|
الفضائيات الاشد كفرا ونفاقا
حافظ آل بشارة
الشعب العراقي امسك بمفاتيح كرامته ولن يقبل العودة الى ايام العبودية
، هذه قضية انتهينا منها ولا تتحمل أي لف او دوران وللعلم والاطلاع فأن
هذا الشعب قد يتنوع في المذهبيات وطريقة الوضوء و أختلاف القومية الا
انه موحد في تطلعاته المشروعة فالكرامة ليست موضوع خلاف ، هناك وضع
مرضي غامض في الشرق الاوسط عندما يريد شعب من الشعوب ان يعيش بسلام
لماذا يحاول حكام آخرون منعه من تحقيق اهدافه ؟ هل هي قضية شطارة ؟ هل
هو مجرد حسد ؟ هل تدخلنا نحن في شؤونهم ؟ هل اعطينا رأينا بنظامهم
السياسي او سجونهم او عقائدهم ، هم يستعبدون شعوبهم وهذه قضية تخصهم ،
العالم كله يضحك على دولهم وعلى عقائدهم المضحكة وعاداتهم في الاكل
والشرب والكلام والزي وخرافاتهم ونحن نواجه جاهليتهم وأوضاعهم البعيرية
بصمت واحترام وحين يسألنا احد كيف تحتملون قوما مزعجين كهؤلاء نجيبهم :
الحمد لله على هذه القسمة (هاي هيه الله كريم) ، هذا هو البلاء بعينه ،
حكام انذال يستغلون ايام ضعف العراقيين ومحنتهم كي يطبقوا عليهم تمارين
الابادة ؟ دول مزعجة تافهة شريرة يحكمها اشرار صغار العقول متوحشون
يعشقون البقاء في القرون الجاهلية ، لماذا يريدون ان يسحبوا العراق
معهم الى سردابهم المظلم النتن ، لماذا اختارونا نحن لمرافقتهم في هذا
البرزخ الحضاري الخانق ؟ اليس هذا سوء طالع ؟ هم يعيشون ازمان العبودية
والنخاسة والسجود للفراعنة ويصرون على الوقوف في دائرة الوثنية السوداء
، نحن ما علاقتنا بالقضية ؟ اليس من حقنا ان نرفض مرافقتهم الى البرزخ
الوحشي ونصنع مستقبلنا بانفسنا ؟ وعندما نرفض لماذا يقررون ابادتنا ؟
ارادوا منا ان ندافع عن جلادنا ونقدم رقابنا امام الدبابات الامريكية
التي جاءت من وراء البحار لتسحقه ولا ادري لماذا يتوقعون منا ان ندافع
عن الجلاد وماهي المناسبة ؟ هل يفعل العبيد ذلك وهل هو جلاد ذهبي مدلل
يجب ان يفديه الجميع بانفسهم من اين جاءت هذه القدسية للاقزام التافهين
؟ وعندما بدأت العملية السياسية عندنا تبلور نظام حكم حديث وتجربة
رائدة تحبها الشعوب المعتقلة في السجون الكبيرة التي اسماؤها اسماء دول
وليست دولا ، على الارض قتلونا بالمفخخات عشوائيا ، ومن السماء تقصفنا
فضائيات الاعراب الاشد كفرا ونفاقا بلهجة متطرفة فيها القسوة والظلم
والغدر والكذب والاختلاق والتحريض ، رموز السحت واعوان الظلمة وجنود
الطواغيت ومومسات الاعلام المأجور على الشاشات ، يريدون من الفضائيات
تحقيق ما فشلت في تحقيقه المفخخات ، لكن الديمقراطية رسخت اقدامها
الفولاذية ، وتذوق الناس حلاوة الكرامة التي يجهلها العرب ، ومثلما
فشلت المفخخات وانتصر الدم على السيف في الطف العراقي ستفشل الفضائيات
القاصفة وتهزم ، هذه الايام لدينا دعاية انتخابية اما في فضائيات
الابادة فهناك دعاية للتمرد والكراهية ، هجوم على العملية السياسية ،
