|
عقائد الامامية
كتاب في حلقات
الشيخ محمد رضا المظفر
الحلقة العشرون
عقيدتنا في زيارة القبور
ومما امتازت به الإمامية العناية بزيارة القبور " قبور النبي والأئمة
عليهم الصلاة والسلام “ وتشييدها وإقامة العمارات الضخمة عليها ،
ولأجلها يضحون بكل غال ورخيص عن إيمان وطيب نفس
.
ومرد كل ذلك إلى وصايا الأئمة ، وحثهم شيعتهم على الزيارة ، وترغيبهم
فيما لها من الثواب الجزيل عند الله تعالى ، باعتبار أنها من أفضل
الطاعات والقربات بعد العبادات الواجبة ، وباعتبار أن هاتيك القبور من
خير المواقع لاستجابة الدعاء الانقطاع إلى الله تعالى
.
وجعلوها أيضا من تمام الوفاء بعهود الأئمة ، ( إذ أن لكل إمام عهدا في
عنق أوليائه وشيعته ، وأن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة
قبورهم ، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقا بما رغبوا فيه كان
أئمتهم شفعاؤهم يوم القيامة ). وفي زيارة القبور من الفوائد الدينية
والاجتماعية ما تستحق العناية من أئمتنا ، فإنها في الوقت الذي تزيد من
رابطة الولاء والمحبة بين الأئمة وأوليائهم ، وتجدد في النفوس ذكر
مآثرهم وأخلاقهم وجهادهم في سبيل الحق - تجمع في مواسمها أشتات
المسلمين المتفرقين على صعيد واحد ، ليتعارفوا ويتآلفوا ، ثم تطبع في
قلوبهم روح الانقياد إلى الله تعالى والانقطاع إليه وطاعة أوامره ،
وتلقنهم في مضامين عبارات الزيارات البليغة الواردة عن آل البيت حقيقة
التوحيد والاعتراف بقدسية الإسلام والرسالة المحمدية ، وما يجب على
المسلم من الخلق العالي الرصين والخضوع إلى مدبر الكائنات وشكر آلائه
ونعمه ، فهي من هذه الجهة تقوم بنفس وظيفة الأدعية المأثورة التي تقدم
الكلام عليها ، بل بعضها يشتمل على أبلغ الأدعية وأسماها كزيارة
(أمين الله ) وهي الزيارة المروية عن الإمام " زين العابدين " عليه
السلام حينما زار قبر جده " أمير المؤمنين " عليه السلام” كما تفهم هذه
الزيارات المأثورة مواقف الأئمة عليهم السلام وتضحياتهم في سبيل نصرة
الحق وإعلاء كلمة الدين وتجردهم لطاعة الله تعالى ، وقد وردت بأسلوب
عربي جزل ، وفصاحة عالية ، وعبارات سهلة يفهمها الخاصة والعامة ، وهي
محتوية على أسمى معاني التوحيد ودقائقه والدعاء والابتهال إليه تعالى .
فهي بحق من أرقى الأدب الديني
بعد القرآن الكريم ونهج البلاغة والأدعية المأثورة عنهم ، إذ أودعت
فيها خلاصة معارف الأئمة عليهم السلام فيما يتعلق بهذه الشئون الدينية
والتهذيبية .
ثم إن في آداب أداء الزيارة أيضا من التعليم والارشاد ما يؤكد من تحقيق
تلك المعاني الدينية السامية ، من نحو رفع معنوية المسلم وتنمية روح
العطف على الفقير ، وحمله على حسن العشرة والسلوك والتحبب إلى مخالطة
الناس .
فإن من آدابها ما ينبغي أن يصنع قبل البدء بالدخول في ( المرقد المطهر
) وزيارته . ومنها ما ينبغي أن يصنع في أثناء الزيارة وفيما بعد
الزيارة . ونحن هنا نعرض بعض هذه الآداب للتنبيه على مقاصدها التي
قلناها :
1-من
آدابها أن يغتسل الزائر قبل الشروع بالزيارة ويتطهر ، وفائدة ذلك فيما
نفهمه واضحة ، وهي أن ينظف الانسان بدنه من الأوساخ ليقيه من كثير من
الأمراض والأدواء ، ولئلا يتأفف من روائحه الناس وأن يطهر نفسه من
الرذائل .
