الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد :(951) الثلاثاء 2 ربيع الاول 1431 هـ/16 شباط 2010

الثقافية

الهذيان الشعري..فن لغوي عاقل

 خليل مزهر الغالبي

لا أستطيع أن أمنع نفسي من تحويل الحياة الي شعر   هكذا نسمي مرادنا في الخروج عن المتداول المملول في رؤي الشعر الحديث، ودخولنا في صميم أشكالية كيفية التلقي وفي بدئها الكائن في هذيانية الهجس المعلن عن شروع المخيلة بطرادها الشعري، ووضع اللبنات الاولي لنص القصيدة، لما للحوارين الخاصين هنا من استبداد وخنق للروح التواقة والمنطلقة شعرياً، هؤلاء الاتين بشهيق غير ملم بأكوسجينية العافية الشعرية وكينونتها، وغياب صريح القول العلمي في الادب عموماً وفي خاصته الشعرية، كونه شهيق غير مدرك ولم يكن ذكي التصرف ازاء قدسية الهذيان المصاحب للولادة، وكما نسميها الهجس من اجل البلورية الشعرية وهي نواة الشعر، هذا وقد اشار الكثير بعالي التفكير وقد راح البعض المثقف الي اطلاق صوتاً مسموع في هذا، واخص منهم الشاعر والاديب العراقي-خزعل الماجدي-وكما هو في وسعية مؤلفه-العقل الشعري.

لابد الكف هنا عن تنضيد المكعبات المرئية والكائنة امامنا لبساطتها، والعبور الي المنطقة ذات المكعبات المفروزة تواً والغرائبية الملمة بجديدها الجمالي، وبالتالي لابد هنا من رؤية اللامرأي والمخفي الوجود، وقرائته بنظارات شعرية لامكبرة او مجهرية فحسب بل بنظارات سحرية تجيد فهم وقراءة الماهية الشعرية واسبابها الانسانية الخفية للحراك ورغبتها في الخروج والانطلاق قولاً وكتابة.

هي نظارات يرتديها العقل الذائقي والنقدي عموما، لفرز باقي الضباب وازالته عن هذه المعادلة الصعبة من قضية الشعر في زمنه الحديث، و من اجل قراءة مجهول الموجود الهجسي، ، هذا الأمر الاارادي والميتاارادي كذلك، كماهو في حراكه الميتاحسي والميتا وجودي ، والذي يرغم البيالوجيا الشعرية لدي الشاعر والشاعر المتلقي كذلك، في تنشيط مفاصلها للأمتثال لتلك الاكوام الملمومة والمرابطة عند خزينة الشاعر اليومية، والتي اشار اليها الشاعر-بول فاليري-(إنها ألوف القضايا التي تمر في قوقعة العقل، انها بذور السأم، بعوض الخيال، ذارات الارادة الوانية والشك والوسواس التي تعذب كل دقيقة من اليوم)، لينطق الشاعر هنا قولته الشعرية العالية (الشأن)، الملزمة لصفاء توفير وتوظيف الكل العقلي للشعر للامتثال وأول(كله) هو الاذكائية العقلية الشعرية والقابعة في الذهنية والتي بدورها تدفع المخيلة وتحيلها الي الزمن الطوارئي، كما تقوم بتفعيل الذاكرة الخاصة والملمة بالجانب الشعري ، وهي من مناطق العقل الشعري العام الذي اشار اليه-خزعل الماجدي-تلك الاشارة المولدة لمصطلح-العقل الشعري- علي الساحة الفكرية للادب. هنا يقال...كيف يتم او ماهو العمل في هذه اللحظة الشعرية المرتبكة، وهي لحظة الولادة لوضع حجر اساس النص المقدس والاتي بعد التنظيم الشعري للنص، كأذكائية تعبيرية للغة او التصويرية وانتقائية المفردة وما يريده ذلك الشاعر المولد والمتماهي في صومعته.

هنا ورغم حالة المخيلة والذهنية الشعرية في وقتها الطوارئي والذي تحيطه الكثير من المتاهات والدروب المجهولة الصعبة في اللغة نتيجة الارتباك، اودوامة ما يمكن تسميتها بالفرح المرتبك من لزوميته لأتيان وقول المفروض علي العقل الحسي من الدواخل المتسلطة من لحظتها هذه وبواسطة هذه اللحظة الولادية المشبعة بالهيجان والحدس والميتاليات واولها الميتاعقلية.

لقد ولد الشاعر-ارثر رامبو-كثيره الشعري وهو لم يميز بعد بين الواقع والهلوسة، لكن بقت الحقيقة الشعرية بائنة في الموقعين او المنطقتين والحيزين، كما تؤكده انزياحيته المبدعة ليس في انزياحيته اللغوية الشعرية بل في المطلق الشعري وروحة المتطايرة علي جنبي النص، بالرغم من رواحه البائن في قصيدة-فصل في الحجيم-حيث استبدال بعض المقاطع الشعرية بكلمات مميزة، وهذا من نادر الرواح لهذا الشاعر الذي ينهي بناء نصه عند بدءه الهجسي دائماً، لما له من تنشيط للمخيلة والذهن ونزوحه للكشف عما ينثال عليه من داخله الامر، ومن راغبته الشعرية كخصوصية له بذلك، ويمكننا القول-ان العملية الشعرية وكتابتها تبقي عند بعض الشعراء والافذاذ منهم كذلك كتابة تلقائية لاتمر بعمليات ومرورات تنظيمية، كون التنظيم الهيكلي والبنائي التجميلي، قانون لا يلزم جميع الشعراء.

قد تلم لحظة البلاهة ومن شكلها الطلمسي بذهن الشاعر رغم توثبه واستعداه المشرع...لكون اللحظة المولدة لا تاتي الا من افقها المشاع ووسعيتها الكبيرة والضيقة في منطقة القول كبوح اولي عند دائرة التعبير الفني المبدع كذلك، نتيجة هول الكلام المتأتي من هذه اللحظة الطوارئية والمحيطة بالولادات دوما، حتي نضوج الكل العقلي الشعري واحضار ادواته الجمالية وبجميع ااناقتها التي تلبي اساسية النص الشعري الحديث في الغرائبية المدهشة جماليا.

لابد هنا من فهم(الدجل)الولادي كونه دجل طيب الشاعرية والروح، وما علينا الافهمه وعدم اقامة الحد علية وتعيره شعرياً بالمألوف والمتداول كأعراف لعشيرة الشعر وقبائله، بل انتظار مخاضاته ليأتينا بعدها بصريحه الكتابي الاخير، كون البدء الشعري هو لحظة(شيطانية)فنية لم تتقولب بالسرد الطبيعي، بل تمور في عوائها المصاحب لألم الولادة هذه، وهذا ما يجعل منها وحدانية المخاض وهذا من لزومياتها الضرورية للابداع، وقد تكون هذه الوحدانية لصيقة ازدحامات في مقهي او سير في شارع، ولاجل السير بهذه الوحدانية لابد من اقناع الهيولي الوسعي عند الافق المغلق وفتحه بهدوء ملازم للصراخ كاجراء لاقناع وتوطين قدسية الشعر وعدم جرح هذه القدسية لانها الموضع الاخطر والاحذرالمميت للشاعر لاهميتا الوجودية اليه، وكما وصفها الفيلسوف النبي-سقراط (قوة تشد الفنان الي الألهي) لكون الشاعر هو الوسيط الاجدر مع الالهة، وفيها تلم عليه لتصنعه اميرا ًللزمن الكوني الذي يملك الامر والنهي في ما يراه لاجل ضرورة الهجس الشعري والتوالي البناء للنص، هذه المقدسات كما اسميناها، قد تاتي له بدون موعد او خبرية او مناسبة، لذا يروح احيانا في نقش مقدسه هذا علي ورقة هالكة من جيبه الحزين او علي ورقة باكيت سجائر طائر هو الاخر مع الشاعر في هذه اللحظة، هذه اللحظة لم يستطيع الشاعر الذهاب اليها، لأنها لم تستقبله بروح شعرية، وعلي الشاعر الحقيقي الابتعاد وعدم التفكير في هذا الرواح لانه لم يلاقي الترحيب الشعري والذي هو العامل الوحيد في الاتيان الابداعي للشعر، بل اللحظة الولادية للشعر هي من تطرق بابك بصياح شفيف وعنيف وبديمقراطية دكتاتورية، ومن هذان الشائكان لابد للشاعر ان يحلق ببالوناته المنظفة والخالقة للانصات والتمعن وشحذ هممه الشعرية.

لذا يصيب-رينيه ويليك- بتكذيب نبي القصيدة النثرية القاص-ادغا الان بو-حينما وصف الاخير تأليفه لقصيدة-الغراب (بدقة كتابتها وانضباطه الشعري في اتيانها) ، وهنا خطأ-رينه ويليك-كذلك، لان ما راح اليه-بو-لربما يعني تنظيميته النصية وليس إنضباطه اللحظوي المنظم للولادتها، وهنا لابد من الأيمان بكونية بقاء القصيدة محمولة داخل مرجل الشاعر منتظر طبخها طبخاً لذيذ لتلائم المتلقي.

وهو كاتبها الاخر حسب المعني-الرونال بارتي- وكما قاله الشاعر-بوفاري- حول تناول ذلك الناقد المتناول قصيدته(انه جيد بالنسبة لشارحه فحسب، وقد يكون هذا الشرح أجمل مما قصد هو نفسه)- هنا ومن خلال مرورنا لتوعية وعقلنة النص، لابد أن لا نقطع العلاقة بالوحي والهجس الشعري، بل علينا الانصات اليه ونريه الاليات الملبية والناقلة  للنص المكتوب بلا ازعاج له، و علي الشاعر ان يتربص بالكلمات لتفعيها للقول والقول التصويري في هذه المناطقية الشعرية المرحلية كزمن شعري متوسطي او بيني بين الهجس والهذيان وتعقل كتابته، وهذا من خصوية الشاعر كاداة تعبيرية معتمدة في تجربته، لذا لابد له من ركيزة دقيقة للفحص اللغوي في انتقائيته للكلمات القليلة والمليئة بالشعر الكثير والتخيل لرسم الصورة الصغيرة، حيث التكثيفية من خلال الايحائية والوجدانية وخلق الفراغ المليء بالكثافة الشعرية العالية، والقريب من الهمس الصوتي الخفيف والعالي في نبرته الشاعرية، بالتالي علي الشاعر هنا اسماع صمته للمتلقي بوضوح وفهم عالي الذائقة.

ان احضار الشاعر لنادره الاداتي ً، وفي شعريتة الصوتية والصوتية الموسيقية، ويسمعنا قول الصوت ويرينا مفرداته ً، كما هو الشاعر التشكيلي كذلك، والذي وصفه فيثاغورس اليوناني بأنه هندسة صورية نافعة في أنية شعرها.

هنا لابد من حضور الشاعر الناقد وهو الشاعر الذكي بالهامه ومعرفيته والملم بالحداثوية الملزمة وضروراتها في الانزياحية اللغوية والانزياحية الفكرية، كما يفهم نظام الفوضوية الشعرية كابداع يأتي هنا وهناك زمنيا ً، حيث يعمل هنا في المنطقة الدقيقة وهي المنطقة الخصبة لمواءمة التأمل.

وهوالشرط الروحي للشعر مع الشرط المنظم والكتاب له، وهنا ادركنا كيف تكون حياتية الشعر الدقيقة كما عبر عن تداخلاتها والتمدد في النص، الشاعر الفرنسي المعاصر-هنري ميتشونيك- (لا استطيع ان امنع نفسي ن تحول نفسي من تحويل الحياة الي شعر) والكثير من الشعراء الذين يمارسون الشعر حياتيا ً وليس كتابة فحسب.

 

 

قصة قصيرة

وراثة الخطايا

نعمان عبد القادر

الربيعُ لفظَ أنفاسَهُ الأخيرةَ ورحل عن الدنيا ومن فيها قبل أسابيع قليلة، ونفحاتُ الصيفِ منتشرةٌ في كلِّ فجاج الأرض وجبالها. ولبث الرجل يحرّك رجليه  ويحث دابته ممسكًا بزمامها شاعرًا أن الدنيا تلاحقه.. أنفاسه اختلطت بأنفاس البهيمة التي يركبها ونبضات قلبه تسارع وتيرتها كلّما تذكر كلمات الرجل  الأخيرة. تلثَّم بكوفيتهِ وأخفى وجهه، كمنْ يخافُ من عيونٍ بشريةٍ كثيرةٍ تراقبه حيثما توجّه وتخترق كل مكان يمرّ فيه فأراد تضليلها. ظلَّ يتجنّب الطرقات  المألوفة والأماكن المأهولة حتّى أحسّ أنه في مأمن من أي خطرٍ طارئٍ يفاجئه به وحشٌ بشريٍّ شرسٌ. نظر حوله فوجد نفسه وسط حقل منبسط يتوسطه  كرم عنبٍ كبيرٌ يبدو أن أصحابه قد رووا خضرواتهم المزروعة في أطرافه بماءٍ لم يجف بعد فأدرك أن الماء الذي صار ينشده متوفرٌ في مكان قريب  وأنهم غادروا المكان قبل سويعاتٍ. همس في أذن راحلته فتوقفت.. ترجّل والعطش الشديد يكاد يفتق حلقه ويجتاح جسد دابته التي أعياها السير.  تحسس المكان فوجد بئر ماء رواها منها وأطفأ ظمأه فرتق حلقه ثم توضأ وصلى العصر وتوجه إلى ربه بقلب خاشع وعين دامعة ونفس تائبة قائلا: ربي  أنت أعلم بحالي ماذا جنيت حتى أعاقب بذنوب غيري.. ربي إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي.. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات. اللهم  ألهمني الصبر وجنبني الشر وجنب شر أهل الشر عني..

حلّ المساء. صوتُ أذانٍ ضعيفٌ تأتي به نسمات خجلةً من خلف تلك التّلة؛ فاستبشر بعضه وأحسّ بالأنس إلا أن عواء الثعالب ذكّره بوحشة غريبةٍ في مكان بعيدٍ لم يكن هو نفسه راضيًا عنها لولا تهوّر أخويه وطيشهما الزائد. لكن تُرى أين هما الآن وماذا حلّ بهما؟ لن أعود للقرية.. كيف يمكن أن أنظر في وجه كبارها؟ تحسس خنجره بأصابعه ثم نهض يستكشف المكان لعله يجد شيئًا يُسْكِتُ به جوعه، ولمّا لم يجد شيئًا اضطر لتناول الحصرم وأوراق العنب وأوراق الملوخية الخضراء. عَقَلَ دابته في جذع دالية ثم افترش الأرض متخذًا من يديه وسادةً وراح يفكّر في قضاء ليالٍ في العراءِ وأيام في الغربة. سيعيشُ صعلوكًا بعد أن كان وجهًا، ومطاردًا بعد أن كان عنوانًا للنصائح والمشورة. تذكّر البيت وراحتْ مخيلته ترسم صورًا كثيرةً ومن جميع الجوانب للنار المشتعلة فيه والدخان المتصاعد منه والناس يهللون وقد أفشوا غليلهم قبل أن يأخذوا حقهم منه. ليرات الذهب ومجوهراته التي ادخرها ودفنها قبل عامٍ في زاوية من زوايا البيت قد تكون في مأمن من النار وأيدي العابثين ولا يمكن أن يعثر عليها أحد. لكن كيف ينبغي الحصول عليها؟! ليس من سبيل للوصول إليها إلا في ساعات الليل المتأخرة بعد أن ينام الناس في مخادعهم. ولكن متى؟؟ متى؟؟

لم يجد الكرى سبيلا للوصول إلى عينيه.. قضى ليلته شارد الذهن يتنقل بين مشاهد كثيرة، ألوانها مختلفة، بعضها كان يشارك فيها دون أن تكون له السيطرة على صنع أحداثها فيراها تنساب أمامه انسيابًا ذاتيًا  ثم يتذمر منها لخروجها عن إرادته، والبعض الآخر كان ينظر إليها نظرة ازدراءٍ وحاول تقديم النصح لأصحابها قبل وقوعها إلا أنه لم ينجح في ذلك. ومشاهد قليلة انسجم معها انسجامًا، لكنه كان مؤقتًا لا حلاوة فيه. وكان بين الفينة والأخرى يصحو من شروده فيتذكر أنه في مكان موحش قد يداهمه فيه ضبعٌ جائع أو كلبٌ ضالٌ أو ذئبٌ مفترسٌ. أيعيش مع الوحوش في البريّة أم يرجع إلى قريته فيُقتل بِمُديةِ ذئبٍ بشريٍّ ضحيةَ ثأرٍ لا ناقة له فيه ولا بعير؟ إجراءاتُ الحيطةِ والحذر أصبحت مرهونة برؤية البشر في كل وقت. ظلّ يتحسس خنجرهُ ويقرّب من مرقده عصاهُ حتى طلع الفجر فأخذته سِنَةٌ من النوم أفاق منها على صوت راعٍ يمتطي ظهر حمارٍ يسوق غنمه في اتجاه الجبل. خَمَدَ في مكانه لا يحرك ساكنًا وتابعت عيناه سير القطيع البطيء حتى توارى عن الأنظار دون أن يلحظه الراعي فتنفس تنفس الصعداء. وقال في نفسه: " لا بد من العودة ولا مكان لي إلا القرية.. لن آكل الحصرم وأوراق العنب. آلناس يعرفونني ويكنون لي الاحترام؟ لا أظنهم يسيئون الظن فيّ بتاتًا.. ثقافة الجاهلية موروثة أبًا عن جد وينبغي محاربتها.. يا رب!! لماذا يورثوننا ذنوب غيرنا؟ ولماذا لا يُعاقَبُ المذنبُ نفسهُ.

تحرَّر من هواجس كثيرةٍ وغادر الكرم قبل أن يحضر أصحابه ثم قفل راجعًا نحو الشرق. لم يكد يصل ظاهر القرية حتى انقض عليه ملثمان عاجلاه بطعناتٍ فسقط عن راحلته وتركاه ينزف منها حتى لفظ أنفاسه الأخيرة ثم فرّا من المكان.

 

 

المتنبي (الخطاب المربوط بخطاب النص)

علاء هاشم مناف

وهو ما يتعلق بالشكل الافقي للسرد الشعري لانه الشكل الغالب على النصوص الشعرية باعتباره ينتمي الى المتشاكل المفتوح حيث اصبح السرد الشعري افقيا لانه يتمثل الشخص بتتابع الحدث . في رحيل ابي الطيب عن مصر وهذا ما جاء في شرح ابي العلاي المعري وقد اعد كل ما يحتاج اليه في رحلته وكان يظهر الرغبة في المقام حتى ليلة عيد الاضحى.

قال المتنبي قصيدته:

عيد باية حالٍ عُدْت يا عيدُ

بما مضى أَمْ الأَمرِ فيك تجدْيدُ

لقد شكل المنعطف الافقي في هذه القصيدة قدرة في الاشتراطات الابستمية وتحليل لتاريخية الحدث ، والحكائية السردية ومناهجها الشعرية وتعدد (السيميوطيقية السيكولوجية) من خلال تداخل آليات القصيدة الافقية ومداراتها الحقيقية المباشرة حيث تندرج ضمن معرفية (فتغنشتين) الذي يعتمد عليه (دو سارتو في تحديده للعرفان) المسكوت عنه ما لا يمكن النطق به لان الفضاءات في القصيدة فضاءات عائمة المنظور ومتموجة فلا تجد وقائعها في حركية الواقع المحسوس فهي تقع في تشكيل اللامنطقي( ) ويشكل المغلق من هذه الواقعة باعتباره يعتمد الخواص الدائرية حتى ولو كان مختلفا منهجيا في بعض التعارضات حيث تكون (البداية - هي نهاية الموقف) ويبدأ المتنبي بنص يتنبأ به او ما يتشكل في النهاية رغم الجهود المبذولة في نسق الحركة والبناء وما يعنيه معنى الانغلاق - والانفتاح الافقي في القصيدة لانه يتعلق بالنوعية وحيث الالتحاق بالنصية بوصفه استدعاء للقراءة ومزاولة التأويل والمناقشة والتفسير والاحتمال بتعدد الناتج الدلالي والقراءة تعني ربط كل هذه الخطابات والمعاني ربطا جديدا وتأريخيا بالنصوص وقدرة اصيلة على استئناف الانتاج وهو المعيار الذي مثل النص الافقي المفتوح وتاويلاته بوصفه آلية ملموسة وتودروف يضع مفاهيمه في تفاصيل المخالفة بان يجعل المغلق من لوازم النصوص الابداعية ويجعل الانفتاح للنقد في نصوصه لانها تعبر عن نهاية اكيدة وهذا واضح في رثاء اخت سيف الدولة. يقول المتنبي:

يا أخت خير أخٍ يا بنت خير أب

كنايةً بهما عن أشرف النسب

ولرولان بارت في تحديد مفهوم الانفتاح - والانغلاق افقيا ، يرى ان النص المغلق يساوي علاقة جنسية غير مبرمجة باعتبارها علاقة محصورة في الذات . اما يتعلق بالنص المفتوح فهو علاقة جنسية ، وهنا يشكل الفعل الجنسي حجر الزاوية في التجديد ، وهذا يقع بدوره على المتلقي في كيفية تأهيلة وفق قدرات تساعده على هضم معنى النص على نحو تصاعدي او تنازلي وفق اجراء سسيولوجي يحكم طبيعة المجتمع من الناحية السيكولوجية . فالموازنة تحدث في قرارة المتلقي ، والقدرة والموازنة في تقنيات النص حتى يستطيع استخلاص النتائج على مستوى التصريح والتأويل والى ما قصده (أمبرتو ايكو) في عملية التاهيل للمتلقي وامتداده السياقي والهامشي حتى يتمكن من استقبال تشاكيل النص بمنظومة صحيحة يعبر عن خواص الانفتاح بالتاويل لخواص المعنى . وهنا يأتي : دور المنهج التكويني لما يمكن تقديره بالثورة الكبرى في الاساليب وهي جزء من المطارحات التي عرفها التكوين الابستمي للمتنبي من خلال باطنية شيعية وبعبقرية شعرية مطارحة كانت قد رفعته الى مستوى عالم الوحي لكفاءة تؤدي الى عملية الانغلاق على الأشياء او استغلال المعنى الدفين للنصوص (المغلقة والمفتوحة) وتبقى المشاكلة في انتاجية الوعي الموضوعي بمراقبة ذاتية عقلية تنشد الطبيعة العاملة والناطقة ولهذا اصبح الاستنباط هو القدرة والانموذج في رفد حركة الاستحضار لحركية المرجعيات في الآمال العظام والآلام الجسام ، وكان الخروج عن الذاتية يعني الخروج عن اركان النص الشعري ومظهره الفكري وادواته المألوفة وروحه الوثابة وحديثه الذي يتحرك وفق خدمة العظمة الذاتية وكشف الاقنعة الزائفة والرموز الخاوية حتى وصل الى نتائج ليستريح فيها الى اليقين والى معنى يتعلق بتركيب النص الشعري . والمتنبي فرض ذات فلسفية فيثاغورية - رواقية مصهورة في بوتقة شيعية - اسماعيلية - قرمطية ، وتصرف بذات المعنى الزاهد ، ولكن بدون زهد ولا تدين ، وركب المعنى الحرفي للنص في ضرب للفلوات وحياة اللهو ، والغزل ، والحياة الجهادية رافضا الحياة النمطية ، فكان سلاحه في ذلك (الشعر - والعبقرية) وهما فرعان كبيران من طروحاته النظرية . فكانت نصوصه الشعرية محملة باللغة الصافية الصعبة والكفاءة في استخلاص المعاني والملازمة للتأويل حتى يتصل بتأويلات ليمهد لما يليه من خصائص مؤوّلة وتنظير شفاف في النص المفتوح والنص المغلق ، وان مهمة المعنى هي الاشارة الى ما يليه من معنىً ثان كما يقول (عبد القاهر الجرجاني).

يقول المتنبي:

وهبت على مقدار كفَّي زماننا

ونفسي على مقدار كفَّيك تطلُبُ

إذا لم تنط بي ضيعةً أو ولاية

فجودك يكسوني وشُغْلُك يسلبُ

وقوله فيه:

ولي عند هذا الدهر حق يلُطّه

وقد كلَّ إعتاب وطال عتابُ

ثم قال بعد ابيات:

ارى لي بقربي منك عيناً قريرةً

وإن كان قرباً بالعباد يشابُ

وهل نافعي أن تُرْفعَ الحجُب بيتنا

ودون الذي أمّلْتُ منك حجابُ

أقلُّ سلامي حبَّ ما خفَّ عنكم

واسكت كيما لا يكون جوابُ

وفي النفس حاجاتُ وفيك فطانةٌ

سكوتي بيانُ عندها وخطابُ

وما أنا بالباغي على الحبِّ رشوة

ضعيف هوىً يُبغي عليه ثوابُ

وما شئت إلا أن أدُلَّ عواذلي

على ان رأيّ في هواك صوابُ

والذي يتعلق بالمعنى في النص يمكن محاورته بانفتاح ويمكن تحويله الى مغلق عندما يغيب الحوار مع المتلقي الذي تؤهله الثقافة لكي يصبح بمستوى النص . والمتنبي في هذه الطاقة الأبستمية وضعه في موضع اشكالية الابهام في بعض النصوص الشعرية ولعل هذا الموضوع هو الذي أشكل شعريتة على أحد الاشخاص لأن يقوم بطرح سؤال موجه الى أبي تمام (لم لا تقول ما يفهم) وكان رد ابو تمام عليه هو مطالبته : (بان يرتفع بوعيه الى مستوى النص ، أو يدعوه الى تأهيل نفسه لكي يستقبل النص وان يبذل جهدا ابستميا يوازي الجهد المبذول من قبل المبدع في انتاجية النص . فقال في رده عليه - (ولم لا تفهم ما يقال).

 

 

أشرعـة

محمد اللامي

الرياح العمياء

تقود الأشرعة

أنت نساجهاّ

واقف تلوذ بالشراع

الجهات بلا أفق

تغرس الماء

مقاسات قاسية

لأقوام

هاربون من اليابسة

الأبواب

أطرق أبواب وجهي

لأمسح عرق قديم

يتساقط كالأزمنة

لم تتغير الأبواب

لأنها بانتظار

من يطرق أرقامها

البالية

الفتنة

الفتنة تنام

على قميص شفاف

لأن رائحة المقبرة

تشق صدرها

محتفلة بليل

يحلم

برائحة جديدة

جهات

جاءت الريح تسألني

عن سر ضفائرك

أوهمتها

بالبحث عنك

في كل الجهات

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق