الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد :(950) الاثنين 30 صفر 1431 هـ/15 شباط 2010

دراسات

عقائد الامامية

كتاب في حلقات

الشيخ محمد رضا المظفر

الحلقة الثانية والعشرون

عقيدتنا في الجور والظلم

من أكبر ما كان يعظمه الأئمة عليهم السلام على الانسان من الذنوب العدوان على الغير والظلم للناس ، وذلك اتباعا لما جاء في القرآن الكريم من تهويل الظلم واستنكاره ، مثل قوله تعالى : ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار). وقد جاء في كلام أمير المؤمنين عليه السلام ما يبلغ الغاية في بشاعة الظلم والتنفير منه ، كقوله وهو الصادق المصدق من كلامه في نهج البلاغة برقم 219 : ( والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت). وهذا غاية ما يمكن أن يتصوره الانسان في التعفف عن الظلم والحذر من الجور واستنكار عمله . أنه لا يظلم " نملة " في قشرة شعيرة وإن أعطي الأقاليم السبعة.

فكيف حال من يلغ في دماء المسلمين وينهب أموال الناس ويستهين في أعراضهم وكراماتهم ؟ كيف يكون قياسه إلى فعل أمير المؤمنين ؟ وكيف تكون منزلته من فقهه صلوات الله عليه ؟ إن هذا هو الأدب الإلهي الرفيع الذي يتطلبه الدين من البشر .

 نعم ! إن الظلم من أعظم ما حرم الله تعالى ، فلذا أخذ من أحاديث آل البيت وأدعيتهم المقام الأول في ذمة وتنفير أتباعهم عنه . وهذه سياستهم عليهم السلام ، وعليها سلوكهم حتى مع من يعتدى عليهم ويجترئ على مقامهم .

وقصة الإمام الحسن عليه السلام معروفة في حلمه عن الشامي الذي اجترأ عليه وشتمه ، فلاطفه الإمام وعطف عليه ، حتى أشعره بسوء فعلته .

وقد قرأت آنفا في دعاء سيد الساجدين من الأدب الرفيع في العفو عن المعتدين وطلب المغفرة لهم . وهو غاية ما يبلغه السمو النفسي والانسانية الكاملة ، وإن كان الاعتداء على الظالم بمثل ما اعتدى جائزا في الشريعة وكذا الدعاء عليه جائز مباح ولكن الجواز شئ ، والعفو الذي هو من مكارم الأخلاق شئ آخر ، بل عند الأئمة أن المبالغة في الدعاء على الظالم قد تعد ظلما ، قال الصادق عليه السلام ( إن العبد ليكون مظلوما فما يزال يدعو حتى يكون ظالما ) أي حتى يكون ظالما في دعائه على الظالم بسبب كثرة تكراره .

يا سبحان الله ! أيكون الدعاء على الظالم إذا تجاوز الحد ظلما ؟ 

إذن ما حال من يبتدئ بالظلم والجور ، ويعتدي على الناس ، أو ينهش أعراضهم ، أو ينهب أموالهم أو يشي عليهم عند الظالمين ، أو يخدعهم فيورطهم في المهلكات أو ينبزهم ويؤذيهم ، أو يتجسس عليهم ؟ ما حال ؟

مثال هؤلاء في فقه آل البيت عليهم السلام ؟ إن أمثال هؤلاء أبعد الناس عن الله تعالى ، وأشدهم إثما وعقابا ، وأقبحهم أعمالا وأخلاقا

عقيدتنا في التعاون مع الظالمين

ومن عظم خطر الظلم وسوء مغبته أن نهى الله تعالى عن معاونة الظالمين والركون إليهم ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله أولياء ثم لا تنصرون). اذا هو أدب القرآن الكريم وهو أدب آل البيت عليهم السلام . وقد ورد عنهم ما يبلغ الغاية من التنفير عن الركون إلى الظالمين ، والاتصال بهم ومشاركتهم في أي عمل كان ومعاونتهم ، ولو بشق تمرة .

ولا شك أن أعظم ما مني به الإسلام والمسلمون هو التساهل مع أهل الجور ، والتغاضي عن مساوئهم ، والتعامل معهم ، فضلا عن ممالاتهم ومناصرتهم وإعانتهم على ظلمهم ، وما جر الويلات على الجامعة الإسلامية إلا ذلك الانحراف عن جدد الصواب والحق ، حتى ضعف الدين بمرور الأيام ، فتلاشت قوته . ووصل إلى ما عليه اليوم ، فعاد غريبا .