نشر شائعات الاحباط ، شائعات اليأس ، تسويق التهديدات التي يطلقها
الجلادون وتضخيمها ، نشر الرعب في اوساط الناس ، دعوة العراقيين الى
مقاطعة الانتخابات ، التشكيك بمؤسسات الدولة ودستوريتها ، وصف العراق
بأنه ضد العروبة ، والعروبة عندهم تعني الحكام المستبدين العملاء للغرب
الذين تكرههم الشعوب ويكرهونها ، عروبتهم تعني السجود لاسرائيل سرا
وشتمها علنا ، العروبة تعني الفشل السياسي والفشل التنموي والفقر
والامية والتخلف ، العروبة تعني ضياع الهوية والانهيار الاخلاقي
والتغرب والانحطاط ، العروبة تعني المخابرات وسجناء الرأي وضياع الحقوق
وكم الافواه ومصادرة الحريات ، العروبة تعني الفساد السياسي والمالي
والاداري وانعدام القانون وغياب المؤسسات هذه هي العروبة التي تفتخر
بها فضائيات الابادة والفتنة وتبكي عليها ، اذا كانت هذه هي قيم
العروبة فاللعنة عليها وعلى من يدعو لها ، و يجب على احرار العرب ان
وجدوا العمل لانقاذ شعوبهم المهانة من عبودية العروبة ووباءها كما فعل
العراقيون.
الانتخابات منطلق الديمقراطية في العراق
ناجي الغزي
الانتخابات هي عملية صنع القرار السياسي في أي بلد، حيث يقوم الشعب
باختيار مرشحيه على أسس وقواعد عديدة "مهنية ووطنية وعلمية وعاطفية".
وهذه هي الطريقة المثلى التي تتبعها المدرسة الديمقراطية الحديثة,
لتشغل عن طريقها مقاعد البرلمان بالمرشحين الفائزين. وتشكل من البرلمان
المنتخب أحياناً سلطة الرئاسة والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية
وسلطات أدارية أخرى, وهذا يعتمد على سياق النظام السياسي للبلد. وعملية
الانتخابات هذه تستخدمها أيضا قطاعات ومنظمات مدنية ومهنية والشركات في
القطاع الخاص في كثير من الأماكن. والاستخدام العالمي للانتخابات يعتبر
وسيلة حديثة لاختيار ممثلي الشعب في البرلمان . وهذه العملية تحدث في
الانظمة الديمقراطية, والتي هي على نقيض الانظمة الدكتاتورية التي
تتربع على عرش سلطة القرار السياسي والاقتصادي مدى الحياة ولاتعرف
للانتخابات الرئاسية أوالتشريعية أي مذهب أو منهج. بل هي تحرص على
تطبيق مبدأ التوريث لأبناءها وأحفادها وتلك الأنظمة هي نموذج للأستبداد
والتسلط على رقاب شعوبها. والعراق بعد أن مضى في تخلصه من نظام البعث
الدكتاتوري الذي أقام حكمه على الغاء الشخصية العراقية وتصفية خصومه
السياسيين بالنار والحديد وأستخدامه السلبي للسلطة واتخاذه القرارات
الفردية والتي تتعلق بمصير الشعب ومستقبله السياسي..والمشاركة في
الانتخابات من قبل الناخب العراقي تعتبر عملية جديدة ولابد من تفعليها
والحفاظ على منجزاتها التي تعبد الطرقات والممرات للوصول الى نظام
ديمقراطي في العراق, وقد أدرك المواطن العراقي قيمة صوته ومدى تأثيره
في تغيير وصناعة المشهد السياسي وتحريك الاجواء الملبدة وخلق نتائج
تفاجئ التيارات السياسية المتصارعة والمتهالكة على صوت الناخب وربما
