|
عقائد الامامية
كتاب في حلقات
الشيخ محمد رضا المظفر
الحلقة الحادية والعشرون
عقيدتنا في معنى التشيع عند آل البيت
إن الأئمة من آل البيت عليهم السلام لم تكن لهم همة - بعد أن انصرفوا
عن أن يرجع أمر الأمة إليهم - إلا تهذيب المسلمين وتربيتهم تربية صالحة
كما يريدها الله تعالى منهم ، فكانوا مع كل من يواليهم
ويأتمنونه على سرهم يبذلون قصارى جهدهم في تعليمه الأحكام الشرعية
وتلقينه المعارف المحمدية ، ويعرفونه ما له وما عليه . ولا يعتبرون
الرجل تابعا وشيعة لهم إلا إذا كان مطيعا لأمر الله مجانبا لهواه آخذا
بتعاليمهم وإرشاداتهم.
ولا يعتبرون حبهم وحده كافيا للنجاة كما قد يمني نفسه بعض من يسكن إلى
الدعة والشهوات ويلتمس عذرا في التمرد على طاعة الله سبحانه . أنهم لا
يعتبرون حبهم وولاءهم منجاة إلا إذا اقترن بالأعمال الصالحة وتحلي
الموالي لهم بالصدق والأمانة والورع والتقوى .
" يا خيثمة ! أبلغ إلينا أنه لا نغني
عنهم من الله شيئا إلا بعمل ، وأنهم لن ينالوا ولايتنا إلا بالورع ،
وإن أشد الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره "
بل هم يريدون من أتباعهم أن يكونوا دعاة للحق وأدلاء على الخير والرشاد
، ويرون أن الدعوة بالعمل أبلغ من الدعوة باللسان : " كونوا دعاة للناس
بالخير بغير ألسنتكم ، ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع "
ونحن نذكر لك الآن بعض المحاورات التي جرت لهم مع بعض اتباعهم ، لتعرف
مدى تشديدهم وحرصهم على تهذيب أخلاق الناس :
" يا جابر ! أيكتفي من ينتحل ( التشيع
) أن يقول بحبنا أهل البيت ! فوالله ما ( شيعتنا ) إلا من اتقى الله
وأطاعه " .
" وما كانوا يعرفون إلا بالتواضع ،
والتخشع ، والأمانة ، وكثرة ذكر الله ، والصوم والصلاة ، والبر
بالوالدين ، والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين
والأيتام ، وصدق الحديث . وتلاوة القرآن وكف الألسن عن الناس إلا من
خير ، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء " .
" فاتقوا الله واعملوا لما عند الله !
ليس بين الله وبين أحد قرابة . أحب العباد إلى الله عز وجل أتقاهم
وأعملهم بطاعته
" يا جابر والله ما نتقرب إلى الله
تبارك وتعالى إلا بالطاعة ، وما معنا براءة من النار ، ولا على الله
لأحد من حجة من كان لله مطيعا فهو لنا ولي ومن كان لله عاصيا فهو لنا
عدو . وما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع " .
2 -محاورة أبي جعفر أيضا مع سعيد بن
الحسن : أبو جعفر : أيجئ أحدكم إلى أخيه فيدخل يده في كيسه فيأخذ
حاجته فلا يدفعه ؟ سعيد : ما أعرف ذلك فينا . أبو جعفر : فلا شئ إذن .
سعيد : فالهلاك إذن . أبو جعفر : أن القوم لم يعطوا أحلامهم بعد .
3 -محاورة أبي عبد الله الصادق ( ع )
مع أبي الصباح الكناني : الكناني : لأبي عبد الله : ما نلقى من الناس
فيك ؟ ! أبو عبد الله : وما الذي تلقى من الناس ؟ الكناني : لا يزال
يكون بيننا وبين الرجل الكلام ، فيقول : جعفري خبيث . أبو عبد الله
يعيركم الناس بي ؟ ! الكناني : نعم ! أبو عبد الله : ما أقول والله من
يتبع جعفرا منكم ! إنما أصحابي من اشتد ورعه ، وعمل لخالقه ، ورجا
ثوابه . هؤلاء أصحابي !
4 -ولأبي عبد الله عليه السلام كلمات
في هذا الباب نقتطف منها ما يلي :
أ - ( ليس منا - ولا كرامة - من كان
في مصر في مائة ألف أو يزيدون ، وكان في ذلك المصر أحد أورع منه).