وأصبح المسلمون أو ما يسمون أنفسم بالمسلمين ، وما لهم من دون الله أولياء ثم لا ينصرون حتى على أضعف أعدائهم وأرذل المجترئين عليم ، كاليهود الأذلاء ، فضلا عن الصليبيين الأقوياء. لقد جاهد الأئمة عليهم السلام في أبعاد من يتصل بهم عن التعاون مع الظالمين ، وشددوا على أوليائهم في مسايرة أهل الظلم والجور وممالاتهم ولا يحصى ما ورد عنهم في هذا الباب ، ومن ذلك ما كتبه الإمام زين العابدين عليه السلام إلى محمد بن مسلم الزهري بعد أن حذره عن إعانة الظلمة على ظلمهم : ( أوليس بدعائهم إياك حين دعوك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم ، وجسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم ، وسلما إلى ضلالتهم ، داعيا إلى غيهم ، سالكا سبيلهم.

يدخلون بك الشك على العلماء ، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم . فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة إليهم ، فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك ، وما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك .

فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك ، وحاسبها حساب رجل مسئول . . .) . ما أعظم كلمة ( وحاسبها حساب رجل مسئول ) ، فإن الانسان حينما يغلبه هواه يستهين في أغوار مكنون سره بكرامة نفسه ، بمعنى أنه لا يجده مسئولا عن أعماله ويستحقر ما يأتي به من أفعال ، ويتخيل أنه ليس بذلك الذي يحسب له الحساب على ما يرتكبه ويقترفه إن هذا من أسرار النفس الانسانية الأمارة ، فأراد الإمام أن ينبه الزهري على هذا السر النفساني في دخيلته الكامنة ، لئلا يغلب عليه الوهم فيفرط في مسئوليته عن نفسه .

وأبلغ من ذلك في تصوير حرمة معاونة الظالمين حديث صفوان الجمال مع الإمام موسى الكاظم عليه السلام ، وقد كان من شيعته ورواة حديثه الموثقين قال - حسب رواية الكشي في رجاله بترجمة صفوان : دخلت عليه . فقال لي : يا صفوان كل شئ منك حسن جميل ، خلا شيئا واحدا قلت : جعلت فداك ! أي شئ ؟ قال : أكراك جمالك من هذا الرجل " يعني هارون " . قلت : والله ما أكريته أشرا ولا بطرا ، ولا للصيد ، ولا للهو ، ولكن أكريته لهذا الطريق " يعني طريق مكة " ولا أتولاه بنفسي ولكن أبعث معه غلماني . قال : يا صفوان أيقع كراك عليهم ؟ قلت : نعم جعلت فداك . قال : أتحب بقاهم حتى يخرج كراك ؟ قلت : نعم . قال : فمن أحب بقاهم فهو منهم ، ومن كان منهم فهو كان ورد النار . قال صفوان : فذهبت وبعت جمالي عن آخرها . فإذا كان نفس حب حياة الظالمين وبقائهم بهذه المنزلة ، فكيف بمن يستعينون به على الظلم أو يؤيدهم في الجور ، وكيف حال من يدخل في زمرتهم أو يعمل بأعمالهم أو يواكب قافلتهم أو يأتمر بأمرهم.

عقيدتنا في الوظيفة في الدولة الظالمة

إذا كان معاونة الظالمين ولو بشق تمرة بل حب بقائهم ، من أشد ما حذر عنه الأئمة عليهم السلام ، فما حال الاشتراك معهم في الحكم والدخول في وظائفهم وولاياتهم ، بل ما حال من يكون من جملة المؤسسين لدولتهم ، أو من كان من أركان سلطانهم والمنغمسين في تشييد حكمهم ( وذلك أن ولاية الجائر دروس الحق كله ، وإحياء الباطل كله ، وإظهار الظلم والجور والفساد ) كما جاء في حديث تحف العقول عن الصادق  عليه السلام . غير أنه ورد عنهم عليهم السلام جواز ولاية الجائر إذا كان فيها صيانة العدل وإقامة حدود الله ، والاحسان إلى المؤمنين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( إن لله في أبواب الظلمة من نور الله به البرهان ومكن له في البلاد ، فيدفع بهم عن أوليائه ويصلح بهم أمور المسلمين . . . أولئك هم المؤمنون حقا . أولئك منار الله في أرضه أولئك نور الله في رعيته . . . ) كما جاء في الحديث عن الإمام موسى ابن جعفر عليه السلام .

