وجاءت في أسلوبها ومراميها في أعلى أساليب الأدب العربي وفي أسمى مرامي
الدين الحنيف وأدق أسرار التوحيد والنبوة ، وأصح طريقة لتعليم الأخلاق
المحمدية والآداب الإسلامية .
وكانت في مختلف الموضوعات التربوية الدينية ، فهي تعليم للدين والأخلاق
في أسلوب الدعاء ، أو دعاء في أسلوب تعليم للدين والأخلاق .
وهي بحق بعد القرآن ونهج البلاغة من أعلى أساليب البيان العربي وأرقى
المناهل الفلسفية في الإلهيات والأخلاقيات : فمنها ما يعلمك كيف تمجد
الله وتقدسه وتحمده وتشكره وتنوب إليه ، ومنها ما يعلمك كيف تناجيه
وتخلو به بسرك وتنقطع إليه ومنها ما يبسط لك معنى الصلاة على نبيه
ورسله وصفوته من خلقه وكيفيتها ومنها ما يفهمك ما ينبغي أن تبر به
والديك ، ومنها ما يشرح لك حقوق الوالد على ولده أو حقوق الولد على
والده أو حقوق الجيران أو حقوق الأرحام أو حقوق المسلمين عامة أو حقوق
الفقراء على الأغنياء وبالعكس ، ومنها ينبهك على ما يجب إزاء الديون
للناس عليك وما ينبغي أن تعمله في الشئون الاقتصادية والمالية ، وما
ينبغي أن تعامل به أقرانك وأصدقاءك وكافة الناس ومن تستعملهم في مصالحك
، ومنها ما يجمع لك بين جميع مكارم الأخلاق ويصلح أن يكون منهاجا كاملا
لعلم الأخلاق .
ومنها ما يعلمك كيف تصبر على المكاره والحوادث وكيف تلاقي حالات المرض
والصحة ، ومنها ما يشرح لك واجبات الجيوش الإسلامية وواجبات الناس معهم
. . إلى غير ذلك مما تقتضيه الأخلاق المحمدية والشريعة الإلهية ، وكل
ذلك بأسلوب الدعاء وحده .
والظاهرة التي تطغو على أدعية الإمام عدة أمور:
(الأول ) التعريف بالله تعالى وعظمته
وقدرته وبيان توحيده وتنزيهه بأدق التعبيرات العلمية وذلك يتكرر في كل
دعاء بمختلف الأساليب ، مثل ما تقرأ في الدعاء الأول : ( الحمد لله
الأول بلا أول كان قبله والآخر بلا آخر يكون بعده ، الذي قصرت عن رؤيته
أبصار الناظرين ، وعجزت عن نعته أوهام الواصفين . ابتدع بقدرته الخلق
ابتداعا واخترعهم على مشيته اختراعا ) فتقرأ دقيق معنى الأول والآخر
وتنزه الله تعالى عن يحيط به بصر أو وهم ، ودقيق معنى الخلق والتكوين .
ثم تقرأ أسلوبا آخر في بيان قدرته تعالى وتدبيره في الدعاء 6 : ( الحمد
لله الذي خلق الليل والنهار بقوته وميز بينهما بقدرته- ص 97 -
وجعل لكل منهما حدا محدودا ، يولج كل
واحد منهما في صاحبه ويولج صاحبه فيه ، بتقدير منه للعباد فيما يغذوهم
به وينشئهم عليه ، فخلق لهم الليل ليسكنوا فيه من حركات التعب ونهضات
النصب ، وجعله لباسا ليلبسوا من راحته ومقامه فيكون ذلك لهم جماما وقوة
لينالوا به لذة وشهوة (إلى آخر ما يذكر من فوائد خلق النهار الليل وما
ينبغي أن يشكره الانسان من هذا النعم .
وتقرأ أسلوبا آخر في بيان أن جميع الأمور بيده تعالى في الدعاء 7 : "
يا من تحل به عقد المكاره ويا من يفثأ به حد الشدائد ، ويا من يلتمس
منه المخرج إلى روح الفرج ، ذلت لقدرتك الصعاب ، وتسببت بلطفك الأسباب
وجرى بقدرتك القضاء ومضت على إرادتك الأشياء ، فهي بمشيتك دون قولك
مؤتمرة ، وبإرادتك دون نهيك منزجرة " .