ب - ( إنا لا نعد الرجل مؤمنا حتى
يكون لجميع أمرنا متبعا ومريدا ألا وإن من اتباع أمرنا وإرادته الورع .
فتزينوا به يرحمكم الله).
ج - ( ليس من شيعتنا من لا تتحدث
المخدرات بورعه في خدورهن ، وليس من أوليائنا من هو في قرية فيها عشرة
آلاف رجل فيهم خلق الله أورع منه)
د - ( إنما شيعة " جعفر " من عف بطنه
وفرجه واشتد جهاده وعمل لخالقه ورجا ثوابه وخاف عقابه . فإذا رأيت
أولئك فأولئك شيعة جعفر)
القرآن الكريم وعلم النفس
عبدالمنعم الجداوي
(وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً)
]الكهف/ 54[.
لا السماء بما فيها من عوالم، ولا الفضاء بكواكبه، ونجومه، ومجراته،
وشموسه.. ولا الأرض بكنوزها، ومعادنها، وبحارها.. أكثر جدلاً من
الانسان... ولا أعقد مما يطويه في صدره، وما يسبح بين فؤاده داخل
حناياه، وما يدور في تلك العظمة المجوفة التي تسمى الجمجمة..
وهكذا يؤكد القرآن الكريم ان الانسان أعقد ما دب على الأرض من
المخلوقات وأعظمها أيضاً.. وحينما منح ذلك الحيوان المتكلم القدرة على
فهم أسرار هذا الكون.. شغله الوصول إلى أسرار ما حوله عن الوصول إلى
أسرار نفسه.. تلك النفس التي وضعها القرآن الكريم في كفة واحدة مع
الكون كله بما فيه من عوالم.. واستحقت من المسلمين الذي قرأوا القرآن
وقفة طويلة، إذ تقول الآية الكريمة (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي
أنفسكم) ]فصلت/ 53[.
الشعور بالذنب
وقد فرق القرآن الكريم بين الروح والجسد والنفس، وجاءت آياته تتحدث في
بساطة بأدق نظريات علم النفس الحديث.. وفي قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن
غزوة تبوك التي قادها رسول الله (ص). يصف القرآن معاناة الشعور بالذنب،
ويتحدث عن عذاب الضمير للثلاثة الذين تخلفوا في دقة مذهلة ومعجزة..
فلما مضت الغزوة حسوا بالإثم، وقاطعهم أهل المدينة إلى أن نزل فيهم حكم
الله، والقرآن الكريم يقول في هذه الأزمة النفسية التي عصفت بالرجال:
(وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم
أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا اليه ثم تاب عليهم ليتوبوا..)
]التوبة/ 118[.
غريزة حب البقاء
وفي سورة "الكهف" تصور الآية مشهد أهل الكهف، وقد تعاقبت عليهم السنون،
فتحولوا إلى صورة تفزع القلب، وتروع النفس فتقول (لو اطلعت عليهم لوليت
منهم رعبا) ]الكهف/ 18[، وتجيء أحدث نظريات علم النفس بعد أربعة عشر
قرناً لتقول: ان الإنسان حينما يفزع من خطر.. فان غريزة حب البقاء
تدفعه إلى الفرار بعيداً عن مصدر الخطر.. مجرد إحساسه بالخطر يحشد فيه
قوة غير عادية لا يمكن أن يحصل عليها في حالات الاطمئنان، وتجعله يأخذ
نفسه بعيداً بعيداً.. كالذي يقفز من الطابق الثاني إذا ما شعر بأن بيته
محاصر بالنيران.. وقد ينطلق بعد القفز فاراً مبتعداً عن مكمن الخطر..
ثم يتبين بعد ذلك انه قد أصيب أو لحق به أي أذى.. والآية تحدد بدقة
حالة غريزة حب البقاء حينما تقول: لوليت منهم فراراً مما يقع عليه بصرك
من بشاعة ما فعلته الأيام بالجثث.. إذ لن تستطيع أن تحدد إن كانوا موتى
أو أحياء.. فإذا فررت بعيداً.. امتلأت بالرعب بعد ذلك.
الغضب:
وموسى (ع) كان ذا شخصية انفعالية سريع الغضب.. وإذا رجعنا إلى طفولته
وسلطنا عليها أضواء علم النفس الكاشفة.. فسوف نجد انها مشحونة
بالتوترات ملأى بالقلق بعيدة عن كل ما يوفر الشعور بالأمان لطفل رضيع..