وفي هذا الباب أحاديث كثيرة توضح النهج الذي ينبغي أن يجري عليه الولاة والموظفين ، مثل ما في رسالة الصادق عليه السلام إلى عبد الله النجاشي أمير الأهواز " راجع الوسائل  كتاب البيع الباب 78.

 

 

أولو الالباب.. وقراءة كتاب الكون

 محمد حسين فضل الله

الالباب.. جمع لب، واللب هو العقل، أو ما زكي من العقل، باعتبار أنه يشبه اللب من الأشياء في مقابل القشر، واللب يمثل خلاصة الأشياء وجوهرها، باعتبار أن كل عناصر ذلك الشيء تتجمع فيه.. فقد يراد من التعبير القرآني (أولو الالباب) أن العقل يمثل خلاصة العناصر الإنسانية لديهم، بحيث تتحدد مسألة امتلاك الإنسان للعقل؛ لأن الإنسان في عمق إنسانيته وامتدادها إنما يتطور ويكبر من خلال تحريك عقله في كل ما يتوجه إليه وفي كل ما يعيشه في الحياة.

في القرآن الكريم، يحدثنا الله سبحانه وتعالى عن (ألو الالباب) من خلال حركتهم الفكرية والعملية التي تمثل التزامهم الفكري بالله سبحانه وانفتاحهم على الكون كله من أجل أن يستكشفوا أسراره وعناصره ليعرفوا الله من خلاله، ثم ينفتحون على الله بعد أن تتجمع في عقولهم معرفته، ويبتهلون إليه أن يقبلهم ويقربهم.. وهذا ما تحدث عنه سورة (آل عمران) في فصلها الأخير، وهو قوله سبحانه وتعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب)، حيث يريد الله سبحانه أن يقول إنه ينبغي على الإنسان أن ينفتح من خلال عقله على المعرفة، فلا يواجه نظام الكون باللامبالاة أو بشكل سطحي، بل يدرس القوانين التي تحكم هذا الكون، لأنه سبحانه وتعالى عندما خلق الكون، جعل فيه نظاما دقيقا لا يمكن أن يخترقه أي انحراف، وقد قال تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) [القمر/49]، وقال: (قد جعل الله لكل شيء قدرا) [الطلاق/3]، وقال: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) [الملك/3]، فقد جعل الله سبحانه وتعالى النظام الكوني على أساس قوانين دقيقة لا يمكن أن تنفصم أو أن تختلف حتى لو مرت عليها ملايين السنين، كما أنه سبحانه وتعالى خلق في حياة الإنسان سننا تاريخية، بحيث تحكم حركة الإنسان على مستوى المنهج العام لكل تطوراته وانحداره، وانتصاراته أو هزائمة، بحيث يختلف الناس في المفردات، ولكن لا يختلفون في المنهج، قال تعالى: (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا). [الأحزاب/62].

لذلك، فإن الله سبحانه وتعالى يريد للإنسان أن يحرك عقله ليقرأ في كتاب الكون ويلاحظ أنظمته وأسراره، وقد أكد سبحانه على هذه المسألة فيما يمكن أن يدركه الناس من الظواهر الكونية في ما يعيشونه في حياتهم، بما يتطلعون إليه أو بما يتقلبون فيه، وذلك يقوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب). فعلى الإنسان، عندما يدرس السماوات، أن يبقى عملية بحث دائم عن طبيعة هذه المسوات من خلال تطوره الثقافي، وعندما أخذ الإنسان بأسباب ذلك، لاحظنا أن النظريات قد تنوعت في تفسير الظواهر واكتشافها، حتى وصلت إلى الإنسان المعاصر الذي بدأ يكتشف بعض الكواكب ويحاول أن يستكمل اكتشافه للأرض في كل جوانبها وكل مواقعها وما تختزنه من قوانين قد تنتج الزلازل والبراكين والفيضانات والعواصف، وقد تنتج البحار والأنهار والجبال..

ولذلك استطاع الإنسان بعقله المتحرك الذي يبدأ بالخيال العلمي على أساس احتمال وجود شيء ما من خلال ما تطلع إليه، ثم بالبحث عنه، يلتقي بشيء جديد وقد لا يلتقي، ولكن العقل يبقى في حالة مستنفرة تدفع الإنسان إلى البحث، وإذا لم يصل إلى نتيجة، فإنه يدفعه إلى تطوير الوسائل وتطوير حركة العلم من خلال دراسة العم الذي وصل إليه من سبقه..