“الثاني " بيان فضل الله تعالى على
العبد وعجز العبد عن أداء حقه . مهما بالغ في الطاعة والعبادة
والانقطاع إليه تعالى كما تقرأ في الدعاء 37 : ( اللهم إن أحدا لا يبلغ
من شكرك غاية إلا حصل عليه من إحسانك ما يلزمه شكرا ، ولا يبلغ مبلغا
من طاعتك وإن اجتهد إلا كان مقصرا دون استحقاقك بفضلك ، فأشكر عبادك
عاجز عن شكرك ، وأعبدهم مقصر عن طاعتك).
وبسبب عظم نعم الله تعالى على العبد التي لا تتناهى يعجز عن شكره فكيف
إذا كان يعصيه مجترئا ، فمهما صنع بعدئذ لا يستطيع أن يكفر عن معصية
واحدة . وهذا ما تصوره الفقرات الآتية من الدعاء 16 :(يا إلهي لو بكيت
إليك حتى تسقط أشفار عيني ، وانتحبت حتى- ص 98-
ينقطع صوتي ، وقمت لك حتى تتنشر قدماي ، وركعت لك حتى ينخلع صلبي ،
وسجدت لك حتى تتفقأ حدقتاي ، وأكلت تراب الأرض طول عمري ، وشربت ماء
الرماد آخر دهري ، وذكرتك في خلال ذلك حتى يكل لساني ، ثم لم أرفع طرفي
إلى آفاق السماء استحياء منك ما استوجبت بذلك محو سيئة واحدة من
سيئاتي).
" الثالث " التعريف بالثواب والعقاب
والجنة والنار وأن ثواب الله تعالى كله تفضل ، وأن العبد يستحق العقاب
منه بأدنى معصية يجتري بها ، والحجة عليه فيها لله تعالى .
وجميع الأدعية السجادية تلهج بهذه النغمة المؤثرة ، للإيحاء إلى النفس
الخوف من عقابه تعالى والرجاء في ثوابه . وكلها شواهد على ذلك
بأساليبها البليغة المختلفة التي تبعث في قلب المتدبر الرعب والفزع من
الإقدام على المعصية .
مثل ما تقرأ في الدعاء 46 : " حجتك قائمة ، وسلطانك ثابت لا يزول ،
فويل الدائم لمن جنح عنك ، والخيبة الخاذلة لمن خاب منك ، والشقاء
الأشقى لمن اغتر بك . ما أكثر تصرفه في عذابك ، وما أطول تردده في
عقابك ! وما أبعد غايته من الفرج ! وما أقنطه من سهولة المخرج ! عدلا
من قضائك لا تجور فيه ، وإنصافا من حكمك لا تحيف عليه ، فقد ظاهرت
الحجج وأبليت الأعذار . " .
ومثل ما تقرأ في الدعاء 31 : " اللهم فارحم وحدتي بين يديك ، ووجيب
قلبي من خشيتك ، واضطراب أركاني من هيبتك ، فقد أقامتني يا رب ذنوبي
مقام الخزي بفنائك ، فإن سكت لم ينطق عني أحد ، وإن شفعت فلست بأهل
الشفاعة”.- ص 99 -
ومثل ما تقرأ في الدعاء 39 : " فإنك إن تكافني بالحق تهلكني وإلا
تغمدني برحمتك توبقني . . وأستحملك من ذنوبي ما قد بهظني حمله وأستعين
بك على ما قد فدحني ثقله ، فصل على محمد وآله وهب لنفسي على ظلمها نفسي
، ووكل رحمتك باحتمال إصري . . "
" الرابع " سوق الداعي بهذه الأدعية
إلى الترفع عن مساوئ الأفعال وخسائس الصفات ، لتنقية ضميره وتطهير قلبه
، مثل ما تقرأ في الدعاء 20 : " اللهم وفر بلطفك نيتي وصحح بما عندك
يقيني ، واستصلح بقدرتك ما فسد مني " .