وقد توصل أحد أطباء الأمراض النفسية للأطفال إلى أن الأم والرضيع
يكونان وحدة واحدة من الوجهة النفسية، وان أية انفعالات للأم كثيراً ما
تنعكس على الرضيع، والأم التي تعاني من القلق أو من الحزن ينصحها طبيب
الأطفال بعدم إرضاع طفلها فترة حزنها أو قلقها.. وأم موسى هي التي قلقت
أعظم قلق حينما وضعته في الصندوق، وحينما أرسلت أخته تتبع آثاره على
الشاطئ.. ثم حينما عاد اليها لترضعه، كل ذلك جعل موسى (ع) عصبياً..
يثور عند الغضب إلى حد يلقي فيه بالألواح.. ويصور القرآن الكريم
"الغضب" على انه من الحالات النفسية التي يسقط الإنسان فيها تحت وطأة
قوة أقوى منه.. يتملك الغضب فيها ضحيته ويوسوس اليه بما يريد. بل يدفعه
دفعاً دون أن يملك الغاضب الخروج من حالة الغضب.
الكبت والانحراف!
وفي سورة (يوسف) أبدع الصور النفسية لكل الحيل اللاشعورية التي يلجأ
اليها الإنسان في معاملاته النفسية، والتي يسميها علم النفس آليات
عقلية يغالب بها المرء إحباطه، وقلقه، وتوتره الذي يتولد من فشله في
محاولاته تحقيق رغباته كلها أو بعضها..
فأخوة يوسف مثلاً ظلوا ضحايا الكبت الذي يحاولونه لكي يدفنوا رغبتهم في
التخلص من يوسف حتى يخلو لهم حب أبيهم، ولكنهم كانوا يفشلون في إخفائها
وكبتها فكانت تبدو فيما يصدر منهم من أعمال أو كلمات ضد يوسف (ع)..
التبرير والإسقاط!
وقد وقعوا في حالة (التبرير) التي يقول عنها علم النفس وهي الحيلة التي
تقي الإنسان من الإعتراف بالأسباب الحقيقية لسلوكه غير المقبول، ويعمد
المذنب إلى تفسير سلوكه ليبين لنفسه وللناس ان لسلوكه هذا أسباباً
معقولة.. فهم يقولون (يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا
فأكله الذئب، وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) ]يوسف/ 17[.
وإذا كان (الإسقاط) هو حيلة يسقط بها المرء نقائصه وعيوبه على الناس
والآخرين.. ويهمه بالدرجة الأولى.. أن يلصقها بمن يظن انه ينافسه
مباشرة.. كالزوج الذي يخون زوجته.. ثم يتهمها بالخيانة.. إذا كان هذا
هو مفهوم الإسقاط في علم النفس.. فإنّ القرآن الكريم روى ذلك عن أخوة
يوسف. حينما دس يوسف صاع الملك في متاع أخيه وألقى القبض عليه بتهمة
السرقة ليستبقيه دون أن يكشف لهم عن شخصيته، إذ تقول الآية الكريمة على
لسانهم: (ان يسرق فقد سرق أخ له من قبل) ]يوسف/ 78[.
العمى النفسي!
وحينما عاد الاخوة ليفجعوا والدهم في إبنه الثاني شقيق يوسف، وأحب
أولاده اليه بعد يوسف، وقد جددت هذه الصدمة الجديدة أحزانه القديمة على
يوسف، إذ تقول الآية: (وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف، وابيضت عيناه
من الحزن فهو كظيم) ]يوسف/ 84[، مع انهم نقلوا إليه خبر ابنه الثاني
وليس يوسف، وذلك ما يطابق أحدث نظريات علم النفس.. وتبيض عيناه من
الحزن.. فلم يعد يبصر فقد انتابته رغبة في العمى.. رغبة قوية سيطرت على
إرادته.. فهو لا يريد أن يرى الدنيا وقد خلت من ولديه الحبيبين.. وذلك
هو العمى النفسي، ويدرك يوسف (ع)، وهو الذي أوتي علماً وحكمة بنص
القرآن ان هذا العمى نتيجة لصدمة نفسية، وانه يمكن أن يشفى بصدمة
مضادة، وتقول الآية على لسانه: (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي
يأت بصيرا) ]يوسف/ 93[.