الليل والنهار والتنوع الزمني:

ثم يتعرض الله سبحانه لمفردة ثانية يوجه العقل للتفكر في مظاهرها وأسرارها، وهي اختلاف الليل والنهار، وذلك قوله؛ (.. واختلاف الليل والنهار)؛ فنحن نعيش الليل لنسكن فيه، ونعيش النهار لنعمل فيه، ولكننا نلاحظ عند تنوع الفصول أن الليل ينقص تارة ليزيد النهار، وأنه يزيد تارة أخرى لينقص النهار، ويتساويان في بعض الأوقات، فكيف ذلك؟ ولماذا هذا التنوع؟ وكيف بقي هذا النظام يحكم الكون كله مع اختلاف الأوضاع المناخية؟ فهل يكون ذلك صدفة؟ وهل كان هذا كما يقول البعض كإنسان يأخذ محبرة ويلقيها على الحائظ، فتخرج لوحة مبدعة؟.. والفارق أن هذه اللوحة لا تتكرر، في الوقت الذي يمثل فيه الليل والنهار اللوحة الزمنية التي تظل تنتج الزمن، ولكنها تبقى في خط واحد. والقرآن الكريم عندما يركز على هذه المفردات، فإنما يركز على النموذج، في حين أن كل ما في الكون هو آية تدل على الله، وعلى الإنسان أن يكتشفها بالدرس والتأمل والتجربة.

العلم لا يصادم الإيمان:

ولابد هنا أن نشير إلى حقيقة، وهي أن بعض الناس يتوهمون أن العلم ضد الإيمان، وأن الإنسان كلما ازداد علما كلما قل إيمانه، وكلما كان جاهلا كلما زاد إيمانه. ولكن الله سبحانه وتعالى يعرف من خلال عظمة الأسرار الكامنة في خلقه، والتي تقول بمنطق العلم أنه لابد لهذا الكون من إله حكيم قادر عليم مهيمن على الأمر كله، وكما قال الشاعر:

فوا عجبا كيف يعصى الإله

أم كيف يجحده الجاحد

وفي كل شيء له آية

تدل على أنه واحد

من هم أولو الألباب؟

إن أولي الألباب هم الذين تشرق قلوبهم وععقولهم بنور الله في حقيقة المحبة لله وللناس، وتتحرك الحياة وتشرق من خلال الخط المستقيم الذي يبدأ من الله وينتهي إليه، ولذلك فعندما يأخذون علم الكون وينفتحون على بعض أسراره، فإنهم يخضعون ويخشعون لخالق الكون، وبأنه وحده هو الوجود الاصل، وأن كل ما عدا الله بمثابة الصدى أو الظل لوجوده، ولذلك فإنهم أولي الألباب ينطلقون في عبادة الله سبحانه في البتهال وذكر، لأن قلوبهم امتلأت عقلا وعاطفة بحب الله.

كما حدثنا سبحانه عن علاقة المحبة لدى المؤمنين في الفرق بين الناس وبين الله، فقال في كتابه: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله)[البقرة/ 165]، فالمؤمنون لا يحبون أحدا كما يحبون الله، ولا يتقربون من حب أحد كما يقتربون من حب الله، بل إن حبهم للناس يكون من خلال حبهم لله، كما قال الإمام محمد الباقر (ع): ((من كان وليا لله فهو لنا ولي، ومن كان عدوا لله فهو لنا عدو))، حتى إن الله سبحانه وتعالى أراد للنبي (ص) أن يخاطب المؤمنين: (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم)[آل عمران/ 31]. فعندما تريدون أن يكون الحب بينكم وبين الله من جانبين، فإن حبكم لله الذي ينطلق من الإحساس بعظمته، يتمثل في الخطا الذي يريد سبحانه وتعالى لكم أن تتبعوه، وهو خط الرسالة، وهو الذي نستحق حب الله من خلاله. إذا (ألو الألباب) هم الذين استطاعوا أن يكتشفوا عظمة الله سبحانه من خلال خلقه، هم الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، وهم الذين يعيشون الحضور لله بحيث لا يرون شيئا إلا ويرون الله معه، كما ورد عن أمير المؤمنين علي (ع) قوله: ((ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله خلفه))، يعني أنه عندما يتطلع إلى الناس وإلى ما حوله، فإنه يرى أن كل هذا الوجود من الله سبحانه وتعالى ومن مظاهر عظمة الله، لأنه هو الذي خلق وسوى.