وقد ورد في المأثور أن يدعو الزائر بعد الانتهاء من الغسل لغرض تنبيهه
على تلكم الأهداف العالية فيقول : ( اللهم اجعل لي نورا وطهورا وحرزا
كافيا من كل داء وسقم ومن كل آفة وعاهة ، وطهر به قلبي وجوارحي وعظامي
ولحمي ودمي وشعري وبشري ومخي وعظمي وما أقلت الأرض مني ، واجعل لي
شاهدا يوم حاجتي وفقري وفاقتي).
2-أن
يلبس أحسن وأنظف ما عنده من الثياب ، فإن في الأناقة في الملبس في
المواسم العامة ما يحبب الناس بعضهم إلى بعض ويقرب بينهم ويزيد في عزة
النفوس والشعور بأهمية الموسم الذي يشترك فيه
.
ومما ينبغي أن نلفت النظر إليه في هذا التعليم أنه لم يفرض فيه أن يلبس
الزائر أحسن الثياب على العموم ، بل يلبس أحسن ما يتمكن عليه . إذ ليس
كل أحد يستطيع ذلك وفيه تضييق على الضعفاء لا تستدعيه الشفقة فقد جمع
هذا الأدب بين ما ينبغي من الأناقة وبين رعاية الفقير وضعيف الحال
3-أن
يتطيب ما وسعه الطيب . وفائدته كفائدة أدب لبس أحسن الثياب
.
4-أن
يتصدق على الفقراء بما يعن له أن يتصدق به . ومن المعلوم فائدة التصديق
في مثل هذه المواسم ، فإن في معاونة المعوزين وتنمية روح العطف عليهم
.
5-أن
يمشي على سكينة ووقار غاضا من بصره . وواضح ما في هذا من توقير للحرم
والزيارة وتعظيم للمزور وتوجه إلى الله تعالى وانقطاع إليه ، مع ما في
ذلك من اجتناب مزاحمة الناس ومضايقتهم في المرور وعدم إساءة بعضهم إلى
بعض .
6- لله وتعظيمه وتقديسه في إحياء
شعائر الله وتأييد دينه
.
7-وبعد
الفراغ من الزيارة للنبي أو الإمام يصلي ركعتين على الأقل ، تطوعا
وعبادة لله تعالى ليشكره على توفيقه إياه ، ويهدي ثواب الصلاة إلى
المزور .
وفي الدعاء المأثور الذي يدعو به الزائر بعد هذه الصلاة ما يفهم الزائر
، إن صلاته وعمله إنما هو لله وحده وإنه لا يعبد سواه ، وليست الزيارة
إلا نوع التقرب إليه تعالى زلفى ، إذ يقول : " اللهم لك صليت ولك ركعت
ولك سجدت وحدك لا شريك لك ، لأنه لا تكون الصلاة والركوع والسجود إلا
لك ، لأنك أنت الله لا إله إلا أنت . اللهم صل على محمد وآل محمد ،
وتقبل مني زيارتي وأعطني سؤلي بمحمد وآله الطاهرين. وفي هذا النوع من
الأدب ما يوضح لمن يريد أن يفهم الحقيقة عن مقاصد الأئمة وشيعتهم تبعا
لهم في زيارة القبور ، وما يلقم المتجاهلين حجرا حينما يزعمون أنها
عندهم من نوع عبادة القبور والتقرب إليها والشرك بالله
.
وأغلب الظن إن غرض أمثال هؤلاء هو التزهيد فيما يجلب لجماعة الإمامية
من الفوائد الاجتماعية الدينية في مواسم الزيارات ، إذ أصبحت شوكة في
أعين أعداء آل بيت محمد ، وإلا فما نظنهم يجهلون حقيقة مقاصد آل البيت
فيها . حاشا أولئك الذين أخلصوا لله نياتهم وتجردوا له في عباداتهم ،
وبذلوا مهجهم في نصرة دينه أن يدعو الناس إلى الشرك في عبادة الله
.