" اللهم صل على محمد وآل محمد ومتعني
بهدى صالح لا أستبدل به وطريقة حق لا أزيغ عنها ، ونية رشد لا أشك فيها
" .
" اللهم لا تدع خصلة تعاب مني إلا
أصلحتها ، ولا عائبة أؤنب بها إلا حسنتها ، ولا أكرومة في ناقصة إلا
أتممتها.
أزمة الموقف الحضاري
د. حسن حنفي
تتجلى أزمة الموقف الحضاري في موقفنا من كل بُعد فيه، سواء كان التراث
القديم أو التراث الغربي أو الواقع المعاش للناس. فقد نظرنا إلى التراث
القديم نظرة المستشرقين وكأننا متفرّجون عليه ولسنا أصحابه، نعيب عليه
قصوره وكأننا لسنا مسؤولين عنه. نكرّر ما قيل ونجمع بين أجزائه، وأقصى
ما نفعله نشر المخطوطات دون تغيير أو تطوير أو إعادة اختيار. في حين
أنّ التراث القديم ليس منفصلا عنّا، بل هو جزء منّا، ونحن جزء منه،
كوّننا وأعطانا تصوّراتنا للعالم، وأمدّنا بموجهات للسلوك. نحن مسؤولون
عنه بقراءتنا له مثل مسؤولية القدماء الذين أبدعوه. كما تركناه بلا
موقف منّا إزاءه في القراءة والتفسير والفهم والتأويل. نكرّر
الاختيارات القديمة، والمذاهب السالفة ولا نعرف كيف نشأت وأيّ أغراض
خدمت.
وبالرغم من تغيّر الظروف القديمة ونشأة ظروف جديدة تتطلّب اختيارات
بديلة، فإننا نكرّر الاختيارات النمطية القديمة التي تعارض في أهدافها
ومنطلقاتها الظروف الجديدة التي نعيشها اليوم وكأنّ التراث جسم ميت،
وجثّة هامدة، ننقلها بلا واقع أو تاريخ أو حياة أو عصور أو أصحاب أو
أهل، ومن ثمّ يخرج الطلاب من جامعاتنا وهم منفصلون عنه نفسيّاً
يتصوّرونه "كتباً صفراء"، و"قيل وقال"، لا أمَل فيه، لا يثير قضيةً،
ولا يقدّم حلاّ، فيتوجّهون إلى الثقافات المعاصرة حيث يجدون فيها
أنفسهم فيزداد شعورهم بالقطيعة مع التراث القديم كلما ازداد "التغريب"،
ممّا يجعل بعضهم يقوم بردّ فعلٍ على ذلك فيتمسّك بالقديم كلّه، ويرفض
المعاصرة كلّها، فتنقسم الأمة إلى فريقين: فريق يرى صِلته بالتراث صِلة
انقطاع ثم قطيعة، وفريق آخر يرى أن صلته بالتراث صلة اتصال ثُمّ وصال.
الأول يرى في التراث كلّ شيء والثاني لا يرى في التراث أي شيء.
ولم ندرس علم أصول الفقه بأكمله وهو ما يعبر عن إبداع المسلمين
وإحساسهم بالعالم ووضع مناهج الاستدلال بعيداً عن الإشراق، وأحكام منطق
اللغة بعيداً عن الخطابة والجدل، ووضع شروط للتواتر والآحاد بعيداً عن
الروايات الموضوعة التي تُلهب الخيال وتتحوّل إلى جزء من الأساطير
الشعبية، ووضع أحكام للفعل ووصف مناهج للسلوك بعيداً عن الكبت والحرمان
والازدواجية والنفاق. لم ندرس إبداع المسلمين في وضع مناهج للرواية
لضبط النقل أو وضع أصول المنطق الحسي الذي يقوم على المشاهدة ومجرى
العادات أو المنطق الأرسطي ووضع منطق بديل يقوم على قياس الغائب على
الشاهِد، وقياس الأولى، وأن ما لا دليل عليه يجب نفيه. لم نعتنِ
بكيفيّة نشأة العلوم الرياضية والطبيعية والإنسانية (اللغة والأدب
والجغرافيا والتاريخ) التي أبدع فيها القدماء، ولم ندرسها إلاّ في إطار
(تاريخ العلوم والجغرافيا والتاريخ) التي أبدع فيها القدماء، ولم
ندرسها إلاّ في إطار "تاريخ العلوم عند العرب" كجزء من تاريخ العلم كما
يفعل الغرب، ولم نحاول نحن معرفة الصّلة بين التوحيد والعقل، بين
التوحيد والطبيعة، وكيف استطاع القدماء بعقلية التوحيد اكتشاف
الرياضيات وقوانين الطبيعة. فوُضِعَ ابن رشد مع باقي الفلاسفة، وابن
خلدون مع باقي المؤرخين دون إدراك للنوعية والاختيار.
2_ لقد فعلنا الشيء نفسه في التراث
الغربي، فإذا درسنا الفلسفة الغربية فإننا ننتزعها من بيئتها وكأنّ
ديكارت وكانط وهيجل وماركس ونيتشه وهوسرل وبرجسون وسارتر وميرلوبونتى
وهيدجر نجوم لامعة نتأمّلها ونُعجَب بها بل ونحكم عليها، على صدقها أو
بطلانها بحجج الذوق السليم أو العقل الصريح وربما أيضاً بالأخلاق
الكريمة والقيم الفاضلة والنُظُم السياسية _ وأحياناً الاجتماعية
القائمة_ والأعراف والتقاليد وكل الموروث القديم. ولمّا تشتت المذاهب
وتباينت الآراء وقعت الحيرة في الاختيار؛ هذا مثاليّ، وذاك واقعيّ،
وينشأ الخلاف بيننا. والصراع على المذاهب في ظاهره غربي وفي حقيقته
يكشف عن موقف حضاري خاص بنا وهو أنّ المثالية وريث طبيعي للمحافظة
والتقليد الديني، والواقعيّة هي التطوّر الطبيعي للدين المثالي والأكثر
قدرة على الدفاع عن حياة الناس ومصالح الشعوب.
وفي حقيقة الأمر فإنّ المذاهب الغربية وليدة بيئتها، بل إنّ فكرة
المذهب إنما نشأت بعد أن تمّت تعرية الواقع الأوروبي تماماً من أغطيته
النظرية القديمة الموروثة من العصر الوسيط المسيحي الكنسي. وجاء عصر
النهضة فأزاح كل الغطاءات النظرية الممكنة رافضاً الموروث باعتباره
مصدراً للعلم الذي تحوّل إلى العقل والطبيعة.
للوعي الأوروبي إذن تطوّر وبناء. له بداية وتطور ونهاية، له ظروف
تاريخية واجتماعية خاصة ممثلة في الرومانية القديمة، ومُعطى ديني خاصّ
هو المسيحية، ونظام دينيّ خاصّ هو الكنيسة، وبناء ذهني خاصّ يقوم على
التقسيم وأُحادية الطرف والتعارض بين عوامل الظاهرة الواحدة. وانّ
الحديث عن عقليّات بدائية، أفريقية أو آسيوية هو في حقيقة الأمر إسقاط
من العقلية الأوروبية على غيرها. فأين نحن من هذا كله؟
3_ وقد تعثّرت الفلسفة لدينا لأنّ
البُعدَ الثالث في موقفنا الحضاري، وهو الموقف من الواقع، أُزيحَ
جانباً وأُسقِط من الحساب. فتحوّلت الفلسفة لدينا إلى نقل، نقل عن
القدماء أو نقل عن المُحدثين، وغاب التنظير المباشر للواقع. أصبحت
الثقافة في جانب، والواقع في جانب آخر، ثقافة غريبة، وواقع غير مفهوم،
مجردّ وعي صُوريّ بلا مادة. وقد يكون السبب في هذا الموقف هو وجود
الغطاء النظري التقليدي للواقع، وهو الغطاء الذي يفسّر كلّ شيء،
وبالتالي لم تنشأ الحاجة إلى التساؤل عنه أو البحث عن نظرية له. فالفكر
ليس بضاعة، والمفكر ليس موظّفاً. الفكر رسالة، والمفكر صاحب قضية.
وكادت صورة الأستاذ الذي يعيش من الفكر أن تصير صورة نمطيّة من خلال
الإعارات أو الوظائف أو الكتب المقررة، وكادت تختفي صورة الأستاذ
المفكّر الذي يعيش بالفكر، صاحب القضية، والقادر على اتخاذ الموقف. إن
عدم التعوّد على المنهج الاجتماعي في دراسة الأفكار أو نشأتها وتكوينها
من الوضع الاجتماعي قد يجعل الباحثين يستسهلون عرض الأفكار، أو التحدّث
عن الظروف والبيئات في الفصول الأولى، وعن الأفكار والنظريات في الفصول
التالية دون أن يكون هناك رابط بين هذه وتلك. وربما يكون السبب نقصاً
في التكوين الذهني بالرغم من وجود كَمّ من المعلومات ونقص في الممارسة.
فالذهن لم يمارس العلم، ولم يتعوّد على المنهج، ولم يعرف كيف نشأ،
فاقتطف الثمرة دون الجذور، وحصل على النتيجة دون المقدّمة. كما تحوّلت
الرسائل العلمية الجامعية إلى دراسات للماضي _لشخصية أو مذهب أو عصر _
يقلُّ فيها عنصر الإبداع، أي بناء المشكلة الفلسفية ابتداءً من الواقع،
فلم يعد الطالب يبدع نصّاً فلسفياً بل صار مجرّد شارح للنصوص. هذا
بالإضافة إلى الجوّ العام لإجهاض العقول، والخطط العامة المعدّة لذلك
سواء من الداخل أو من الخارج. فليس في صالح الأنظمة القائمة أو المصالح
الكبرى أن يبدع العقل الذي هو بطبيعته تمسُّكٌ بالحريات ودفاعٌ عن
المصالح العامّة. وقد يتحوّل الإجهاض إلى إعدام إذا ما حاول أحد
الأساتذة أو الطلاب الخروج على المألوف والتمسّك بحقه الطبيعي في البحث
الحرّ. فإذا لم يقبل شيئاً على أنّه حقّ ان لم يكن مؤيّداً بالدليل
اتُّهمَ بالإلحاد أو الشيوعية ويصبح شريداً متّهماً مطارداً لا وطن له،
فلا يبقى له إلاّ الهجرة إلى الخارج ليتحوّل إلى مهني صِرف يضع همّه في
العلم والإبداع العلمي، أو ليواصل المعارضة في الخارج والدفاع عن حقوق
الأوطان والشعوب، أو الهجرة إلى الداخل همّاً وكَمَداً حتى يُصاب
بالجنون، أو يعمل عن وعي تاريخي طويل، من خلال الحركات السريّة التي
سرعان ما يتّم انكشافها فيصبح نزيل سجون.
إن حل أزمة الموقف الحضاري إنما يكون بإعادة النظر في هذه الأبعاد
الثلاثة وأحكامها، وإعادة الاتزان إلى الوعي الحضاري القومي، وفرض
الواقع نفسه، أي البُعد الثالث على البُعدين الحضاريين الأوّلين. حل
أزمة الموقف الحضاري إذن في نقل الموقف من مستواه الخطابي إلى مستواه
العلمي، وتحويل المواقف الإيمانية بالقديم أو الإنبهارية بالغرب أو
الخياليّة بالنسبة إلى الواقع، إلى مواقف علمية حضارية تاريخية مُحكمة
حتى ينشأ الفكر في مواقف اجتماعية وحضارية وتاريخيّة محدّدة، تكون
بالتالي أرضاً للفلسفة وتربةً للفيلسوف.
النموذج الإسلامي هل هو معاصر؟
د. عبد القادر طاش
هل الحضارة التي بناها الإسلام هي تراث من الماضي عفى عليه الزمن وجعله
التطور البشري والتقني غير صالح للإنسان المعاصر؟ وبعبارة أخرى: هل
المعطيات الحضارية للإسلام ذات طبيعة معاصرة؟ وهل في رسالة الإسلام
وحضارته ما يمكن أن يقدمه للعالم اليوم؟
إن إبراز الطبيعة المعاصرة للعطاء الحضاري للإسلام يمثل جوهر التحدي
الفكري الذي يواجه المؤمنين بضرورة بناء النموذج الحضاري الإسلامي الذي
يمثل بديلاً عن النموذج الحضاري الغربي بالنسبة للمسلمين وخياراً
متاحاً مع النماذج الأخرى يمكن أن يستفيد منه الآخرون. ويجلّي المفكر
الإسلامي علي عزت بيجوفيتش _ رئيس جمهورية البوسنة والهرسك _ هذه
الخاصية الفارقة للإسلام فيقول في كتابه القيم (الإسلام بين الشرق
والغرب): "هناك فقط ثلاث وجهات من النظر متكاملة عن العالم هي: النظرة
الدينية، والنظرة المادية، والنظرة الإسلامية ويمكن إرجاع جميع
الأيدولوجيات والفلسفات والتعاليم العقائدية من أقدم العصور إلى اليوم،
في التحليل النهائي، إلى واحدة من هذه النظرات الثلاث العالمية
الأساسية".
ويشرح طبيعة كل نظرة من النظرات الثالث قائلاً: "تأخذ الأولى (الدينية)
فقط بدايتها وجود الروح، والثانية (المادية) وجود المادة، والثالثة
(الإسلام) الوجود المتزامن للروح والمادة معاً. فلو كانت المادة وحدها
هي الموجودة، فإن الفلسفة التي تترتب على ذلك هي الفلسفة المادية، وعلى
عكس ذلك إذا وجدت الروح، فالإنسان بالتالي يكون موجوداً أيضاً. وحياة
الإنسان تصبح بلا معنى بغير نوع من الدين والأخلاق. والإسلام هو الاسم
الذي يطلق على الوحدة بين الروح والمادة. وهو الصيغة الأسمى للإنسان
نفسه".
ومن هنا ينبهنا بيجوفيتش إلى ملاحظة لافتة للنظر حين يقرر أن الغرب _
بشقيه الديني والمادي _ لم يفهم رسالة الإسلام ولم يدرك طبيعته. إنه
يقول "إن موقف الإسلام "الوسط" يمكن إدراكه من خلال حقيقة أن الإسلام
كان دائماً موضع هجوم من الجانبين المتعارضين: الدين والعلم. فمن جانب
الدين اتهم الإسلام بأنه أكثر لصوقاً بالطبيعة والواقع مما يجب، وأنه
متكيف مع الحياة والدنيا. ومن جانب العلم أنه ينطوي على عناصر دينية
وغيبية. وفي الحقيقة يوجد إسلام واحد فحسب، ولكن شأنه كشأن الإنسان له
روح وجسم فجوانبه المتعارضة تتوقف على اختلاف وجهة النظر. ويواصل تأكيد
هذه النقطة فيقول: "لقط أكد المتصوفة دائماً على الجوانب الدينية
للإسلام فقط بينما أكد العقلانيون على الجانب الآخر. وكلا الفريقين
معاً لم يكن طريقه مع الإسلام ميسراً، وذلك لحقيقة بسيطة هي أن الإسلام
لا يمكن حبسه في تصنيف أحد الفريقين دون الآخر" ويرى بيجوفيتش أن الفهم
الصوفي للإسلام يحجّمه في "صيغة دينية خالصة" وذلك من خلال استبعاد
المكونات المادية والعقلية والاجتماعية منه. أما الفهم العقلاني
للإنسان فهو يهمل الجانب الديني فيه وبذلك يهبط العقلانيون بالإسلام
إلى "مجرد حركة سياسية، جاعلين منه نوعاً من القومية، أو ما يمكن أن
يسمى قومية إسلامية محرومة من جوهرها الديني والأخلاقي، فارغة ومتساوية
مع جميع القوميات الأخرى في هذا المجال”. |