من التفكر إلى المسؤولية:

في هذه الفقرات من سورة آل عمران، يبين القرآن الكريم النتائج التي حصلت لأولي الألباب من خلال حركة التفكر في كتاب الكون وانعكاساتها على علاقتهم مع الله سبحانه. قال تعالى: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك) [آل عمران/191]، فهم يتفكرون في خلق السموات والأرض، فيرون الجدية والعمق والحكمة والهدف الذي لا بد أن ينتهي إليه الإنسان في الحياة: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا) [المؤمنون/ 115]، لأن هناك حكمة في خلق ذلك كله.. فبعد أن تأملوا وفكروا، أدركوا عظمة الله سبحانه فخضعوا له، وتحدثوا معه حديث الفكر (ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك)، فكلمة (سبحانك) تعبر عن التعظيم والتنزية لله سبحانه، فكلما قربنا إليك. يا رب. وآمنا بك يا رب وعظمناك يا رب وعبدناك يا رب فإن كل ما نريده.. (فقنا عذاب النار). ومن هنا نعرف أن المسألة العقلية التي تنفتح على الجانب العقائدي ترتبط بقضية المسؤولية في إظهار العبودية لله سبحانه الالتزام بأوامره ونواهيه، حتى يقينا الله النار ويدخلنا الجنة.

وهكذا يبدأ (أولو الألباب) بالحديث وهم يناجون الله سبحانه عن أولئك الذين أنكروا الله وجحدوه، فاستحقوا الخزي، فأدخلهم الله النار، وفي ذلك قمة الخزي للإنسان، وفوق ذلك، فإنه يعيش تحت تأثير سخط الله عليه، ويصور القرآن الكريم تلك الحالة بقوله: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار) وكيف يكون للذين ظلموا أنفسهم بالشرك والكفر والبغي، فأوقعوها في الخزي والعذاب السقوط الروحي وهلاك المصير.. كيف يكون لهم أنصار؟ والله هو الذي يعذبهم وهو الذي يطردهم من رحمته.. فإذا كان الإنسان مطرودا من رحمة الله، فمن ذا الذي يؤمنه من الله؟.. ((يا من يكفي من كل شيء، ولا يكفي منه شيء)).

ثم يحاول ألو الألباب التعبير عن مسألة الالتزام بخط الإيمان، وما هي الظروف، ومن هم الذين دفعوا بهم إلى الإيمان في كل تفاصيله.. (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا) وذلك كناية عن النبي (ص) ومن سار في خط رسالته، ومن دعا إليها، ومن استجاب له وآمن بالرسول والرسالة من خلال إيمانه بالله، لأن هؤلاء فكروا بعقولهم ولم يحركوا غرائزهم التي تقودهم إلى الجمود على ما ورثوه من الأجداد، أو ما تأثروا به من العادات والتقاليد، ويتعاظم إيمانهم في توسل المؤمن إلى ربه في عودته إليه بعد أن أبعدته الذنوب عنه، فيبدأ بالاستغفار والتوبة..

ولذا نحن نقف بين يدي الله سبحانه وتعالى كمؤمنين، يلتزمون الإيمان ويتحركون في خطه، فإذا كنا قد أخطأنا يا رب، لأن النفس أمارة بالسوء، فإنك يا رب وعدتنا بالمغفرة.. (ربنا فاغفرلنا ذنوبنا وكفرعنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار)، اجعلنا خالصين لك، وفي خط الأبرار الذين عبدوك وأخلصوا لك، وأن ننال ما وعدت به عبادك الصالحين عندما تأتي آجلنا ونرجع إليك.. (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) من رضوانك، ومن الجنة التي وعدت بها المؤمنين، (ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد)، وقد وعدت الذين آمنوا وتابوا وعملوا الصالحات أن تقربهم إليك وتظللهم برحمتك ولطفك.. وكانت النتيجة أن شعروا بالسعادة عندما استجاب الله لهم. كما ذكرت الآية الكريمة: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى) [آل عمران/ 92-95]، فكل من عمل خالصا لله، سواء كان ذكرا أو أنثى، مهما كانت نوعية العمل وطبيعته، فإن الله يعطي لكل ثوابه بعضكم من بعض في كل هذا الوجود وما يرتبط به الناس بعضهم ببعض.