تفاجئ المراقب السياسي للشأن العراقي. كما أدرك المواطن منذ سقوط
النظام حرياته الشخصية في العمل والرأئ والتعبير وممارستها بعيد عن كل
الضغوطات التي كانت تمارس ضده في زمن الدكتاتورية الظالمة. وقد أصبح
تدوال السلطة في العراق أمر حتمي لامفر منه فلا يمكن لأي شخص أو حزب أو
عشيرة أو عائلة أن تختزل السلطة بأسمها أطلاقاً. وعلى الرغم من التجربة
الفتية في ممارسة الانتخابات والغياب الملحوظ لممارسة السلوك
الديمقراطي في الشارع العراقي وهذا تتحمل وزره الكيانات السياسية
ومنظمات المجتمع المدني, لانها تعتبر مصدر الوعي الفكري والتثقيفي في
المجتمع. وتدوال السلطة عن طريق صناديق الانتخابات يعتبر منجز كبير
وخطوة جادة بحد ذاتها على الطريق الصحيح للبَنية الديمقراطية في
العراق. والسلطة هي أحدى أهم مقومات بناء الدولة العراقية لأن ممارستها
بهذه الطريقة الديمقراطية سوف يبرر لها شرعيتها القانونية والأخلاقية
في مجال التشريع والتنفيذ والقضاء لمجمل القوانين التي تخدم مصلحة
المواطن والبلد. وذلك عكس السلطة المطلقة التي كانت تمارس من قبل
النظام الاستبدادي في العراق فكان الرأس يجمع بيده السلطات الثلاثة
طيلة العقود الاربعة, فلا يعرف العراق معنى لفصل السلطات فكان
الدكتاتور هل المشرع والمنفذ والقاضي والحكم. وفي ظل التحول التاريخي
الكبير تميزت الحياة السياسية العراقية الجديدة في تبنيها منهج ونظام
سياسي يرتكز على أسس أيجابية تتبلور تدريجياً كي تصبح منطلق
للديمقراطية, والديمقراطية هي ممارسة تراكمية تثري العقل والروح
بمفاهيم أخلاقية وأجتماعية وثقافية عالية, وسلوك حضاري مدني في التعامل
مع الرأي الاخر وقبوله دون أي مصادرة أو أقصاء, على أن يكون الرأي سليم
في العرض والطرح على أن لايتجاوز الحدود الاخلاقية والقانونية وأن
لايمس تاريخ الشعب العراقي وتضحياته. والعراق الجديد يشهد كم هائل من
الاحزاب والتيارات السياسية التي لاتعد ولاتحصى بحيث لا يوجد إحصاء
حقيقي ودقيق لعدد الأحزاب والتيارات في العراق, وهذا الزخم الكبير من
القوى السياسية قد سبب نوع من الفوضى السياسية, مما تربك المواطن
العراقي وتشوش فكر الناخب حيث يصعب أختيار الامثل من تلك الاحزاب, لان
المواطن بحاجة الى وقت كبير جدا للتعرف على تلك الاحزاب وبرامجها. وعلى
الرغم من التحالفات التي شكلت قبيل الانتخابات من قبل الاحزاب
والتيارات, ألا أنها لاتعدو سوى فقاعة هواء في زمن الانتخابات تزول
وتنفجر وتتشظى بعد الانتخابات. وحتى البرامج الانتخابية التي أعدت ماهي
الا سوى مفردات وشعارات أنشائية لاتعتمد على ستراتيجية في التطبيق.
والحياة السياسية في العراق تمر بمخاض سياسي عسير يتمثل في تباين
وتباعد في الرؤى وتشتت في خطابها السياسي وأختلاف البعض في تفسيرشكل
الدولة وإدارتها, واعتراض البعض على الدستور والمطالبة بتعديل بنوده.
أضافة الى الخلافات القائمة بين الاقليم والمركز حول علاقة الاقليم
بالمركز من الناحية الادارية والسياسية والاقتصادية والجغرافية. وقد
خلقت تلك الكثرة الحزبية تصادمات وصراعات وأنقسامات في أغلب جلسات
البرلمان المنتهي صلاحيته مما أنعكس سلبا على تعطيل المئات من القوانين
المهمة وترحيلها للبرلمان المقبل مما تركت تداعيات كبيرة على المواطن
بالدرجة الاولى. واليوم تشهد الانتخابات التشريعية لعام 2010 منعطفاً
مهماً يخطو بنا خطوات واسعة نحو تطوير الديمقراطية نستشرف منها
المستقبل ومتطلباته على أن تكون خيارات الفوز متاحة أمام الشعب العراقي
لتغيير بسيط في وجه الخارطة السياسية في البرلمان المقبل, على أن تفرز
لنا النتائج حكومة أستحقاق وليست حكومة توافقات لأن الاخيرة شلت حركة
ونمو الدولة العراقية وأطمرت المشاريع الخدمية والاستثمارية وعطلت
التنمية البشرية والاقتصادية في المجتمع العراقي التي أثرت سلبا على
المواطن العراقي, والتي خلقت المزيد من البطالة والترهل والفساد
الاداري والمالي, وخلقت الجريمة والتحايل والسطو والسرقة على المال
العام ودعمت الارهاب والارهابيين وخلقت حالة انقسام كبير في الشارع
العراقي. والديمقراطية الناشئة في العراق بحاجة وعي إنتخابي كبير والى
مشاركة واسعة في الانتخابات من قبل الناخب بأعتبارها مطلب رئيسي لنجاح
الممارسة الانتخابية لانها منطلق الديمقراطية في العراق.
هكذا صرح رئيس للوزراء:"اذا كان السلم مع الجارة ايران عمالة فانا عميل
واذا كان السلم...." رحمة من الله على امثال هؤلاء السياسين الذين
نالوا من العلم والثقافة حظا كبير فازدادوا ورعا وحكمة على غيرهم
وشغلوا مناصبا عدة من بينها منصب رئيس الوزراء بحق وحقيقة, بينما جاء
البعض الاخر في غفلة من الزمن ليتربع على كرسي رئاسة الجمهورية او
رئاسة الوزراء العراقية وخاصة قبل 2003 ليترك بصمة مخزية في تأريخ
الدولة العراقية بمكانة وحرمة منصب رئيس الجمهورية او رئيس الوزراء او
المناصب القريبة من منزلتهما اذ شغلها اميّون بمعنى الكلمة خاصة في
فترة صدام حسين امثال حمزة الزبيدي وعزة الدوري وطه ياسين رمضان
وامثالهم من حثالة الصداميين, ومن منا لايعرف ان صدام جاء من ابناء
الشوارع ليحكم العراق فكانت الكوارث التي حلت على العراق في تعاقب
وكانت نتائجها المآساوية الى يومنا هذا. وحين تدعم الجماهير العراقية
الخطوات الديمقراطية في العراق لانها تريد رئيسا سواء للدولة او لرئاسة
الوزراء او للبرلمان يتحلى بدرجة من العلم والمعرفة والاخلاص لكي
لاينزلق ولا يصيبه الغرور فيستأثر بالسلطة فيفقد توازنه لقلة ثقافته
وضحالة عقليته بتمييز عواقب الحرب من السلام. الشعب يطمح بان تتولى
قيادته شخصية سياسية قريبة من المواصفات لشخصية المرحوم الاستاذ عبد
الرحمان البزاز الذ ي حصل على شهادته العليا ثم اصبح استاذا في كلية
الحقوق ثم عميدا لها ولكلية التجارة والاقتصاد وقد شغل كثيرا من
المناصب الاخرى من بينها حاكما ووزيرا للخارجية وترأس معهد الدراسات
العربية العليا في القاهرة. والمثقف لايبخس الناس اشياءهم مهما كانت
مشاربهم عربا اواكرادا او تركمانا شيعة ام سنة او ديانات اخرى. المهم
بصفات القائد ان يكون مؤهلا ويحمل تحصيلا علميا وعادلا ورعا فالذي
يتحلى بمثل هذه الصفات تكون اعماله وتصرفاته مدروسة واخطاؤها قليلة
وغير جسيمة.
سيكولوجيا الدعاية الانتخابية
قاسم حسين صالح
ما يفرح قلوب العراقيين المسكونة باحزان فواجع ثلاثة عقود،أن تشهد
شوارع مدنهم دعايات انتخابية بهذا الكمّ من المرشحين وهذا التنوع من
اسلاميين وعلمانيين وماركسيين..بما يشكل ظاهرة فريدة في المنطقة تليق
بالعراق والعراقيين.وطبيعي أن هدف الدعاية الانتخابية، حصول المرشح على
اكبرعدد من الاصوات. لكن ما لا يعرفه كثيرون ان الدعاية الناجحة ليست
مجرد صورة انيقة واسم ولقب عشائري وشهادة،انما التي تعتمد "الاقناع"
الذي يحدث تغييرا في "اتجاهات" ثلاثة أصناف من الناخبين:المقاطعون،بأن
تولّد لديهم أهمية مشاركتهم بالانتخابات،والمترددون بأن تحسم أمرهم
بالمشاركة،والميالون لاختيار شخص بتحويل اتجاههم لآخر أفضل.
والدعاية الناجحة هي التي تحدد بدقة الجمهور المستهدف لاقناعه
والمحدد أساسا بالناس غير المسيسين. فهؤلاء الملايين هم الذين
يحسمون،في حالة الادلاء بأصواتهم،فوز هذا المرشح أو ذاك. ولهذا يكون
رهان الدعاية الانتخابية على كسب أكبر عدد من المقاطعين والمترددين
والميالين، ولا تكون مؤثرة في الأشخاص المسيسين لأنهم حسموا الأمر
باعطاء اصواتهم لممثلي كياناتهم.
وبالصريح،فان الرهان سيكون على جماهير الشيعة والسّنة غير
المسيسين،لأن المسألة تكاد تكون محسومة فيما يخص الكرد والتركمان
والمسيحيين والأقليات الأخرى. والحال أن نسبة كبيرة من ملايين السّنة
والشيعة حائرون. فهل سيعطي الشيعي صوته لقائمة شيعية والسّني لقائمة
سنّية مدفوعا بهاجس الخوف من المستقبل؟ وهل يرى البديل المنقذ في:أستاذ
جامعي،أم تكنوقراط،أم مثقف،أم رجل دين،أم شيخ عشيرة؟
وما يزيد في حيرة هؤلاء الملايين أن الدعايات الانتخابية الجارية
الآن أشبه بالفوضى، ومعلوم لدينا نحن السيكولوجيين أن طبيعة العقل
البشري تنفر من الفوضى باستثناء البسيط من الناس الذي "يقفل"على من هو
اكثر اثارة وتكرارا في دعايته الانتخابية. فضلا عن أن الدعايات الحالية
تأخذ مسارين:التشكيك بالآخر واتهامه بأمور معيبة،واعتماد سيكولوجيا
تخويف تعزف على أوتار طائفية وعرقية..وكلا الأسلوبين غير مؤثرين.
فالدعاية الانتخابية الناجحة هي التي تعتمد سيكولوجيا الاقناع، ليس فقط
في نزاهة وكفاءة المرشح،ولا بطرحه برامج تتضمن أهدافا مطلوبة ،بل
بتحديد كيفية تحويل الاهداف من كلام الى واقع، وصدقية الضمير واللسان.
والتحوّل الايجابي في الانتخابات الحالية،أن العقل
الانفعالي"العاطفي"الذي تحكّم بالناخب العراقي في الانتخابات السابقة،
تراجع الآن لصالح العقل المنطقي بعد أن تبين له أن معظم من انتخبهم
توزعوا بين من خذله أو أفسد أو أثرى، ونبّه نفسه أن العاقل لا يلدغ (من
انتخابات) مرتين. والايجابي ايضا أن البرلمان المقبل سيأتي بعناصر اكثر
كفاءة وأقل نزعة نحو الفساد والاثراء،وسيشهد مجيء خمس كتل كبيرة ستخلق
حالة توازن جديدة تقل فيها المساومات والصفقات ويتراجع فيها الشعور
الطائفي،ويكون البرلمان أكثر رزانة في العقل والمنطق.
غير أن ذلك يظل مرهونا بنزاهة انتخابات آذار(اذا لم تصاحبها الهزائز
والأمطار) وعدم تصعيد التنافس بين الفرقاء السياسيين الى صراع طائفي أو
عرقي،وربما عشائري،وضمان حق الترشيح لكل عراقي له موقف سليم من
القانون،والحرص المسؤول على عدم توفير الفرصة لمتسللين الى البرلمان
يعملون على اعادة انتاج الدكتاتورية.
الصدامية ..محاولة العودة وضرورة الاجتثاث
عباس عبد الرزاق الصباغ
كثيرة هي التساؤلات التي أثيرت وما تزال تثار حول القواسم المشتركة ما
بين الصدامية والنازية وكيف إن الأخيرة "اجتثت" اجتثاثا نهائيا واندثرت
تماما عدا بعض التوجهات الإيديولوجية اليمينية المتطرفة والبعيدة عن
واقع الحال ولا تعارُ لها أية أهمية في حين إن الصدامية بقيت تتمتع
بنشاط وفعالية وحيوية على المستويين المحلي (الحواضن) والإقليمي
(التوجهات القومية والنفعية والانتهازية والأصولية الاسلاموية
والتكفيرية المتطرفة) وذلك بعد أن اندثرت على مستوى الدولة / السلطة
/ الأمة وتلاشت أيديولوجيا وتعبويا ولم يبقَ لها سوى نسق واحد يتمثل
بمحاولة العودة للمرة الثالثة الى سدة الحكم (الأولى 1963/ الثانية
1968ـ 2003 ) وفي هذه المحاولة التي تبدو ضربا من الخيال تتمظهر غاية
تعددت كل الوسائل الميكافللية الى تحقيقها بما في ذلك التحالف الذرائعي
مع تنظيم القاعدة الإرهابي في "توليفة" طائفية وعلمانية أصولية فريدة
من نوعها لنشر الموت والدمار على عموم الساحة العراقية وإفشال التجربة
الديمقراطية الوليدة في العراق.
ولكن لماذا رفضت ألمانيا (ومعها أوروبا) التوجه النازي رفضا قاطعا
(النازية هي حركة سياسية تمكنت بقيادة هتلر من السيطرة على الحكم سنة
1933 وأسست دولة الرايخ الثالث ما سبب في نشوب الحرب العالمية الثانية
) كما رفضت الفاشستية العنصرية ( أسس موسوليني الحزب الفاشستي الذي وصل
الى السلطة عام 1922 والفاشية مذهب يحتقر الشعوب والأقليات الأخرى
وتكون بقيادة ديكتاتور يقود حكومة مستبدة ) فضلا عن الدكتاتوريات
الشمولية (اليابان) في حين إن بعض الجهات المحلية والامتدادات
الإقليمية والعربية والتوجهات الشوارعية والكثير من النخب ما تزال
"تدين" بالصدامية نسبة الى صدام حسين ( اعدم 2006 ) والذي حكم العراق
بصورة فعلية (1979 ــ 2003) ، كظاهرة سياسية لها ارتباط بالمخيال
الشعبوي العربي ذي الأيديولوجية القومية التي ارتبطت بعد نشوء الدول
القطرية العربية في النصف الثاني من القرن المنصرم بالنزعة الدكتاتورية
المستبدة والشمولية.
الصدامية هي إشارة إيحائية الى رمز سلطوي تسلطي أكثر منها الى رمز
حزبوي مؤدلج نسبة الى حزب البعث الذي يقرن كوجهين لعملة واحدة مع
صدام حسين (حزب البعث العربي الاشتراكي حزب قومي علماني تأسس عام 1947
في دمشق ) باعتبار إن كليهما يمثلان توجها واحدا وكما جاء في الدستور
العراقي الدائم : ( المادة / 7 أولا: يحظر كل كيانٍ أو نهجٍ يتبنى
العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يحرض أو يمهد
أو يمجد أو يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه،
وتحت أي مسمىً كان، ولا يجوز ان يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في
العراق وينظم ذلك بقانون) فيكون الانتماء الى حزب البعث (أو الترويج
له) عملا خارج القانون وتترتب عليه إجراءات جزائية. وخلافا للنازية فإن
تلك التوجهات الشاذة آنفة الذكر وعلى اختلاف أجنداتها مازالت تمجد
الصدامية وتنمطُها ضمن التابوهات القومية المتداعية وتتعاطف معها باليد
والقلب واللسان ضد رغبة الشعب العراقي وكرامته وعكس منطق التاريخ
وامتهانا لجميع المبادئ والأعراف الدولية والقيم الإنسانية وبكيدية
واضحة تتعاكس تماما مع مشاعر العراقيين الذين اكتووا جميعهم بنار
الصدامية التي لم تترك خطا ً احمر إلا وتجاوزته، فضلا عن ان ذلك يشك
خروجا، كمعيار أخلاقي، عن الضوابط الأخلاقية والدينية ونكوصا حتى عن
الحد الأدنى من المبادئ الميكافللية فلا غرابة أن تكون الصدامية كظاهرة
سياسية هي الرديف الأكثر مواءمة واقترانا مع حزب البعث إيديولوجية
وعقيدة وفكرا وسلوكا وممارسة وآليات ومتوائمة في الوقت نفسه مع
التوجهات الغوغائية المتعاطفة معها... ورغم أن صدام قد سخـَّر البعث
لأغراضه السياسية ومنافعه السلطوية وغاياته الديكتاتورية إلا انه كان
النسخة العملية المترجمة حرفيا لجميع أدبيات البعث ومنه استقى آليات
وميكانيكيات حكمه الذي دام لما يقرب من أربعة عقود بقرينة إن الصعود
الأول لحزب البعث ولشهور معدودات فقط عام 1963 كان عبارة عن نسخة
دموية مصغرة من تلك العقود التي حكم بها صدام حسين فيها العراق ما يدل
دلالة واضحة على إن هذا الحزب له ذات السياسة في كل زمان وبقرينة أخرى
لا تختلف في النوع أو الآلية عمّا سبق تتجسد في الأسلوب الدموي ذاته
التي يتخذه حاليا لتنفيذ مآربه في التسلق مرة أخرى نحو السلطة، وما
نشاهده من آثار الدمار والخراب وتحطيم البنية البشرية والتحتية وعلى
مدى السنين التي أعقبت الإطاحة بحكم البعث إلا مثل يجسد جميع التنظيرات
التي تؤكد ما ذهبنا اليه في اقتران الصدامية بالبعث وامتزاجهما
بالأسلوب الدموي والتدميري نفسه.
ولكن الدستور العراقي وفي سياق الإشارة الى حظر حزب البعث لم يفكَّ
ارتباطه القانوني بصدام حسين واصفا إياه بـ(البعث الصدامي) في إشارة
الى تماهي حزب البعث بصدام حسين ولم يفرق بينهما ولم يُشر الى حزب بعث
بكونه حزب البعث العربي الاشتراكي من جهة ولم يفصل بينه وبين صدام
كدكتاتور من جهة ثانية ومن جهة ثالثة لم يُشر بوضوح الى أي صنف آخر من
البعثيين تمييزا لبعثيين صداميين وآخرين غير صداميين فيكون حزب البعث
حزبا صداميا مطلقا وجميع البعثيين صداميين وهذا ما يفسر من الناحية
القانونية لمنطوق المادة / سابعا / اولا منه وبما أن "الدولة " التي
حكمها صدام حسين كانت دولة المنظمة السرية التي أنتجت جمهورية الخوف
والأرض المحروقة فإن الملامح الأولى للحدود الفاصلة ـ بعد سقوط هذه
الدولة وتداعي مرتكزاتها المؤسساتية بعد نيسان 2003 ـ لم تتوضح للوهلة
الأولى بين "أصناف" البعثيين وأنماطهم مابين بعثي صدامي مجرم ملطخة
يداه بدماء العراقيين (وغير العراقيين) وبين بعثي لا يمتلك هذه
"المواصفات" وبعد أن حول صدام حزب البعث الى مؤسسة مخابراتية ذليلة
وتابعة الى منظومة أجهزته البوليسية التي ربت على ثلاثين جهازا. وقد ظل
التوصيف العام لجميع البعثيين توصيفا هلاميا مشوَّشا من الناحيتين
القانونية والدستورية إذ نتيجة للإرث الدموي والقمعي الصدامي الهائل
فقد صار كثيرا من البعثيين صداميا حتى وإن كان من الناحية
الإيديولوجية منتميا قسريا الى هذا الحزب ولأسباب قد تكون بعيدة عن
الصدامية نفسها فالتبس المعنى القانوني على من يوصف بالبعثي وكيف يتم
التمييز مابين بعثي صدامي مجرم وبين بعثي ممكن احتواؤه إذا لم يكن
مجرما قانونا ولا ينطبق عليه المعيار الصدامي ومع إن الدستور قطع
الطريق على أية محاولة للتمييز بين البعثيين بعبارة (البعث الصدامي)
فان اختلافات وجهات النظر كانت واضحة وأحيانا حادة ومتقاطعة مابين
التوجهات الشعبية فضلا عن السياسيين ليس حول مفهوم حزب البعث(الصدامي)
فحسب بل وفي التعامل مع البعثيين أنفسهم فتنوعت طرق التعاطي معهم .