8-ومن آداب الزيارة ( أن يلزم للزائر
حسن الصحبة لمن يصحبه وقلة الكلام إلا بخير ، وكثرة ذكر الله ،
والخشوع وكثرة الصلاة والصلاة على محمد وآل محمد ، وأن يغض من بصره ،
وأن يعدو إلى أهل الحاجة من إخوانه إذا رأى منقطعا ، والمواساة لهم ،
والورع عما نهى عنه وعن الخصومة وكثرة الإيمان والجدال الذي فيه
الإيمان ).
ثم أنه ليست حقيقة الزيارة إلا السلام على النبي أو الإمام باعتبار
أنهم " أحياء عند ربهم يرزقون " ، فهم يسمعون الكلام ويردون الجواب :
ويكفي أن يقول فيها مثلا : ( السلام عليك يا رسول الله) غير أن الأولى
أن يقرأ فيها المأثور الوارد من الزيارات عن آل البيت ، لما فيها - كما
ذكرنا - من المقاصد العالية والفوائد الدينية ، مع بلاغتها وفصاحتها ،
ومع ما فيها من الأدعية العالية التي يتجه بها الانسان إلى الله تعالى
وحده.
القران في الفقه الوضعي
احمد فقي بهني
القرينة هي الصلة الضرورية التي ينشئها القانون بين وقائع معينة أو هي
نتيجة يتحتم على القاضي أن يستخلصها من واقعة معينة. والاستدلال
بالقرائن هو استنتاج واقعة مجهولة من واقعة معلومة.
أقسام القرائن:
تنقسم القرائن إلى قرائن إقناعية أو فعلية وقرائن قانونية.
القرائن الاقناعية:
هي ما يترك تقديرها للقاضي يستنتج منها ما يطابق عقله ويرتاح إليه
ضميره.
القرائن القانونية
هي التي يلزم الشارع بها القاضي ليستنتج منها دائماً نتيجة معينة فلا
يجوز للقاضي أن يرى غير ذلك. كاشتراط سن معينة للتمييز. فكل شخص يبلغ
هذه السن يعتبر مميزاً ومن لم يبلغها يعتبر غير مميز.
وقد قيل بأن القرائن الفعلية أو الإقناعية هي دليل بينما القرائن
القانونية ليست دليلاً، بل هي إعفاء المكلف بالإثبات من تقديم الدليل،
ولكن في الحقيقة لا يوجد فرق بين الإثنين من هذه الوجهة، لأنه في
كليهما يجب أولا إثبات الوقائع التي تعتبر قرائن، وإنما الفرق الحقيقي
بينهما أن القاضي له حق تقدير تلك الوقائع في القرائن الفعلية ولكن ليس
له حرية تقديرها في القرائن القانونية.
وتنقسم القرائن القانونية إلى قرائن مؤقّتة أو بسيطة وقرائن قطعية، أو
مطلقة، فالأولى هي ما تقبل إثبات العكس ولكنها تبقى قائمة إلى أن يقوم
الدليل على عكسها، كوجود أجنبي في بيت مسلم في المحل المخصص للحريم
فإنه يعتبر قرينة على الزنا، ولكن يجوز للمتهم أن يثبت أن وجوده كان
لسبب آخر.
والثانية هي ما لا تقبل إثبات العكس كحالة السن، فإنه مهما ثبت تمييز
الشخص الذي لم يبلغ سبع السنين فإنه لا يمكن أن يعاقب.
في الشريعة الاسلامية
القرينة مأخوذة من المقارنة وهي المصاحبة. وقد تكون دلالتها قوية أو
ضعيفة على حسب قوة المصاحبة وضعفها وقد ترتقى إلى درجة القطع أو تهبط
إلى درجة الاحتمال البعيد جداً بحيث تصبح ولا يعبأ بها المرجع في ضبطها
إلى قوة الذهن والفطنة واليقظة.
من ذلك قول الشاهد الذي ذكر الله شهادته ولم ينكرها بل لم يعبه بل
حكاها مقرراً لها فقال تعالى: "واستبقا الباب وقدت قميصه من دبرٍ
وألفيا سيدها لدى الباب قالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن
أو عذاب أليم. قال: هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان
قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت
وهو من الصادقين. فلما رأى قميصه قد من دبر قال: إنه من كيدكن إن كيدكن
عظيم". فتوصل بقد القميص إلى تمييز الصادق منهما من الكاذب. وهذا لوث
في أحد المتنازعين يبين به وجه الحق.
وفي موضع آخر:
البينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره ومن خصها بالشاهدين أو الأربعة أو
الشاهد لم يوف مسماها حقه، ولم تأت البينة قط في القرآن مراداً بها
الشاهدان. وإنما أتت مراداً بها الحجة والدليل والبرهان مفرده ومجموعه.
كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم "البينة على المدعى" المراد به أن
عليه ما يصحح دعواه ليحكم له والشاهدان من البينة. ولا ريب أن غيرها من
أنواع البينة _قد يكون أقوى منها كدلالة الحال على صدق المدعى فإنها
أقوى من دلالة إخبار الشاهد. والبينة والدلالة والحدة والبرهان والآية
والتبصرة والعلامة والأمارة متقاربة في المعنى.
وقد أخذ بالقرائن في أحوال كثيرة. سرد ابن القيم كثيراً منها: ونذكر
بعضها:
1- للقيط إذا ادعاه اثنان ووصفه
أحدهما بعلامة خفية بجسده حكم له به عند الجمهور.
2- قول أمير المؤمنين علي (ع) للظعينة
التي حملت كتاب حاطب فأنكرته فقال لها لتخرجن الكتاب أو لنجردنك فلما
رأت الجد أخرجته من عقاصها. وعلى هذا إذا ادعى الخصم الفلس وأنه لا شيء
معه فقال المدعي للحاكم المال معه وسأل تفتيشه وجب على الحاكم إجابته
إلى ذلك ليصل صاحب الحق إلى حقه.
3- جواز شهادة الشاهد على القتل
الموجب للقصاص أنه قتله عمداً عدواناً وهو لم يقل قتلتُه عمداً
والعمدية صفة قائمة بالقلب فجاز للشاهد أن يشهد بها ويراق دم القاتل
بشهادته اكتفاء بالقرينة الظاهرة.
ونتكلم بعد ذلك عن القرائن في جرائم الزنا وشرب الخمر والسرقة.
أولا: القرائن في جريمة الزنا
أجمع الفقهاء على أن الزنا يثبت بالإقرار وبالشهادة. أما ثبوت الزنا
على المرأة إذا وجدت حاملا بدون زواج ولا شبهة الزواج فقد اختلف فيه
الفقهاء.
فقال البعض: منهم أبو حنيفة والشافعي لا تحد. وقال مالك: عليها الحد
إذا كانت مقيمة غير غريبة إلا أن تظهر أمارات الإكراه عليها بأن تأتي
مستغيثة أو صارخة لقول عمر رضي الله عنه: الرجم واجب على كل من زنى من
الرجال والنساء إذا كان محصناً إذا قامت بينة أو كان الحبل أو الاعتراف.
وروى في الموطأ عن الإمام مالك قال: بلغني أن عثمان رضي الله عنه أتى
بامرأة ولدت في ستة أشهر فأمر برجمها. فقال له عليّ ما عليها رجم، لأن
الله تعالى يقول: "وحمله وفصاله ثلاثون شهراً". وقال: "والوالدات يرضعن
أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة" فالحمل يكون ستة أشهر
فلا رجم عليها. فأمر عثمان بردها. فوجدت قد رجمت.
وروى عن الإمام علي أنه قال: يأيها الناس إن الزنا زناءان، زنا سر وزنا
علانية، فزنا السر أن يشهد الشهود فيكون الشهود أول من يرمى، وزنا
العلانية أن يظهر الحبل أو الاعتراف فيكون الإمام أول من يرمي وهذا قول
سائر الصحابة.
وقال الحنابلة: لا تحد المرأة بالحمل لانه يحتمل أنه من وطء إكراه أو
شبهة والحد يسقط بالشبهات. ورد في المعنى:
وقد قيل إن المرأة تحمل من غير وطء بأن يدخل ماء الرجل في فرجها إما
بفعلها أو فعل غيرها ولهذا تصور حمل البكر ووجد ذلك.
وفي الحقيقة لا خلاف جوهرياً بين الرأيين.
فإن ثبت أن الزنا كان بالإكراه فلا حد وفقاً للأصول الشرعية المعروفة
في أي من المذاهب.
وإن كانت المرأة بكراً فلا حد أيضاً وذلك لأن الزنا منها يوجب المباشرة
والوطء. والوطء من أهم الأركان التي تستوجب العقوبة في جريمة الزنا
والوطء الذي يوجب الحد هو إيلاج الحشفة وتغيبها في الفرج أو قدرها من
مقطوعها وهو ما لم يحدث في هذه الحالة.
يبقى أن تكون المرأة حاملاً ثيباً غير متزوجة ولم تدفع بإكراه ولا بوجه
من أوجه الدفع التي توجب الشبهة وفي هذه الحالة تحد وفقاً لقول عمر ابن
الخطاب.
ورد في الدسوقي على الشرح الكبير:
”يثبت
الزنا بالإقرار والبينة وبظهور الحمل في امرأة غير متزوجة ولا تقبل
دعواها بالغصب بلا قرينة تشهد لها بذلك ولا دعواها أن هذا الحمل من مني
شربه فرجها في الحمام إلا لقرينة _مثل كونها عذراء وهي من أهل العفة أو
تعلقها بالمدعى عليه سواء كان صالحاً أو مجهول الحال أو فاسقاً أي تأتي
مستغيثة منه أو تأتي البكر تدمى عقب الوطء وإن لم تستغث وتقول أكرهني
فلان”.
ثانيا: القرائن في جريمة السرقة
تثبت جريمة السرقة بالإقرار أو بالبينة. وهما الطريقان الأصليان في
إثبات هذه الجريمة. ولكن إذا لم يكن هناك شهود على واقعة اختلاس خفية
ولم يعترف الجاني بالسرقة ولكن وجدت في حوزته المسروقات وأنكر سرقتها
وادعى ملكيتها فهل يقطع بذلك؟
قال البعض: إن ادعاءه الملكية شبهة تسقط عنه الحد.
وقال البعض الآخر. إذا أخذنا بهذا الرأي يتطرق السراق إلى هذا الدفع
ولا ينفذ حد أصلاً على السراق.
ورد في الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية:
”ولم
يزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المال المسروق مع المتهم
وهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار. فإنهما خبران يتطرق إليهما
الصدق والكذب ووجود المال معه نص صريح لا يتطرق إليه شبهة”.
ثالثا: القرائن في جريمة شرب الخمر
القاعدة أيضاً في شرب الخمر أنه يثبت بالشهادة أو بالإقرار، ولكن هل
يثبت الشرب بوجود الرائحة أو القىء؟
أولا: قال البعض: لا حد على من وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها إذا لم
يشاهد منه الشرب أو يقر على نفسه لأن الرائحة محتملة. وكذا الشرب قد
يقع عن إكراهه أو جهله أو اضطراره وهو رأي الثوري وأبي حنيفة والشافعي.
ورد في فتح القدير:
”لا
حد على من وجد به ريح الخمر أو تقيأها لأن الرائحة محتملة _فلا يثبت
بالاحتمال ما يندرىء بالشبهات وكذا الشرب قد يكون عن إكراه.
فوجود عينها في القىء لا يدل على الطواعية فلو وجب الحد وجب بلا موجب
وأورد عليه أنه قال من قريب والتمييز بين الروائح ممكن للمستدل فقطع
بالاحتمال. وهنا عكس. قال: قال الماوردي: وتكلف بعضهم في توجيهه: يريد
به صاحب النهاية: بأن الاحتمال في نفس الروائح قبل الاستدلال، والتمييز
بعد الاستدلال على وجه الاستقصاء. قال: ولقائل أن يقول إذا كان التمييز
يحصل بالاستدلال فإذا استدل على الوجه المذكور في هذه الصورة يرتفع
الاحتمال في الرائحة فينبغي أن يحد حينئذ ولم يقل به أحد”.
ثانياً: وقال البعض: يطبق الحد على مثل هذا الشخص اعتماداً على القرينة
الظاهرة وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين وهو مذهب مالك وأحمد في غالب
نصوصه وحكم به عمر وابن مسعود.
روى الموطأ والنسائي عن السائب بن يزيد قال: إن عمر قال: وجدت من فلان
ريح شراب _يعني بعض بنيه _ وزعم أنه شرب الطلاء، وأنا سائل عنه. فإن
كان يسكر جلدته فسأل فقيل له: إنه يسكر، فجلده عمر الحد تاماً. أخرجه
الموطأ.
وأخرج مسلم وأبو داود عن حصين بن المنذر قال: شهدت عثمان ابن عفان أتى
بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان، أحدهما
حمران، أنه شرب الخمر، وشهد آخر. أنه رآه يتقيأ فقال عثمان إنه لم
يتقيأ حتى شربها فقال: يا علي، قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده،
فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها، فكأنه وجد عليه. فقال: يا عبد
الله بن جعفر قم فاجلده فجلده _ وعلي يعد حتى بلغ أربعين.
رابعاً: القرائن في جريمة القتل
الأصل في القتل أنه يثبت بالشهادة أو بالإقرار فهل يثبت بالقرينة؟ لا
يثبت القتل إلا بهذه الأدلة وإنما يجوز أن تكون القرينة لوث يجوز لولي
القتل أن يطلب القسامة.
ورد في الطرق الحكمية:
”هل
يشك أحد رأى قتيلا يتشحط في دمه وآخر قائم على رأسه بالسكين أنه قتله
ولا سيما إذا عرف بعداوته. ولهذا جوز جمهور الفقهاء لولي القتيل أن
يحلف خمسين يميناً أن ذلك الرجل قتله. ثم قال مالك وأحمد: يقتل به وقال
الشافعي: يقضي عليه بديته”.
”من
القرائن أن ابني عفراء لما ادعيا قتل أبي جهل قال صلى الله عليه وسلم:
هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا. قال: فأرياني سيفيكما، فلما نظر فيهما
قال: "كلاكما قتله”.
وورد فيها أيضاً:
”ومن
ذلك جواز شهادة الشاهد على القتل الموجب للقصاص أنه قتله عمداً عدواناً
محضاً وهو لم يقل قتلتُه عمداً والعمدية صفة قائمة بالقلب فجاز للشاهد
أن يشهد بها ويراق دم القاتل بشهادته اكتفاء بالقرينة الظاهرة”.
الاجتهاد مراعاة “حكم الوقت”
سعيد بنسعيد العلوي
يتوسع المجتهدون من علماء أصول الفقه في تقدير معنى “ المصلحة” ,
فيربطونها بشرط تجب مراعاته : تقدير ما يقضي به” حكم الوقت” 0 ولكي
نفهم هذا الشرط على وجهه الحقيقي, ينبغي أن نعلم أن الفقيه المجتهد ,
في سعيه الى أستنباط الحكم الشرعي في “ النازلة” التي تعرض عليه, يتوخى
أن يعزز الحكم الذي يقوده أجتهاده إليه بالتعليل الضروري والكافي0
و " التعليل ", هو البحث عن " العلة " أو السبب الخفي المبرر, ومن ثم
فإن الفتوى التي يصدرها المجتهد, لا اعتداد بها إلا متى كانت " معللة "
(أي حاملة لما يكفي ويلزم من العلل الشرعية والعقلية على نحو تكون به
إحداها مؤيدة للأخرى وشارحة لها ), غير أن المجتهد يصير, في بعض
الاحيان, إلى حال من الحيرة والتردد أمام التكافؤ الحاصل بين رأيين أو
حكمين مختلفين (أيكون الحكم , على سبيل المثال, بحظر شئ ما ومنعه أم
بإباحة ذلك الشئ وترخيصع ؟)0 والحل, في حال مماثلة, هو الالتجاء الى "
الترجيح ": أي الحكم برجحان كفة رأي والأطمئنان إلى ما يتوافر فيه من
"علل" , في مقابل ضعف " العلل " التي يحتج بهاالرأي الأخر المعارض0 وفي
عمل " الترجيح " هذا يتدخل مبدأ او قاعدة "حكم الوقت ", ولربما كان
أفضل تمثيل لهذا المبدأ هو ما ينتهي اليه ابو الحسن الماوردي في كتابه
الشهير الأحكام السلطانية عندما يكون بصدد مناقشة الشروط الواجب
توافرها في " أهل الأمامة " (أي اولئك الذين تكون الأمة مطالبة, عن
طريق " أهل الحل والعقد ", أن تختار من بينهم رجلاً يبايعونه على "
الإمامة العظمى " )0 يقول الماوردي :" فلو تكافأ في شروط الإمامة اثنان
(000) ولو كان أحدهما أعلم والآخر أشجع , روعي في الاختيار ما يوجبه
حكم الوقت : فإن كانت الحاجة الى فضل الشجاعة أدعى , لانتشار الثغور
وظهور البغاة, كان الأشجع أحق0 وإن كانت الحاجة الى فضل العلم أدعى ,
لسكون الدهماء , وظهور أصل البدع كان الأعلم أحق"0 وهكذا يكون الفصل في
الاختيار , في حال التردد والاضطراب بين نظرين, هو ما تقتضيه شروط
الوجود الاجتماعي والسياسي, وبذلك فإن " حكم الوقت " يرقى إلى مرتبة
الحكم الأسمى ليكون مبدأ سامياً يمكن المجتهد من الاهتداء إلى مابه
تتحقق المصلحة العليا للمسلمين , تلك التي كانت مقاصد الشريعة تبياناً
لها ودفاعاً عنها في الوقت ذاته0
الحق أن الاحتكام إلى " حكم الوقت " في الامور التي تتعلق بالوجود
السياسي والاجتماعي للمسلمين , هو أعتراف عملي بمنطق التاريخ في
التغيير والتحول ,وإقرار لسنة الله في المون في تغيير الأزمنة, كما أنه
إعمال للعقل الفقهي (في عمله السامي) من أجل الاهتداء إلى الدفاع عن
الشريعة0 وإذا ما رجعنا إلى صفحات من تاريخ الاسلام نستشيرها في هذه
المسألة ونستلهم درسها, نجد أن المجتهد (إذ يجابه بالمشكلات والقضايا
السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعرض للمسلمين في حياتهم) يكون
أحد رجلين أثنين : رجل يشتط فيضيف على نفسه وعلى من حوله في فهم معنى "
مقاصد الشرع " وفي تقدير معنى "المصلحة ", واخر يتسع نظره فيرنو ببصره
الى الوجود السياسي والاجتماعي في حال من الشمولية في النظر والدقة في
تقدير الأحوال والموازنة بينهما0 يمكن القول إننا نكون , إزاء الرجلين,
أمام " قراءتين " لواقع الاسلام, حين النظر, ولحال المسلمين زمن طلب
حكم الشرع وإصدار الفتوى0 قراءة أولى لا تهتم بالصلات القائمة بين
النصوص والوقائع فكأن التاريخ بالنسبة لها قد أنتهى أو توقف عند " زمان
مرجعي " جامد في مكانه, فهو لا يتحرك, وهذه قراءة ترى الحاضر بعين
الماضي0 وقراءة ثانية, همها الأول والأخير هو الحاضر وديدنها ما يفيده
الحديث النبوي " أنتم أدرى بأمور دنياكم " فهي لذلك قراءة تسعى إلى
أنارة النصوص بنور الشرع الخفي , ذلك الذي يقضي بأن شرع الله يكون
حيثما تكون مصلحة الانسان0
قد يكون في الحرص والتشدد في النظر الى أحكام الشريعة ما يكون مدعاة
الى أقامة السدود والموانع في وجه الشريعة ذاتها متى كان من الناظر
انصراف عن الاخذ بمايقضي به " حكم الوقت " وكان منه, نتيجة لذلك
الانصراف, ضيق نظر وأنسداد أفق في فهم دلالة " مقاصد الشريعة " وفي
تقدير " المصلحة " على وجهها الصحيح0
وفي زماننا هذا, في هذه الظروف العسيرة التي يعيشهاالاسلام ويحيا
فيهاالمسلمون نحن مطالبون , جميعنا, وكل من موقعه ودائرة سلطته , بحسن
إعمال العقل وتسديد النظر تحرياً للإصابة في تعيين ما يقضي به علينا "
حكم الوقت “. |