ويختم الله سبحانه وتعالى هذا الفصل بالحديث عن الذين تحملوا المعاناة والمأساة في إيمانهم وفي جهادهم، فقال: (فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب)، وهم الذين هاجروا من ديارهم تحت ضغط الكفر، لأنهم قالوا ربنا الله وتحملوا الأذى في سبيل الله وجاهدوا في حرب الحق ضد الباطل وقاتلوا واستشهدوا.. لا قيمة للعمم بلا عمل.

 

 

أهــداف الـتربيـة فـي الإســـلام

أسرة البلاغ

للتربية الإسلامية أهداف وغايات أساسية تستهدف تحقيقها والوصول بالإنسان إلى مستواها.

وهذه الأهداف هي القاعدة الأساسية في بناء الفرد والمجتمع والحضارة والدولة الإسلامية.. لذلك كان واجباً على الأب والمربّي والمدرسة والدولة والمصلح الاجتماعي أن يراعي تحقيقها، ويعمل على تركيزها.. وهذه الأهداف باختصار مركّز هي:

1- تعريف الإ نسان بنفسه وعالمه، ليعرف قدره وقيمته الإنسانية، ويعرف العالم الذي يحيط به، والمجتمع الذي يعيش فيه، وليعرف حقوقه وواجباته وغاية وجوده، وعلاقته بهذا العالم وبالحياة.

2- تعريف الإنسان بربّه تعريفاً يقوم على أساس الوعي والفهم السليم، لإثارة العلاقة السليمة بين الإنسان وخالقه، ولتكوين فهم إيماني أصيل يساهم في بناء شخصية الفرد وإثارة تصوّر سليم للحياة الدنيا والآخرة.

3- تربية مشاعر الحبّ والانسجام مع العالم والمحيط الإنساني، وتقوية الشعور بالرابطة الإنسانية التي تربط بين بني الإنسان بعضهم ببعض، عن طريق تنمية الحسّ الجمالي، وتقوية الاحساس بمفهوم الخير والشر لتكوين موقف إنساني مؤثر من هاتين القيمتين، وإمداد الفرد بوعي يجعله قادراً على التصرّف الإ يجابي إزاءهما.

4- إيجاد تفكير إسلامي منظم يوصله إلى الالتزام المنهجي في كلّ تفكير وعمل.

5- إعداد شخصية إنسانية متوازنة تتفاعل في إطارها كلّ عناصر الإنسان المادّية والفكريّة والرّوحية على أساس من الوحدة والانسجام.

6- تنمية وتوجيه طاقات الإنسان المختلفة، تمهيداً لتوظيفها في مجال الخير والبناء، واستثمارها لصالح الإ نسانية.

7- غرس الروح والتفكير العلمي في نفس الإنسان، وزرع حبّ العلم والشوق إلى تحصيل المعرفة، وتزويد الطفل والناشئ والشاب بالعلوم والمعارف، والمهارات، والخبرات اللازمة.

8- إعداد الفرد للعيش في ظلال الحياة الإسلامية، والمساهمة في بناء هيكل المجتمع والحياة.

9- الحفاظ على تراث الاُمة الإسلامية، وماضيها المجيد بدراسة تاريخ الأمّة، والتعريف بأمجادها وحضارتها، ودورها التاريخي بشكل نزيه وخال من التعصب والدس والتشويه الذي تعرّض له التاريخ، لنكشف لأجيالنا عن وجه التاريخ الناصع، وليكتشف الطالب العبرة والقدوة في هذا التاريخ العظيم.

10- تنمية الرّوح القياديّة في الأطفال والناشئة والشباب، وتأكيد دور الأمّة الإسلامية الرسالي، وتوضيح مسؤوليتها الحضارية الكبرى في الحياة وتحسيسهم بمسؤوليتهم الإنسانية لانقاذ البشرية وهدايتها إلى سبيل الخير والسلام، لتنشأ فيهم روح الاستقلال والأصالة العقائدية، وينمو في نفوسهم النزوع إلى قيادة البشرية، ودعوتها إلى رسالة الحقّ.

11- تنمية روح الأخوّة الإسلامية، وتأكيد الإخلاص للعقيدة والأمّة والوطن الإسلامي الكبير.

هذه هي أهم الأهداف الرسالية والعلمية للتربية الإسلامية التي تتشاطر الجهات والمؤسسات التربوية تحقيقها كلّ حسب مسؤوليته واستطاعته.

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق