|
قراءة في المجاميع الشعرية
عبدالزهرة لازم شباري
هم كل كاتب أو ناقد يرى في النقد منهجاً أو واسطة يستطيع به أن يلج في
أغوار الموضوع الذي يروم السفر بين خلجاته وإرهاصات مؤلفه سوى إن كان
شعراً أو قصة أو رواية أو أي موضوع آخر في المسرح أو السينما وغيرها.
أن يدخل بين جزئيات الكتاب المعني وأن يبدأ بتحليل الأشكال والصور التي
تتجلى فيه! وهنا لا بد لي من الإبحار وسط أمواج لجي بحر الجزء الأول من
المجموعات الشعرية للشاعر الفلسطيني محمد الأسعد الذي كان لي الشرف في
الإطلاع عليها والتبحر بين سطورها وصور قصائدها المبدعة التي سوف
تأخذني على ما أعتقد إلى أقاصي الأرض الجرداء لأبقى وحيداً مع الأشكال
الكونية التي يحاورها الأسعد ، ولكي لا أكون في موضع المساءلة
والإنحياد إلى جانب معين يفيض علي بشيء من الاتهام والمغالاة ، إذن لا
بد لي من رسم الإطار العام الذي تدور عليه أحداث وصور قصائد الجزء
الأول من معاناة هذا الشاعر ومجموعاته التي أنوي الدخول إليها ووضع
النقاط التي أراها أمامي كوجهات نظر قابلة للنقاش وربما الجدل ، وهكذا
هو عالم الأدب والإبداع الذي فيه يضع القارئ والكاتب في إطار الأسئلة
ووضع الإجابة عليها ، سوى كانت هذه الإجابة شافية ومقنعة أو عارمة
الجدل بعيدة عن الإقناع!
وبهذا يكون المفتاح السحري الذي يفسر ماهية الكتاب المقروء مهما كانت
مادته ، لأن في احتدام النقاش في أي موضوع لا بد من الوصول إلى بعض
الحلول التي تفسر لنا العمق الجدلي وبالتالي حل النقاط المتشابكة
والغامضة فيه ، وما يروم شاعرها وسط لجة تكوينه الثقافي وذوقه الجمالي
الذي أراه أقرب إلى تكوينه المترامي الأطراف مع القلق والشعور المبعثر
بين العزة بالنفس كعربي مسلوب الوطن ، وبين تحريك الضمير الحي الذي
يتقلد سيفه دائماً وفي كل عبارة يكتبها تنم عن الفارس العربي الغيور
والمدرك تماماً لما يدور من آلام لشعبه!
فيتجلى به الإشراق الذاتي بالانتماء إلى عروبته وإلى وطنه السليب ،
ولأن انتمائه العميق للأمة ومستواها الثقافي والحضاري يحتم عليه أن
يبقى وفياً ممتطياً صهوة جواده مجردا سيفه وقلمه ليذود بهما عما يراه
كشاعر له إحساسه المشرق المعبر الذي يدق ناقوس حربه ضد المحتلْ!!
فقصائد هذا النصف الأول من مجاميعه الشعرية تتراصف فيها دلالات الإيقاع
الحسي والشعور بالغربة والترحال من فيء إلى غيره وتذكره موطنه الأصلي
فلسطين وما الم به من محنة وتشرد ، فهو يمسرح الظلم الذي وقع على أبناء
جنسه من قبل الصهاينة اللقطاء في مجمل قصائده وومضاته التي ينحو بها
على نهج شعر الهايكو الذي يتمثل به الشعراء اليابانيون ، مشيراً إلى
روح الواقع المر الذي يعيشه شعبه ضمن تلك الأوساط التي جعلته دائم
الترحال هكذا!!
فهو يزاوج تلك السطور والكلمات القليلة في ومضته الدالة على الحدث
بإيقاعات ذات رمزية واضحة ينبعث منها عطر وجوهر العمق الدلالي الذي
يحاول الشاعر فيه فك الألغاز والصور التي قد تبدو غير مفهومة لدى
القارئ والمتتبع!
ولأنه يحاول أنسنة الحالات والرموز التي يراها في وجوه العابرين من
أبناء وطنه المشرد ويرسمها بقصائده وومضاته الرمزية وتأويلاته
الإنشطارية ليكتب تأريخ شعبه وأمته وما مر ويمر عليها خلال حقبة من زمن
الأحتلال الصهيوني الغاشم!!
ففي ومضاته القصيرة في تراكيبها والغنية في فقه معانيها وفبركة الواقع
الحياتي التي تعيش بها هذه الإرهاصات ، أستطاع أن يغني مسامع القارئ في
فك الإبهام والغموض الذي قد لا يفهمه المتتبع في دراسته لأوضاع شعبه
المضطهد ! فمثلاً قوله الذي يؤكد فيه على قوة شعبه ومقاومته الصلبة
كأشجار الخيزران التي لا تنحني للريح مهما كانت قوية فيقول:
أشجار الخيزران
تنتظر لمسات الريح
أصغ
ألا تسمع أصواتها
وقوله في تعهده وصوته الصارخ بوجه الصهاينة مذكراً إياهم بصلابة شعبه
وتعففه فهو يقول نحن كالصبار والحجارة القاسية التي لا تهمها الحياة
القاسية مهما كانت صعبة فهم ( شعبه) كالنسيم في الصباح المعطر الذي يمر
على أشجار الزيتون ! فيقول
حيث كنا
ليس سوى الصبار والحجارة
وكالنسيم العابر بين
أحراش الزيتون
ثم يذهب بعيداً مؤكداً قدرته على لم الشمل الذي قد يراه مشتتاً ليجمعه
في أناشيده التي تنطوي على حبه لوطنه وشعبه ! فيقول..
بنشوة من إكتفى
بجرعة نبيذْ
يطوي الشعر أوراقه على سطوره الثلاثة
ويؤكد أيضا قوة شعبه مرمزاً له بالحجارة المرمرية التي لا تحز بها
الأزاميل رغم قسوة الأيام لأنها دائماً تتوجه نحو العطاء وخضرة الأعشاب
وأشجار الزيتون منذ عهود مضت ولا زالت فيقول..
كم هي حية هذه الحجارة
تحززها الأزاميل
وخضرة الأعشاب
منذ عصر البرابرة
تم ينطوي متذكراً غيابه عن وطنه وأهله مخاطباً الأرض بنبرة حزن وألم
ويقول .. (( يا شجر الصبار كم مرت أزهرت في غيابنا)).
وهكذا في كل ومضات هذه المجموعة ( ظهيرة العصافير) التي لا تكاد تعبر
للقارئ عن مكنونات الشاعر المتألمة!!
وكذلك هو الحال في مجموعته الأخرى ( أفاريز النوير ) الذي يعبر بصورها
المبدعة على وجع نفسه المتعلقة بالوطن فيقول..
ليتني عبر هذا المساء
والأشجار
صورة مرسومة بخطوط بسيطة
حيث يتمنى لو يكون خطوط بسيطة في صورة معلقة على احد جدران البيوت
المهدمة في وطنه ! وهذا هو مجرد تمني قد يراه بعيدا ً لأن إزهار
النوير كما يقول وزقزقة عصافير الدوري تتباعد في الضباب الكثيف!
لكنما المتحدون والمحبون للوطن والأرض حتى ولو كانوا تحت رمال الصحراء
فهم يسمعون ويفقهون المطر في نشيده وهو يروي طيات وجوههم وتمسكهم
بالأرض ْ ! فيقول..
تحت رمال الصحراء
يسمع المتوحدون
أنشودة المطر تروي حكاياتهم
وهنا يؤكد تماماً وبصدق إنه مهما أكتنفه البعاد والتشرد لا بد أن يعود
إلى وطنه الذي أحبه حب الرضيع إلى صدر أمه فيقول
أينما احمرت ثمار الصبار
وتفتحت إزهار الدفلى
أكون في وطني
وحتى المقابر الدارسة المهجورة تحول عجائزنا التي ماتت منذ أعوام إلى
حدائق من الزهور فيقول
صيف المقابر المهجورة
يحول عجائزنا إلى أزهار
يوما بعد يوم
فالشاعر محمد الأسعد وغيره من شعراء الوطن السليب أو بالأحرى كل شاعر
معني بالتقاط الصور والحدث الذي يراه في الوسط الاجتماعي والطبيعي
والذي يقرأه في وجوه الناس من خلال تجواله المستمر ومعاينة تلك الوجوه
وما تنم غبرتها الدالة على الألم والحزن والظلم ، ويحشدها بتلك الومضات
القصيرة التي تعطي للقارئ معنى وشرح وافي لما يدور في الوسط الاجتماعي.
فالشاعر الأسعد على ما اعتقد ينشيء جسداً للشعر يروم من خلاله تعليل
الأشياء المبهمة إلى واقع مفهوم ومعبر ! ولأن جسد الشعر عنده معني بفك
الألغاز والصور البلاغية التي تعيش في مسارات الظلال والأشباح التي
يراها دائماً في عيون الأبرياء من أبناء وطنه وهم يعيشون المحنة فيقول
منبهاً قومه وأبناء شعبه بالأنغام التي تحدثها الأعشاب عند كل ربيع ،
فهي تتحدث عن الراحلين عنا فيقول
أسمع
قيثارة الأعشاب
في كل ربيع
تتحدث عن الأحباب الراحلين
عنك وعني ستتحدث ذات يوم
وهكذا في كل ومضاته الجميلة التي تنم عن معنى دفين وتعلن عن أشياء
مخفية كامنة في المعنى ،كالمثل الذي يقوم بهذه العملية فهو يسعى إلى
السير على آثار قصيدة الهايكو الذي سار على نهجها شعراء عظام في
اليابان والصين مثل بوزون ، شيكي ، عيسى ، ماتسو باشو، وياكون وغيرهم
كثير ، حيث تكمن التجربة الروحية في اكتساب القدرة على معايشة الخالد
في اللحظة الراهنة ، والكوني في ذرة الرمل ، واليومي في رؤية الرائع
وغير المألوف ، الذي وجد تعبيره العفوي في لآليء شعرية تمنحنا النشوة
والسعادة وتدعو إلى التفكير والتأمل الهاديء والعميق.
لكنه يعلن هنا في مجموعته (تهمس البوكنفيليا مثقلة بأزهارها الحمراء).
عن جوهر قصيدة الهايكو أي اللحظة الجمالية أو ما نسميها بلحظة
الاستنارة التي تأتي بعد الاضطراب والتمزق وإنقسام الوجود إلى ذات
وموضوع ، أي اللحظة التي يشرق بها نور اكتشاف الإنسان لكينونته العميقة
في هذا الكون !!
فيقول هنا في هذه الومضة معبراً على أن شجرة المندلينا تطفح عبر
أوراقها الخضراء بأزهارها البيضاء التي تشبه الثلج:
شجرة المندلينا
طافحة فوق أوراقها الخضراء
أزهارها الثلجية
وفي ومضته الأخرى يؤكد على أن حبيبته في وصفها كالصباح في نداه ،
وكالتفاحة في شذى عطرها فيقول
حبيبتي
تفاحة
في نداوة الصباح
السراج والانتقادية الجديدة
سعدي عوض الزيدي
يقرر القاص عبد الله السراج في مجمل عمله القصصي قوانينه الخاصة والتي
تحتاج الى تامل لاكتشافها، فمن العسير انصافه بمعزل عن هذه الحقيقة،
وهي حقيقة كون القاص صاحب مجهود وقضية-اجتماعية فكرية، يسعى للوصول
اليها من خلال العرض المشوق وتفنيد الحقائق (اية حقائق ترتضيها شخوصه)
وهو في هذا يخالف سلفه (سجادي) فما يعرفه القاص تجسده شخوصه واذا ما
خرجت المعرفة عن قدرة الشخوص، فالكتاب يلجئ الى نوافذ اخرى يتسرب منها
الضوء.. والفهم المخالف لما اسمنياه قوانين النص الخاصة به، سيسقط
القاص الى قعر الفراغ واللاجدوى، السراج يعمد الى تعددية الافكار في
القصة الواحدة، محيطا اياها باحداث قصصية مختلفة تمتزج مع حدث القصة
الرئيسي بخيط رفيع او وشيجة تقوى اوتضعف احيانا وكأنها لوحة تشكيلية
ذات صور متعددة (كولاج) يوحدها اللون او الشكل العام ومن هنا تتضح
تأثيرات ثقافته في الفن التشكيلي على بناء قصصه..
ومن تقنيات الفن التشكيلي النزوع في عمل ما لابراز الحالة التقنية وعند
الفنان المتمكن الفات نظر المشاهد الى هدفية مرموزه باشارة بسيطة من
خلال كلية العمل.. والانعكاس هذا على اقل احتمال يتولد الاحساس به عند
قارئ قصص السراج لتكراره بقصدية واضحة، والامثلة على ذلك كثيرة (انظر
قصص (انظر قصص: التمثال برايم الشوراوي، كيف تعرفت بايفانكا، الغزة)..
تعددية الافكار او المحاور في القصة الوحدة تؤدي الى ما اسماه عباس
عسكر (مترجم قصصه) بتزاحم الرموز او التزاحم الرمزي، من خلال الاتكاء
على وسائل اخرى، وهذا الاحتياج بخلق النقيض والنقيض لدى السراج ليس
فردا بمقدار ما هو الموضوع او الفكرة لدى الفرد (لا انان كنت لابسا
فروة الضبع والصياد ولا هي كانت بركانا من الجنس) اذن فما الذي كانا؟
هذا ما يجري في (كيف تعرفت بايفانكا) وفيها كما في القصص الاخرى كشف عن
سر القصة وكنه في هذا الكشف اماط اللثام عن فنية القصة التي قامت على
السرد المباشر، بعد هذا التقسيم يجنح الى حديث مباشر مع شخصية مقابلة
لتكن شخصية القارئ هادما عن عمد بناءها الهندسي ذاك ويدخل في بناء اخر
اقرب ما يكون لاسلوب الحكاية، مطيحا بهذه الهندسة في جملة واحدة فقط
(ان الاوان لكي نتكاشف وابوح لك كيف تعرفت بايفانكا).
اقل قصص السراج اثارة قصتيه(السماد) و(برايم الشوراوي)، لكن ما ينقذ
القصة الاخيرة مضمونها وما الشكل و وطريقة بنائها فقد ارهقت القصة، في
هذه القصة اراد الاشارة الى معضلة وجودية كبرى، وهذه الاشارة اضاعها
التعتيم المتقصد وربما صرامة الكتمان خلقت عدم الوضوح من خمس اصوات، لم
تضف شيئا للقصة وربما كان الصوت الاول هو اقوى الاصوات وما الاصوات
الاخرى سوى تشكيل فني يعطي التاكيدات على ما يود قوله القاص عن برايم
الذي رسم جزءه الكبير لنا الاول (المعلم) واللوحة، ولكنها تتفق مع قصص
السراج الاخرى بتوافر النقيض والافكار المتعددة. او المحاور المجاورة
للحدث الرئيس.
اللوحة مظهر جمالي ومضمونها نقيض ذلك -الخراب- في قصة (س) القصة ذات
غرائبية خالصة غير معتادة في اسلوب السراج الصارم.. خالفت هذه القصة
قصصه الاخرى ليس ازدحامها بالرموز والافكار المتعددة فقط وانما
باستخدامه كل ممكنات الفن.. لذا جاءت مغرقة وثقيلة، لاسيما في قراءتها
الاولى.
***
استغرقنا مع السراج اضاءة وتعريفا ومن خلال ملاحقة الكتابات عنه تؤكد
عدم انصاف الرجل من قبل النقاد باستثناء -عباس عسكر- وان ترجمته لنصوصه
المتميزة وتقديمها تعد خدمة فضلى للقصة الكردية المعاصرة، وسيجد القارئ
من الكتاب الشباب الى جوار مصابيح وهاجة.
قصة قصيرة
في النسيان نعمة
اياد خضير
كلما تذكرت ذلك اليوم ، وحتى الساعة ، اشعر بأنني كنت أعبر تجربة ،
تجربة موت ، وتجربة تحدي ، كان قد مارسها القدر ضد إنسانيتي 00 فما
ذنبي اذا ما كنت أشعر بتلك النضارة الشفافة للموت ، وما ذنبي اذا ما
شعرت لاحقا بأنني لست من الحياة الا هامشها المرفوض ، ان أحيا تجربة
موت 00تجربة موت ملحة ، استنفذ تفاصيلها دون مبالاة ، بعيدا عن الحياة
الروتينية للآخرين التي تقتل شفافية الإحساس بالأشياء العظيمة او
الكبيرة ، ليست هناك من شفافية 00فلا عجب اذا ما أيقنت بأنني أشعر بأن
هناك جدارا من عطور فاسدة او لزجه رطبة او هناك مستنقعا من روائح نتنة
00اصطدم بالجدار ، ويتكدس دم ازرق في بقعة من جسدي او اسقط فأغطس في
بركة ، فأخرج منها كجرذ سقط في مصيدة 00 لم يكن هذا اليوم كسابقة من
الأيام الفائتة ، الرابعة بعد الظهر والشمس بدأت تنسحب بعيدا كنت جالسا
في المحل مع احد العمال ، داهمني رجال الأمن بعد تطويق المكان وإغلاق
الشارع ،كان احدهم ضخم مفتول العضلات كالح الوجه ، قبيح ، اصفر ،كأنه
مسخ قائلا:
ــ من منكم صاحب المحل ؟
ـــ أنا صاحب المحل.
وبحركة سريعة كتفوني وقادوني الى سيارة مكشوفة كانت معده لهذا الغرض ،
بركلة وضربه على رأسي أستقر جسدي في حوض السيارة التي اكتظت بالشباب ،
قام احد الجلادين بتمزيق الملابس الداخلية ( الفانيلة ) للمعتقلين
وشدوا بها العيون ، لحسن حظي أنني لم ارتد الفانيلة حينها ، بقيت عيوني
مفتوحة أنظر بها الى الناس الذين لم يبق منهم سوى رجال كبار السن ،أما
الشباب فقد فروا مذعورين حتى لا يتعرضوا للاعتقال العشوائي 00 جلسنا
القرفصاء ، متراصين بعضنا البعض ، يستعرضون بنا في شوارع المدينة
وأزقتها لإثارة الرعب بين الناس وليثبتوا انهم استطاعوا ان يلقوا القبض
على القائمين بالثورة الشعبانية ، من كل منطقة يأخذون شبابا لا تسمع
سوى صرخات الألم من الضرب المبرح ، يأخذون الشباب وفق خطة مرسومة
وأسماء معلومة السيارة بدأت تضجرني ، لقد امتلات ، وتعالت الضوضاء ،
انها وجوه جميعها متشابهة ، جميعها جاهزة للاستسلام لمقص الجابي الذي
يقطع تذاكرهم الصفر أشبه بالوجوه المغبونة ابدا ، المبقورة في الرأس
ابدا ، في ساحة الحبوبي وقفت السيارة وأخذ احدهم يخطب بالناس قائلا:
هؤلاء هم الذين سلبوا وقتلوا وهتكوا الأعراض 00 هؤلاء الغوغائيين أولاد
الز000
الكل صامت ينظر بعينيه ، أرى علامات الريبة والحزن على وجوههم لان
عيوني لم تربط بالقماش كما قلت ، بعض الناس الذين يعرفونني أصابتهم
الدهشة عندما شاهدوني جاثما في حوض السيارة ، تناقلت الأخبار وانتشرت
انتشار النار في القش اليابس للقاصي والداني ، عندما علمت عائلتي
بالخبر أصابها الذعر لايستطيعون عمل أي شيء 00
سارت السيارة بنا نحو جهة مجهولة وأخذ الظلام يغطي كل شيء ، نال مني
التعب ورائحة الغبار وروائح المساء الكثيف ، اختلطت مع رائحة لم يتبين
حفيفها تنبعث من تحت الأقدام بحدة تقسو على الرأس فتربك ثباته على
مطالعة الوجوه الشبحية التي تعفرت بالتراب والمصطفة أمامي وعلى جانبي
حتى تبين انها رائحة سمك حيث كانت السيارة معدة لنقل الأسماك ، الأجساد
بملابسها التي ضاعت ألوانها وتلطخت برائحة السمك لتصبح لونا موحدا
تتمايل وكأنها في قاعة رقص ، تمايلت الرؤوس فمال رأسي على الشخص الجالس
جنبي فأحسه يرتعش كسعف النخيل ، مما أربكني وزادني رعبا وسقطت الأشياء
أمامي وكأنها لعب حاولت ان اجد لنفسي العذر مما يتراءى لي على شاشة
أفكار رأسي المتكلس ، لكن الأجساد ارتفعت جميعها الى أعلى وسقطت مكانها
بفعل حفرة هوت داخلها عجلة السيارة الأمامية ، ازداد هياج الغبار واشتد
العطاس من كل مكان لملمت أقدامي وانا اعطس عطاسا ثقيلا وكان الحذاء
السميك يثقل علي الحركة ، كنت محاصرا وبدأت افقد ساقي التي بدأت
بالتنمل وكأن الدود قد غزاها ، صعب وضعها فحاولت تغير موقعها لئلا
أفقدها بين احضان المنبطحين في الساحة المتبقية بين مسطبتي السيارة ،
دفعت ساقي اليمنى للأمام فدخلت مكانا أحس بدفئه وارجع ساقي الثانية تحت
المسطبة التي اجلس عليها ، رفعت قدماي الى وضعهما الأول ، شعرت ببرودة
تسري داخلهما على الرغم من حرارة الجو ، أطبقت عيوني فتجلى أمامي كل
الماضي حين كنت ذاهبا للمجهول ، لا اعرف مصيري ولا مصير عائلتي ، قبل
ان نصل الى المكان ، أمرونا ان ننكس رؤوسنا واذا ما رفع احدنا رأسه ضرب
بالسوط السميك الأسود يقال انه ( صوندة) مملؤة بالحصى ، اذا ما ضربت
بها تحس بالالم يسري الى كل إنحاء جسدك ، عند وصولنا الى المكان المحدد
بدأ المهرجان ، بالضرب والضحك المتواصل الذي لامبرر له ، اسمع الصراخ
والتوسلات مما جعلني افقد الأمل ، عندما ينزل شخص من السيارة يبدأ
التعليق عليه، قـــــال احدهم:
(هذا صار قائمقام كه00كه00كه) ويضربه بشدة أينما وقع السوط ويساق الى
داخل البناية ، والآخر يريد ان يكون محافظا00 كه00كه00كه00 وعندما جاء
دوري بالنزول قرأت الشهادتين ، قــــــال احدهم:
هذا اختصاص حرق ونهب ، لا اعرف من أي جهة اضرب، مسكني احدهم وساقني
داخل البناية ،في ممر طويل معتم ، لا يوجد منفذ للهواء ، أشم رائحة
رطبة ، كريهه كأنها غائط حيوان ، سمعت صرير فتح باب الزنزانة00 ركلت
ركلة قوية أسقطتني على الأجساد البريئة التي كانت تطالب بالحرية ،
بالعدالة والعيش الكريم والخلاص من جور النظام الفاشي الدكتاتوري الذي
لا يوجد رحمة في قلوب سجانيه 00
عندما يأتي المساء تبدأ المأساة ، كل ليلة ينادون مجموعة من السجناء
للتحقيق معهم ، مع سكون الليل والهدوء المطبق ، بفعل الخوف والتفكير
بالمجهول تسمع التوسلات والأنين والصراخ ، يعودون الى الزنزانة منهوكي
القوى ، نقوم بتدليك إطرافهم ونشجعهم ونحثهم على الصبر وأن الفرج
قريب00 كل ليلة تكرر المأساة يأخذون مجموعة جديدة من السجناء ، احد
السجناء تأخر اسمه أكثر من خمس أيام ، انهار وظل يهذي ويلعن ويصرخ
أريدهم ان يضربوني حتى اخلص من هذا الكبت ، من هذا القلق الذي يمزقني
سوف أموت من القلق 00 في هذه الليلة جاء دوري قيدوا يداي الى الخلف
ووضعوا قماش ابيض على عيوني وقادوني كما تقاد الذبيحة الى المصلخ ،
أسير منهوك القوى الى ان سمعت صرير باب دخلت وجلست الأرض على ركبتيّ ،
اسمع صوت تشويش قلت في سري ربما انا أمام كامرات لتصويري وعرضي على
شاشات التلفزيون ، أخذت الحذر الشديد 00
قال المحقق: اسمك ، عملك ، هل صحيح قمت أنت وخالد الذي مسك قنينة النفط
وأنت طرقت الباب المقابلة لمحلك أخذت منهم شخاطة وتوجهتم الى بناية
المحافظة وأضرمتم فيها النيران ؟! اندهشت للكلام الذي قاله المحقق انه
كلام صحيح فأنا قمت بالفعل بطلب الشخاطة من البيت المقابل لمحلي
وأعطيتها الى خالد وسرت معه00 من اين جاءت كل هذه المعلومات ؟
هل اعترف خالد بكل هذا ؟ لا00لا00مستحيل ، خالد هرب الى خارج العراق
ولا تزال نسخة من مفاتيح المحل لديه ، اذن علي النكران حتى لا اثبت على
نفسي اعترافات فاحكم او اعدم.
مزامير المدافن
د. رعد رحمة السيفي
تعرت قبالة عين السماء
والقت على كتف البحر
جمرة
وقالت لكل الذين اتوا:
تعالوا.. نقيم فضاء
لنصطاد فيه المجره
وحين اتاهم لهاث الغضا،
اصاغوا لترديد دالية ميتة
يحدث عن جمرة من ثمار الغضب
فاغضوا حياء..
وهم يبصرون عناقيد برق
تساقطن
كالثلج
من موجة مبحرة
***
ولما يجن عليها السماء
ترى وجهه قد اطل على افقها
فتصمت.. وهي تهيئ تيجان بحارة الليل من عريها
كان يعلم ان الحنين خزف..
فدل عليه بهذا الضياء المهشم
في قبعات المداخن
واردية الجمر، والطعنات
كان يعلم ان الذي شيدته النوافير
في صبح عينيه..
بيت صدف
فراح يفتش عن مئذنة
ترقب صبحا
تنفس في طرقات الغناء
توسد جرف النشيد
والقى لاقبية الريح
ظله!! |