|
نمش ماي (والبحث عن الخلاص)
عبد الرضا جبارة
ينبثق المتن الحكائي في رواية نمش ماي للكاتبة المبدعة (فليحة حسن) من
مقترب حسي يؤدي فيه ضمير السارد المتكلم دورا رئيسيا في كشف نوازع
الشخصية المحورية في النص (الطابوقة) بعد أن تمنحها (انويه جسدية) و
(كينونة ورغبات ذاتية) وعلى وفق تصور كهذه يمكن لها أن تظهر معاني
كثيرة عبر المنطوق السيميائي بوصفها تجميع مرئي لمشاهد مختلفة تحرص
فليحة حسن لإظهارها ، ولعل معنى مرئيا واحدا يكشف عن خواء العالم ولا
معقوليته وفقدانه لليقين والتوازن لذا يسقط (البطل) في كهوف الضياع
والعبث والانسحاق وبالتالي الانسلاخ التدريجي من الحياة البشرية
والاستغراق كلية في البحث الحدسي ولا يغرب عن بالنا أن (الطابوقة) في
الوقت الذي لا تظهر فيه عبر التفتيش اليدوي فان سعي الكاتبة
لاستنطاقها في حمى تصعيد جذوة الانبهار وتحفيز قوى الوله بالأثر الى
أعلى مدياته في النفس والعقل ويغور في الذات بوهج الدفق اللغوي بطبيعته
التركيبية الخاصة وعموما فان ما يلاحظ عليه في بناء الرواية إن صوت
الشخصية الطاغي هو الأنا الكلية التي تخبئ أصوات الشخصيات الأخرى داخل
تصورها واحتمالاتها لذلك فانا اعتقد إن الفرصة التي أتاحها السارد
الذاتي هي الانفتاح أمام (ثيمات الرواية الأخرى)
من هذا نجد إن فليحة حسن كانت على جانب كبير من كشف خصائصها . .
ونوازعها . . وتركيبها كذلك تباين الخط البياني وإيقاعه والحاصل من
الظرف الموضوعي الذي تعيش ضمنه (الطابوقة) وعلى أساس هذه الثيمة كانت
لعبة السارد سلطة واسعة فهو ينقل . . ويتأمل في جوانية النص وفي كيفية
استنطاق مسارات الحدث بوصفه جزءً من الواقع والمتخيل حتى بدت الرواية
في جزءها الأول بوحاً إنسانياً شاملاً والواقع إن رواية (نمش ماي)
استثمرت رؤية (فوكو) الذي يرى إن الجينالوجيا إنما هي كشف عما وراء
أقنعة القيم السامية وكشف أيضا عن الآخر الذي يختفي وراء الكلمات
والأشياء لذا فان انفتاح الرواية على التجارب الإنسانية كان متسقا مع
الحدث الذي كان مزدحما بأسئلة الواقع تقول (وصار أن رفعتني كف احدهم
ورمت بي وراء الصوت لأصحو فأجد نفسي بعيدة عن مثيلاتي . . ؟ من ترى رمى
بي الى هنا . . ؟ وأي كف خلصتني من تكلم الكومة . . ؟ صرت أتلفت عل يدا
أخرى تبصرني فترفعني . . وسؤالي: أين يمكن أن تأخذني إذا ما عرفت طريقا
الى . . . ؟).
فاستظهار المحتوى الدلالي يستمد قوته وعناصر المعنى من تأويل الرائي .
. حيث يتحقق تحويل التصريح المرئي الى إمكانية شكلية تحمل معان ودلالات
وفي ضوء هذه الصيغة الافتراضية التي أشار لها السارد تتخذ وظيفة
الإيحاء والمرجع قيمة ذات أبعاد متعددة من المؤثرات التي بوساطتها تميز
الطاقة الفكرية والإنتاجية التي يشغلها الخطاب النص في رواية (نمش ماي)
وقد أدت هذه الحركة الى ظاهره قصدية مردودها الى رؤية الكاتبة بتشييد
البنية الافتراضية والتي ناقشت من خلالها علاقة الإنسان بذاته عندما
يدرك وضعه العابر في هذه الحياة وبهذا المقترب تشكل لدينا استبصارا
وصيغة للسمو في الأفعال الحميدة والاستفادة من طاقاتها ومن المعروف إن
كثير من النصوص الروائية قد اعتمدت على شخصيات متقولبة ومتحولة لكن
الذي يستوقفني في نص (نمش ماي) انه أسس علاقات جديدة غير نمطية لمنح
هذا الواقع اكبر من العمق والخصوصية فكان لابد من عزل قطاعات واقعية من
التكتل البشري في أمكنة معينة ذات أجواء خاصة ومعتنى بها يمكنها أن
تخلق توازنا مع الواقع الخارجي إلا إنها ليست بديلا له بل كشفا وإدانة
ونقدا وهنا تتوضح بعمق ماهية (بنية الطابوقة) والتي تفترض إجراء عمليات
اختباريه في عزل قطاعات مختلفة من الناس في أمكنة معينة يشترط فيها أن
تكون الأجواء خاصة ومن ثم مهيأة لها لغرض تشخيص أمراضها من الداخل ومن
اجل خلق عملية متوازنة مع الواقع الخارجي . . أن هذا العالم المبتكر
الذي تسعى إليه فليحة حسن . في (نمش ماي) هو عالم استثنائي فعلا يستوجب
عملية اختبارية صعبة ولهذا نجد ثمة ظواهر وبواطن (لبنية الطابوقة) حيث
إن الشكل الخارجي لها مزدحم بالدلائل والرموز والتواريخ الموحية
والمضمون الداخلي يعتمل فيه صراع متفاقم ولنستقرأ هذا المقطع (لكن
القدر هو من يستهين بنا دائما يضعنا نطفا في أرحام لا نختارها ويسحبنا
الى ارض نجهلها ويسوقنا رجالا الى مذبحة لا نعي كنه وجودها، كل الوجوه
التي تحيط بك جيء بها وقودا لأتون موت يفور ولا ينطفئ إلا بانتهائنا
أجمعين) فالكاتبة المبدعة تترسم منعطفات الطريق في هذه الرؤية عبر مسار
ذاتي يمتد بامتداد مسارات الطابوقة فمن خلال الكبت والانحسار الذاتي
التي تحيط بـ (بنية الطابوقة) جسدت لنا فليحة حسن الصرخة عبر انغلاق
الأفق الذي تعيشه الكينونة والصرخة خلاصة صراع قائم بين دواخل الذات
والوجود الخارجي الذي يحيط بها والمتشابك بتفاعلاته الساخنة فهي صرخة
وأسئلة نازفة تبيح للكائن الحي التطلع أو الانعتاق ولا يعني ذلك إنها
تقتصر على هذه الأسئلة بل هي شكل من أشكال الاحتجاج المنبعثة من عمق
أعماق الذات المحاصرة على قوى القهر والاستلاب أما الجزء الثاني فقد
برزت دالة الارتباط المكاني عبر (المغتسل) وتداخلت مع البنية
الاجتماعية فنقلت خصائصها وسماتها بمعنى إن البنية الاجتماعية صارت
سقفا أو غطاء لهذه الدالة (دالة الارتباط المكاني) كما صارت البنية
المكانية نتاجا وحيد الجانب للبنية الاجتماعية فالبنيتان متفاعلتان
ويمكن ملاحظة ذلك من خلال هذا الحوار (كان غطاء رأسها الأسود قد مال
قليلا عن رأسها وأوشك أن يسقط من مكانه وهي تحاول تثبيته بكف مرتعدة.
لماذا لم تغادري
صرخ بوجهها الضابط حدجته بنظرة قاسية لا تتناسب مع جسدها المرتعد..
ألم اقل لك سيدي إنهن عنيدات.
أشاحت بنظرها الى الآخر ثم أطرقت الى الأرض لم يعد هنا لقد نقلوه الى
المستشفى الم يخبروك بذلك . . هكذا صرخ الضابط).
أما المغتسل فقد مثل البعد الذاتي والامتزاج بروحية الأشياء ففي
التشكيلات غير المكتملة في الواقع وفي تلك الحالات التي يمتزج فيها
(الأنا) مع الغيبي تنعكس دلالة المكان (المغتسل) على نصية الرؤى إلا
إن هذا الامتزاج لم يتم برؤية معايشة منفعلة لجانبها الذاتي عمق واضح
ولموروثها الميثولوجي ارتباط نابع من (مناخ - المغتسل) تقول - فليحة
حسن - في إحدى استقراءاتها للمغتسل (وضعوها على دكة سداسية إسمنتية
صلدة امتدت بمتري طولها وثلاثة أمتار عرضها لتقابل حوضا بيضويا ينتهي
رأسه الأول بحنفية ماء جارٍ وينتهي رأسه الثاني ببالوعة لتجمع ماء
الغسل بينما دخلت العجوز لتقف في ممر يتوسط بين الدكة والحوض وخرجوا
لتركوا ذلك الجسد المسجى مع مهارة عروق يديها الزرقاء الناتئة).
في الجزء الثالث من الرواية فقد أطلت فيه علينا فليحة حسن منذ البداية
فاعلة وهي تحمل قضية معينة فهي في لحظة صراع داخلي حاد (ما أصعب نداء
العفوية بين طيات هواء مختنق عصرا) وهذا المشهد الذي يعود للظهور في
نهاية الرواية يحمل دلالة مغايرة يذكرني بكوميديا الزواحف للراحل محمد
شمسي مع خصوصية التجربة في هذا الجزء انطلاقا من تجربة فليحة حسن
الخاصة ومعاناتها في واقع مسييج بالموت وهي فضلا عن ذلك تحمل فهما خاصا
لهذا الواقع جعلتها يخوض حربا عشواء وبروح نهلستية ضد كل الآخرين ولهذا
فهي ستصطدم حتما بهم تقول (التفعت بحيرتي والصمت وطال صمتي قليلا غير
إن حركة قدمه التي لا تفتر تحاول الاقتراب من فريستها الهاربة جعلتني
اقطع ذلك المشهد).
وأخيرا أن رواية نمش ماي رغم قصرها فهي كبيرة بتقنياتها لأنها حققت
تفردا وعلوا إبداعيا منذ البدء فاستنطقت الطابوقة وحركت (دكة المغتسل)
وأطلت علينا في الجزء الثالث بكل همومها فهي إضافة طيبة لأغناء وتعميق
مفهوم النص الروائي الجديد.
متابعة
تعرض دائرة السينما والمسرح (طيور تحت
اجنحة الرحمة)
بغداد/ عبد السلام الجلبي
برعاية وزير لثقافة د. ماهر دلي الحديثي تعرض دائرة السينما والمسرح
الفلم الروائي القصير (طيور تحت اجنحة الرحمة) على صالة سينما سميراميس
يوم الاربعاء الساعة الحادية عشر صباحاً، الفلم من تاليف واخراج حميد
الرماحي يتحدث الفلم عن عمليات تفخيخ الاطفال بطل الفلم الطفل (منتظر
عباس) ومن اهداف الفلم ضرورة احتضان الدولة للاطفال المشردين والعوائل
المهجرة لكي لا يكونوا هدفاً مباشراً للارهابيين.
قصة قصيرة
نزع الأقنعة
فـرج ياسيــن
إلى يحيى السماوي
ما إن أقتربتُ من مقهى خميس ؛ عند نهاية شارع الجّزارين ، حتى رأيتُ
بضعة كلاب لاهثة تقعي في مواجهة الدكاكين ، منتظرة موعد الغروب ، موعد
إغلاق الدكاكين وانصراف أصحابها الى منازلهم . ومع انني كنت مستغرقا ً
بأمر ملاقاة خالد سماوة ، والتعرف عليه ، على نحو يطفيء احتقان مشاعري
وصخبها ، إلا أن صورة الكلاب اللاهثة المنتظرة في مواجهة دكاكين
الجّزارين ؛ ظلت تغزوا مخيلتي حتى بعد أن اتخذت مكاني على الأريكة
المقابلة له عند وصولي إلى المقهى.
شاهدت انحناءة جذعه القاسية المنصرفة الى مراقبة أكف لاعبي الدومينو ،
وأنا أحاول الاطمئنان على نظافة مكان قدح الشاي الذي وضعه النادل أمامي
. كان هذا يوما ً مختلفا ً ، إذ قَدِمتُ وفي جعبتي رغبة عارمة لإقتحام
عالم خالد سماوة ، وافتضاض غلالة صمته ؛ التي أثارت انتباهي ، وألهبت
فضولي ، وراكمت الأسئلة في نفسي على مدى شهور طويلة.
أحدثت صوتا ً ناعما ً بملعقة الشاي ، فالتفت ومكنني من رؤية صفحة وجهه
، همس محييا ً ومعتذرا ً لأنه يوليني ظهره قائلا ً:
إن مراقبة لعبة الدومينو صارت مرضا ً
لا شفاء منه بالنسبة لي ، غير أنني طمأنته هامسا ً : لا تثريب عليك ،
فأنا أقدّر ذلك . وبما انني كنت أرغب في استبقائه وإغرائه . باطالة
الحديث ، أضفت متعمدا ً اصطناع لهجة ودود مترفقة : كلما أتيت الى
المقهى أجدك تعكف على مراقبة اللاعبين ولاتشارك في اللعب ؟.
تخلى عن وضعه المنحرف ، فأعتدل وأصبح في مواجهتي ، وطلب من النادل أن
يقترب متشاغلا ً يدس يده في جيب سترته . أخرج نقودا ً ، وطلب شايا ً
له باسطا ً يده بالنقود ، فشكرته ، واقترحت مخيلتي مخططا ً سريا يهدف
ًُ الى استبقائه في دائرة مقاصدي ، ثم عاجلته بسؤال ، اجتهدت في أن لا
يبدو مقحما: هل أنت متقاعد الآن ؟
أجاب : نعم ، منذ قرابة أربعة أعوام ، حين بلغت ُ سن التقاعد.
وأين كنت تعمل ؟ انني لم أرك في تكريت من قبل ، وقد شغلني كثيرا ً
جلوسك منفردا ً صامتا ً تكتفي بمراقبة لاعبي الدومينو.
صحيح لأنني كنت أعمل في مدينة السماوة
السماوة في الجنوب
أجل ومنذ ستينيات القرن المنصرم . هناك كان عالمي ، وذكرياتي ورفقتي
لذلك يسمونك خالد سماوة!
أطلق ابتسامة مقتصدة ، ورشف قليلا من الشاي . وأخرج علبة سكائره فقدم
لي واحدة ، وأشعل له أخرى ، ثم نظر في عيني وزفر قائلا ً : ها قد عدت
أخيرا ً كما تفعل اللقالق.
ولكنك عشت هناك زمنا ً طويلا ً ، لا بد أن أبناءك ولدوا وكبروا في
السماوة .
قال : وتزوجوا أيضا
هل اضطررت الى مغادرتها ؟
نعم ، ولكن ليس على النحو الذي يدور في خلدك الآن . إذ أنني عقدت العزم
على الرحيل ، وعرف بذلك القوم ، فأنكروا علي ّ ذلك ، وفعلوا كل ما في
وسعهم لإيقاف ما نويته . لكن الأمر بالنسبة لي صار يشبه وسواسا ً
كابوسيا ً لم أستطع تخطي أثره الذي بات يتفاقم في داخلي ، وأخيرا ً عدت
مع عائلتي بعد استشراء حوادث التهجير في البلاد كلها ، ولم يتبق لي
هناك سوى ابنتي المتزوجة منذ خمسة عشر عاما ً
لقد نالتك يد التهجير إذن
أجل وأوشكت أن تنالني يد الموت.
جالت نواظري في فضاء المقهى ، عابرة صور مرشحي الأحزاب الملصقة على
الجدران ، وهامات الزبائن الهاطلة على أكفهم اللاهية بقطع الدومينو ،
وخيّل الى أن كلمة موت لاتعدم سبيلا ً لإجتياز حاجز الضوضاء والانكشاف
لمن يريد السماع أو لا يريده.
همست متأنيا ً : كيف ؟
رشف مزيدا ً من الشاي ، وأمتص عقب سيكارته ، ثم نفث زفيرا ًداخنا ً ،
وتهيأ لي انني أرى وجهه أول مرة . بدا وجها ً نحيفا ً مجّعدا ً لا يخلو
من وسامة غابرة يجول في عينيه الصفراوين الصافيتين بريق يوشك على
الأنبثاق في عتمة المكان.
غمغم بما لم أسمعه ، ثم أدنى وجهه ، ونقر بسبابة يده اليسرى على حافة
المنضدة ، ويده اليمنى ما تزال تمسك بقدح الشاي الناضب . قال: كنت قد
بعثت زوجتي وأولادي وأسرهم الى تكريت ، فتدبروا أمرهم وأستأجروا منزلا
ً بمساعدة الأقارب ، في حين بقيت في السماوة لإتمام بعض الأعمال
الضرورية ، ومنها بيع البيت وابراء الذمة وتوديع ابنتي والأصدقاء
والجيران في المدينة التي عشت فيها أجمل أيام حياتي . بعد اسبوع واحد
حملت حقيبة سفري دامع العين وانطلقت قادما ً الى بغداد . من هناك
انضممت الى أربعة مسافرين في سيارة صغيرة ، لكننا لم نكد نغادر بغداد
حتى أُسرنا من قبل جماعة مسلحة ، تتألف من أربعة رجال ، يضعون الأقنعة
على وجوههم ، عصبوا أعيننا ، وكبلوا ايدينا!.
وأخذونا إلى حجرة صغيرة في مكان ريفي ، جعلوا يطرحون علينا أسئلة
غريبة ... وأخيرا ً حكم علينا بالموت ؛ وكان قائد الجماعة متوعكا ً
فأمر بأن يُتحفظ علينا حتى صباح الغد . إما السجانون فكانوا قساة
أذاقونا ألوانا ً من التعذيب المذل ليس في نيتي صك مسامعك بخبره . في
الصباح أنبأونا بأننا سوف ننحر كالخراف عند حضور قائدهم . ولم نزل في
كرب ورعب حتى سمعنا جلبة في الخارج ، فعلمنا أن القائد قد حضر ، وأن
منيتنا دانية لا محالة . بعد دقائق قليلة دخل الرجل ، وجثا أمامنا
صامتا ً مغموما ً مدّة ً ليست بالقصيرة ، وفجأة أنفذ أمره الى رجاله
آمرا ً إياهم بأن ينزعوا أربطة أعيننا وأيدينا ، ويقدموا لنا الطعام
والشراب ، ففعلوا كل ما أمر به ، وهو ينظر الينا منكسرا ً، ويبكي.
قلت : يبكي!
قال : بكاءا ً حارا ً بحرقة ونشيج ، طالبا ً منـّا العفو والمغفرة
والدعاء له ، إذ خاطبنا متوسلا ً ، إدعوا الله أن يغفر لي .... اللهم
إنني لست من كان بالأمس!
استأذنت خالد سماوة بالتريث قليلا ً ، ريثما أطلب قدحين جديدين من
الشاي ، إذ لاحظت إزدياد عتمة المقهى بعد حلول الغروب ، وغياب التيار
الكهربائي ، وتناقص عدد الزبائن ، فخشيت أن يعجلوا بحثنا على المغادرة.
ما أن حضر الشاي وتعاطينا رشفات سريعة منه حتى قلت له : وبعد.
فأجاب قائلا: ثم روى قائد الجماعة لنا ولرفاقه هذه القصة.
قال : حين عدت بالأمس الى بيتي ، كنت متعبا ً جدا ً فعّجلتُ في
الإيواء الى الفراش ، وما أن أستلقيت ، وجعلت أطياف النوم تغالب أجفاني
، وثقلت تهويمتي حتى دوّى في مخيلتي مواء قطة ، تذكرت أنها كانت قد
لحقت بي حين دخلت المنزل ، وجرت خلفي من الباب عبر الحديقة حتى أوصدت
باب المطبخ . وأن شيئا ً ما وقع في روعي - وقتها - وخطف لمحا ً : هل
هذه القطة جائعة ؟ لكنني لم أتوقف أو ألتفت.
في الفراش نشب صراع حاد بين رغبتي في النوم وصوت المواء الذي بات يحاصر
مشاعري ويلهبها . تقلبت طويلا ً وأدنيت موضوعات أخرى من دائرة الوعي
المقلق من دون جدوى ، إذ بقيت أسير ذلك التناوب العجيب بين الرغبة في
النوم وصوت المواء . صار موضوع جوع القطة يقض مضجعي ثم انقدح نور غامر
في قلبي ، فجعلت أرى بألف عين جميع الكائنات ، وهي تفغر أفواهها طلبا ً
للطعام والشراب . البشر والحيوانات والنباتات والجمادات ، كانت كلها
تسير في طوابير طويلة قاصدة نقطة ما في أفق بعيد.
أخيرا ً حلـّت اليقظة في قلبي ، فرفست الأغطية الثقيلة ، ونهضت ثم
هُرعت الى باب المطبخ ، فتحته فأبصرت عجبا ً ، كانت الريح تعول والرعود
تتفجر والأشجار تنشج بحفيف ٍ جنوني . ومن بين كل ذلك الضجيج سمعت عواء
كلاب مسعورة يتموج في مساحة الضوضاء المنعقدة في سواد المكان . في
لحظة الرعب تلك عزمت على التراجع والعودة الى الفراش ، فمّس قدمي جسم
بالغ النعومة ، حين نظرت الى تحت ، رأيت القطة الجائعة أكنت في يقظة
حقا ً حين سمعت صوتها وهي تقول لي بنبرة خافتة : لا تقلق ، لا تقلق
!؟ فضج النداء في دمي ، وتراجعت مدحورا ً مفسحا ً لها مكانا ً للدخول
الى المطبخ ، جلست قبالتها حيث وقفت تنظر اليّ ، وجهها أبيض صاف ٍ
تعلوه ابتسامة آدمية عريضة . وعيناها مصوبتان الي ّ تنظران برقة وحنو
غامرين.
تراجعت قليلا ً وفتحت الثلاجة . أخرجت صحن لبن خاثر وقطعة خبز بحجم
الكف ، رحت أقطع الخبز قطعا ً صغيرة وأغمسها في صحن اللبن . بيد اني
حين أدنيته منها ، إرتجفت يدي وتضاعف إرتجافها فلم أقو على ايصال الصحن
الى الأرض ، فمدّت القطة يدها وتناولت الصحن ووضعته أمامها . رأيت
اليها وهي تلعق اللبن بشهية وتلذذ عجيبين ، ثم طفقت تقضم الخبز قطعة
قطعة ، ما أن أتمت ذلك حتى رفعت يدا ً بيضاء ، وقالت بصوت والدتي
الراحلة منذ بضعة أعوام : ها أنت ذا تستطيع فعل ذلك يا بني ! فتهاويت
على الأرض من دون أن أقوى على التحكم بأعضاء جسدي . وكان باب المطبخ ما
زال مشرعا ً يطل على الخارج ؛ فأتيح لي أن أرى السكون وهو يعم المكان ،
فلا عواصفَ ولا رعودَ ولا ضجيجَ ولا كلابَ نابحة.
نصوص شعرية..مــفــردات
نادية مرعي
مناصب
الألقاب المفرغة من محتواها
فئران تجارب ظلت نهجها
***
نضال
لست مجرد رقم للتجميل
ولست وجوداً هلامياً
رغم كثرة الكلام
مجرد الكلام
لن يمنحك أحد
كذباً أنيقاً
كالذي تجدينه في حزبك
***
مبادئ
الشفافية
عتمة أخرى تنتصر حكاياها
لمهزوم ما
في عصر تتلوث فيه الفروسية
بوحل الغباء
***
لوائح
التقاليد العريقة
مهام مشوشة لقادة خائبين
تفاصيلها عابرة
لأمجاد نكسة حقيقية
***
تناغم
بالتوافق... تثبتين أنك مرنة
بالمرونة تثبتين أنك
مؤهلة
بالتأهيل أنت سياسة
هكذا نفذي
صفقي
وغداً تصبحين زعيمة خالصة
***
جدل
الينابيع الشاهقة
ليسَ لها كاتمُ صوت
هديرها يتعالى بالعراء؛
فلا يستتر جمالهما
لذا يتجلى قبحٌ شنيع
حينما ترتطم سياسية
داخل شاعرة
***
قيم
العدالة، المساواة، الشفافية
التمكين
كلها أضغاث شجن واحد
امرأة
***
شراكة
كل مرة... تمتلئ الجرة
فيشطح بي الأمل
وينكسر يأسي
وحينما أقترب لأرى
امتلاءها
يتباكى الرفاق
لقد انكسرت
ونحن عصبة من الذكور
لا تحزني
سنمكنك في المرة القادمة
من رؤية امتلائها
***
تصويت
ارفعي صوتك
امنحيني تأييدك
وعندما تَقِرِّين في البيت
سأمنحك تعاطفي؛
ومساندتي
وسأفرد خطاباً يتبنى حقك في المشاركة
***
رسالة العدوان
لقد أخطأت حتى بات قلبي
غير قادر على الغفران
لم تعد أخطاؤك توجعني
ولا مجاملاتك تترك أثراً طيباً
لم أعد أحفل بك
هذه البلاد ليست عابرة
ولا هي كآبة ما بعد الولادة
إنها جميلة خاصة
أعرفها، أعيشها بعمق
وحزن رصين؛
لا شيء ذا قيمة
ولا شيء بلا معنى
نحن من نهب الأشياء جمالها
أو قبحها
لذا لن أمنحك رسالة غفران
تستبيح بها ألمي
ولن أحملك أكثر مما أنت عليه
هكذا نختار ما ومن نكون
ونأمل دائماً أن ننجو |