ثم الرمزية التي جاءت في تفسير يوسف للأحلام الثلاثة.. حلم السجين الذي
رأى نفسه يعصر خمراً، والآخر الذي رأى انه يحمل طعاماً فوق رأسه ويأكل
منه الطير.. ثم حلم الملك الشديد الرمزية.. ان كل ذلك يجعل القرآن
الكريم يتفوق في تفسيراته للنوازع والرغبات والسلوك الإنساني.. تفوقاً
يجل عن المقارنة، ويتنزه عن المنافسة لمجهودات كائناً من كان من البشر
في هذا المضمار!!.
التيارات الاجتماعية وبواكير الصراع
الطبقي
د.محمود اسماعيل
لا سبيل لإنكار نجاح الرسول في وضع
ركائز مجتمع الاخوة، ولكن العمر لم يمتد به طويلا ليرسخ جذور الواقع
الجديد، ولعل هذا يفسر استمرارية بعض بصمات الأوضاع القديمة.
فالارستقراطية القديمة لم تستأصل شأفتها تماما، بل ترك الرسول "لمسلمة
الفتح" ممتلكاتهم وكرم بعض زعاماتهم "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"،
وأغدق على أبي سفيان وعباس بن مرداس وصفوان بن أمية ويمنية بن حصن،
باعتبارهم "من المؤلفة قلوبهم"، وسيكون البيت السفياني على وجه التحديد
نواة للأرستقراطية القديمة التي ستلعب دورا بارزا منذ خلافة عثمان على
مسرح الأحداث.
وبرغم ما أتاحه الاسلام من فرص لتحرير الأرقاء، ووضع ضمانات لتحسين
أحوالهم؛ إلا أن الرق لم يستأصل تماما، بل ستزداد اعداد الرقيق فيما
بعد نتيجة الفتوحات. وسيكون لذلك تأثيره في موازين القوى الاجتماعية
عندما اندلع الصراع مرة أخرى بعد وفاة الرسول.
وفي مجتمع الاخوة أيضا نبتت بذور طبقة جديدة ممن كانوا موسرين قبل
الإسلام واعتنقوا الاسلام فتمتعوا بوضعية متفوقة، بحيث صاروا نواة طبقة
"أرستقراطية ثيوقراطية" قدر لها أن تتولى الصدارة بعد وفاة الرسول
مباشرة.
وكان علي بن أبي طالب رمز لزعامة التيار الذي تبنى مبادىء "مجتمع
الاخوة"، يؤازره جل صحابة الرسول ممن كانوا مسترقين أو مستضعفين قبل
الإسلام وأصبحوا بنعمته عصب "النظام الجديد". لذلك كانوا أكثر القطاعات
السابقة حرصا على استمرارية السياسة الاسلامية وترسيخ مُثُل الإسلام.
وبديهي أن تظهر بواكير التناقضات بين تلك التيارات عقب وفاة الرسول حول
قضية من يخلفه، فلم يقع الاختيار على أساس الشورى بل كان مغالبة،
وصراعا حسم لصالح الأرستقراطية الثيوقراطية.
وقد حاولت الأرستقراطية القديمة تعميق الخلاف بين الأرستقراطية
الثيوقراطية و"شيعة" علي، لانها لم تستطع آنذاك أن تنافس على الصدارة،
وأحبطت المحاولة لسببن: أولا: أن الارستقراطية الثيوقراطية كانت متشبعة
بروح الاسلام أكثر من ميراثها عن الجاهلية، لأن وضعيتها الجديدة بفضل
الاسلام جعلتها في تناقض مع الأرستقراطية القديمة، فصارت بذلك أقرب إلى
"التيار الاسلامي" الذي يمثله علي وشيعته.
ثانيا: أن خطرا جديداً وقع ليهدد كل التيارات السابقة؛ مما جعلها تلتئم
لمواجهته وتؤجل بذلك تفجير تناقضاتها المحلية.
تمثل هذا الخطر في "حركة الردة" التي طالما تنوعت اتجاهات الدارسين في
تفسير أسبابها ودوافعها، ومهما قيل في هذا الصدد فلا يمكن اغفال
تأثيرات العامل الاقتصادي الاجتماعي. ونحن نعتقد بضآلة العامل الديني
في تفسير الحركة، نظراً لما أعلنه المرتدون عن استعدادهم للعودة إلى
الاسلام على شريطة إعفائهم من أموال الزكاة والخراج التي كانت تؤول إلى
حكومة المدينة. وكانت جذور التناقضات بين عرب الحجاز وبقية عرب شبه
الجزيرة ممتدة إلى ما قبل الاسلام؛ لاحتكار قريش تجارة العبور، ولعل
تكوين الأحلاف بين قريش وغيرها من قبائل الحجاز كان استجابة لهذا
التحدي. ولأن الاسلام احتفظ لقريش خاصة وعرب الحجاز عامة بنفس المكانة
المتفوقة _حيث كانت المفاضلة على أساس السابقة والبلاء في خدمة الدعوة
_ ولأن روح الاسلام لم تتغلغل بعد في نفوس القبائل العربية خارج الحجاز
فقد نظر هؤلاء العرب إلى حكومة المدينة على أنها اقرار نهائي منظم
لخضوعهم الدائم لسيطرة قريش.