ولم يثر هكذا جدل مع اندحار النازية والفاشستية رغم تشابه مقاربات
الأوضاع العامة بين المشهد العراقي والمشهد الألماني والايطالي من
ناحية النتائج المترتبة وان اختلفت بعض الأسباب.. فهل يتعلق، الأمر من
الناحية النظرية في الأقل بالصدامية كظاهرة أم بالبعث كأيديولوجية ام
بالدستور كتشريع أم يتعلق بالهوس القومجي والبنى الأخلاقية والأنساق
المعرفية والمستويات الحضارية للمحيط الاقليمي والعربي للعراق (وداخل
العراق ايضا) ما يشكل اتجاها مغايرا تماما للمحيط الأوروبي بعد
انتهاء الحرب العامية الثانية (1939 ـ 1945 ). رغم إن الصدمة التي
أوجدتها الجرائم المروعة التي اقترفها صدام حسين بحق شعبه تركت
آثارا مروعة ليس على المستويات المحلية فحسب بل تعدت آثارها الى ابعد
من ذلك بكثير ما اوجد ردود فعل كانت غاية في الاحتقان وصلت في كثير من
الأحيان الى التصفية الجسدية فيما طالب البعض باجتثاث البعثيين من جميع
مؤسسات الدولة ومساءلتهم والى هذا أشارت هيئة اجتثاث البعث الى إن من
أهم أهدافها: إزاحة كبار أعضاء حزب البعث المنحل والمشتركين بالجرائم
التي قام النظام السابق بارتكابها عن الوظائف في القطاع العام وقطاع
الدولة ويحق لأي شخص الدفاع عن نفسه أمام لجنة قضائية مستقلة عن طريق
الاستئناف وإزالة آثار البعث من الحياة والمجتمع وإعادة تأهيلهم
بأفكار تقدمية ديمقراطية جديدة تحترم حقوق الإنسان والرأي الآخر وتنبذ
الأفكار القديمة الشاذة لغرض إعادتهم الى الخدمة بشرط ان لا يكونوا
مدانين في جرائم النظام السابق.. ومع هذا فلم نجد موقفا رسميا او
شعبيا يتفق على توصيف واضح لحزب البعث وعلاقته المباشرة بصدام حسين
الذي كما يتردد بان هذا الحزب هو مجتث أساسا من قبل صدام حسين وها هو
يجتث ثانية كما صار بعض الأصوات تنادي بضرورة "التمييز" النوعي مابين
بعث صدامي وآخر غير صدامي في حين مازال الكثير من الجهات والقوى
الشعبية منها خاصة تصر على التفسير الحرفي لمنطوق الدستور الذي حظر حزب
البعث بكونه حزبا صداميا وكان يفترض به أن يحظر من الناحية القانونية
حزب البعث كحزب له إيديولوجية واضحة ومن ثمَّ حظر التعامل من ما يسمون
بالصداميين وتقديمهم للعدالة لكي لا يثار الجدل المفضي الى مزيد من
التشتت والتشرذم بين الفعاليات السياسية والمجتمعية فضلا عن اتجاهات
الرأي العام والغارقة في دوامة التناحرات السياسية والتجاذبات
الطوائفية والقومية والاثنية ليأتي الجدل حول الصدامية ليزيد الطين
بلة. |