وكانت الأساليب والاجراءات التي قمعت بها حركات المرتدين _حيث جرى
استخدام العنف والقسوة والاحراق والمصادرة والاسترقاق...الخ، وكان
اشتراك زعماء التيارات المختلفة والتحامهم جميعا في مواجهة الخطر
الداهم، مما ينم عن الطابع "الدنيوي" للصراع، ويخفف من غلواء التفسيرات
التي ترمى إلى تغليفه بغطاء ديني قح.
ويبرز العامل الاقتصادي الاجتماعي واضحا كذلك في تفسير الفتوحات
الاسلامية، التي كانت بمثابة تكريس للطاقة العربية كلها في معارك خارج
الحدود، فأنجزت نتائج مذهلة ابان خلافتي أبي بكر وعمر، بضم أعظم
امبراطوريتين معاصرتين إلى حظيرة الإسلام. ومن الخطأ ابراز العامل
الديني باعتباره الدافع الأوحد، ولنا أن نتساءل: هل كان الاسلام قد
تغلغل في صدور عرب شبه الجزيرة خارج الحجاز ممن ارغموا قسرا على
اعتناقه من جديد، بحيث اشتركوا في حركة الفتوح في نفس العام الذي قمعت
فيه حركات المرتدين؛ هل جاهدوا فعلا مدفوعين بالعامل الديني؟
على أية حال _كان للعامل الاقتصادي فعالية ليس فقط في تفسير الموقف من
جانب القوى العربية، بل وأيضا في تفسيره من جانب الشعوب الخاضعة للفرس
والروم. وكان نجاح "الأرستقراطية الثيوقراطية" في انجاز الفتوح عملا
ذكيا؛ إذ أنه من ناحية وسع رقعة "دار الاسلام"، ومن ناحية اخرى أجل
تفجير المتناقضات بين التيارات المختلفة داخل الحجاز، وبين تناقضات عرب
الحجاز وبقية عرب شبه الجزيرة. وكانت السياسة الرشيدة التي اتبعها
الشيخان بتغليب "الروح الإسلامية" صمام الأمن المؤقت الذي كفل تأجيل
الصراع، ليتفجر بعد ذلك بشكل مكثف في خلافة عثمان.
وعلينا أن نشير إلى أنه برغم التقارب الشديد بين سياسة الشيخين في
مواجهة المشكلة الاجتماعية، فقد تفاوتا في أحيان كثيرة في التطبيق. ولم
يكن هذا التفاوت جزافا إذ كان مرتبطا بعملية "الحراك الاجتماعي"
السريع، ومواقف القوى المشكلة للبنية الاجتماعية. وعلى سبيل المثال جنح
أبو بكر إلى كسب الارستقراطية القديمة _نظرا لخطورة موقفه ابان حركة
الردة _ فاغدق عليها، وكان ذلك جزء من سياسة عامة تقوم على استرضاء
كافة التيارات الاجتماعية ابان تلك المحنة وبعدها، حين حاول توجيه كافة
الطاقات المحمومة خارج الحدود، ودليلنا على ذلك توزيعه العطاء بالتساوي
بين المقاتلين.
فلما آلت الخلافة إلى عمر اتخذ اجراءات مغايرة لصالح التيار الإسلامي
الذي تزعمه علي لإحداث نوع من التوازن بين القوى، كما يحتفظ بالوضع
المتفوق للارستقراطية الثيوقراطية الجديدة _التي ينتمي اليها _ ويكبح
جماح الارستقراطية البرجو إقطاعية القديمة التي أخذت تتطلع للتنافس على
الصدارة.
من أجل ذلك وزع عمر العطاء وفقا لمعيار مغاير لمعيار أبي بكر، فوزعه
على أساس السابقة في الإسلام والبلاء في نصرته، فحاز أصحاب التيار
الاسلامي لذلك نصيب الأسد، بينما وضع "مسلمة الفتح" ومن على شاكلتهم في
ذيل قوائم الديون.
وكان إجراؤه بعدم توزيع الأرض على الفاتحين _وتركها في يد اصحابها بحيث
يدفعون عليها الخراج للدولة _ يعني بطريق غير مباشر التمكين لسلطة
الخلافة والطبقة التي احتكرتها؛ فقد استهدف عمر من اجرائه هدفين،
الأول: دعم نفوذ الطبقة الحاكمة بإكسابها "جماهيرية" بين المسلمين
الجدد، وربط ولائهم لها بمصالحهم المباشرة لموازنة "جماهيرية" علي بن
أبي طالب وتياره والأمر الثاني: محاولة ترسيخ أصول الطابع الثيوقراطي
للحكومة، بعد أن أبدت عناصر من الطبقة التي تنتمي إليها جنوحا نحو
"الدنيوية".
كانت الزراعة اذن تشكل أساس الانتاج الأول، وحجر الزاوية في الاقتصاد
الاسلامي، أما التجارة فقد مارست دورا هامشيا برغم اتساع رقعة
الامبراطورية، وكانت كثرة الحروب ضمن أسباب عرقلة النشاط التجاري في
ذلك الحين. ومع ذلك استطاعت الارستقراطية القديمة، بفضل خبرتها
السابقة، وبسبب تضييق عمر على نشاطها الاقتصادي في الحجاز أن تقوم بدور
تجاري هام في الولايات. وإذا لم يكن بوسع الخلافة اتخاذ اجراءات حظر
على نشاطها في هذا الصدد؛ اكتفت بفرض الرسوم المعروفة بالعشور على
الصادرات والواردات. وبذلك احتكرت هذه الطبقة (إلى جانب افراد من أهل
دار الحرب وأهل الذمة _ النشاط التجاري في هذا العصر. فلم تنافسها
الارستقراطية الثيوقراطية _ربما لأسباب دينية إلى جانب حظر عمر _ في
هذا الميدان واكتفت الاغلبية من تيار علي الاسلامي بمداخيلها من العطاء
والمغانم؛ وسيكون لذلك تأثيره الخطير على طبيعة نشأة البورجوازية
الاسلامية؛ حيث ارتبطت بقوى اعتنقت الاسلام قسرا، أو قوى ظلت على
عقائدها القديمة متعاونة مع قوى أجنبية، ومقتصرة في نشاطها على دور
الوساطة التجارية، مما جعلها بورجوازية "جنينية هجينية هزيلة" لم تلبث
أن تحولت إلى اقطاعية فيما بعد، حين استحوذت على النفوذ في خلافة عثمان
والسلطة منذ حكم معاوية.
ويبدو أن عمرا أدرك في أيامه الأخيرة ما ترتب على سياسته من مخاطر تهدد
حركة التطور الإسلامي؛ فتمنى لو أنه استقبل من أمره ما استدبر وعدل عن
الكثير من اجراءاته. ويبدو كذلك أنه كان يعني العودة لاتباع سياسة من
شأنها استئصال شافة الأرستقراطيتين القديمة والمستحدثة تماما، وفتح
المجال لتنامي التيار الاسلامي الحقيقي الذي يمثله علي بن أبي طالب
وشيعته باعتباره "الرجل الذي خبر سنة الرسول خبرة تامة، فكان الضمانة
الكبرى لبقائها على قيد الوجود".
على كل حال افرز الواقع معطياته؛ فآلت الخلافة إلى عثمان وحرم علي
منها، وتفجر الصراع الطبقي بين التيار الاسلامي والأرستقراطي الرجعي
ليفوز الأخير وتنتكس مسيرة التطور.
كانت سياسة عثمان ازاء المسألة الزراعية هي حجر الزاوية في الأحداث
التي ادت إلى الثورة عليه، تلك الثورة التي ظهر فيها الصراع الطبقي
واضحا. فلم تكن "حربا أهلية" كما ذهب بعض المستشرقين، أو "فتنة كبرى"
كما صورها بعض الدارسين العرب.
تبلور الصراع من ثم حول تيارين أساسيين: "العثمانية" وشيعة علي. وقد
اكتسب التيار الأخير "جماهيرية" وثورية بفعل انضمام صغار الملاك
والمزارعين إليه، بعد تحويل أراضيهم إلى اقطاعات حازتها "الارستقراطية
القديمة". وهذا يفسر لماذا انطلقت الثورة على عثمان من سواد العراق
ووادي النيل، تلك الثورة التي اتخذت طابعا اجتماعيا واضحا. |