الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد :(952) الاربعاء 3 ربيع الاول 1431 هـ/ 17 شباط 2010

دراسات

عقائد الامامية

كتاب في حلقات

الشيخ محمد رضا المظفر

الحلقة الرابعة والعشرون

عقيدتنا في حق المسلم على المسلم

إن من أعظم وأجمل ما دعا إليه الدين الاسلامي هو التآخي بين المسلمين على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم ومنازلهم. كما أن من أوطأ وأخس ما صنعه المسلمون اليوم وقبل اليوم هو تسامحهم بالأخذ بمقتضيات هذه الأخوة الإسلامية لأن من أيسر مقتضياتها - كما سيجئ في كلمة الإمام الصادق عليه السلام - أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه.

أنعم النظر وفكر في هذه الخصلة اليسيرة في نظر آل البيت عليهم السلام ، فستجد أنها من أشق ما يفرض طلبه من المسلمين اليوم ، وهم على مثل هذه الأخلاق الموجودة عندهم البعيدة عن روحية الإسلام ، فكر في هذه الخصلة لو قدر للمسلمين أنن ينصفوا أنفسهم ويعرفوا دينهم حقا ويأخذوا بها فقط أن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه - لما شاهدت من أحد ظلما ولا اعتداء ، ولا سرقة ولا كذبا ، ولا " غيبة " ولا نميمة ، ولا تهمة بسوء ولا قدحا بباطل ، ولا إهانة ولا تجبرا. بلى : إن المسلمين لو وقفوا لإدراك أيسر خصال الأخوة فيما بينهم وعملوا بها لارتفع الظلم والعدوان من الأرض ، ولرأيت البشر إخوانا على سرر متقابلين قد كملت لهم أعلى درجات السعادة الاجتماعية ولتحقق حلم الفلاسفة الأقدمين في المدينة الفاضلة ، فما احتاجوا حينما  يتبادلون الحب والمودة إلى الحكومات والمحاكم ، ولا إلى الشرطة والسجون ، ولا إلى قانون للعقوبات وأحكام للحدود والقصاص ، ولما خضعوا لمستعمر ولا خنعوا لجبار ، ولا استبد بهم الطغاة ، ولتبدلت الأرض غير الأرض وأصبحت جنة النعيم ودار السعادة .

أزيدك ، أن قانون المحبة لو ساد بين البشر ، كما يريده الدين بتعاليم الأخوة - لانمحت من قاموس لغاتنا كلمة ( العدل ) ، بمعنى إنا لم نعد نحتاج إلى العدل وقوانينه حتى نحتاج إلى استعمال كلمته بل كفانا قانون الحب لنشر الخير والسلام ،

والسعادة والهناء ، لأن الانسان لا يحتاج إلى استعمال العدل ولا يطلبه القانون منه إلا إذا فقد الحب فيمن يجب أن يعدل معه ، أما فيمن يبادله الحب كالولد والأخ إنما يحسن إليه ويتنازل له عن جملة من رغباته فبدافع من الحب والرغبة عن طيب خاطر ، لا بدافع العدل والمصلحة .

وسر ذلك أن الانسان لا يحب إلا نفسه وما يلائم نفسه ، ويستحيل أن يحب شيئا أو شخصا خارجا عن ذاته إلا إذا ارتبط به وانطبعت في نفسه منه صورة ملائمة مرغوبة لديه .

كما يستحيل أن يضحي بمحض اختياره له ، في رغباته ومحبوباته لأجل شخص آخر لا يحبه ولا يرغب فيه ، إلا إذا تكونت عنده عقيدة أقوى من رغباته مثل عقيدة حسن العدل والاحسان ، وحينئذ إذ يضحي بإحدى رغباته إنما يضحي لأجل رغبة أخرى أقوى كعقيدته بالعدل إذا حصلت التي تكون جزء من رغباته بل جزء من نفسه .

وهذه العقيدة المثالية لأجل أن تتكون في نفس الانسان تتطلب 

منه أن يسمو بروحه على الاعتبارات المادية ، ليدرك المثال الأعلى في العدل والاحسان إلى الغير ، وذلك بعد أن يعجز أن يتكون في نفسه شعور الأخوة الصادق والعطف بينه وبين أبناء نوعه .

فأول درجات المسلم التي يجب أن يتصف بها أن يحصل عنده الشعور بالأخوة مع الآخرين فإذا عجز عنها - وهو عاجز على الأكثر لغلبة رغباته الكثيرة وأنانيته - فعليه أن يكون في نفسه عقيدة في العدل والاحسان اتباعا للإرشادات الإسلامية ، فإذا عجز عن ذلك فلا يستحق أن يكون مسلما إلا بالاسم وخرج عن ولاية الله ولم يكن لله فيه نصيب على حد التعبير الآتي للإمام الانسان على الأكثر تطغى عليه شهواته العارمة فيكون من أشق ما يعانيه أن يهيئ نفسه لقبول عقيدة العدل ، فضلا عن أن يحصل عليها عقيدة كاملة تفوق بقوتها على شهواته . فلذلك كان القيام بحقوق الأخوة من أشق تعاليم الدين إذا لم يكن عند الانسان ذلك الشعور الصادق بالأخوة . ومن أجل هذا أشفق الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام أن يوضح لسائله وهو أحد أصحابه " المعلى بن خنيس " عن حقوق الأخوان أكثر مما ينبغي أن يوضح له خشية أن يتعلم ما لا يستطيع أن يعمل به .

قال المعلى ( 1 ) : قلت له ما حق المسلم على المسلم ؟ قال أبو عبد الله : له سبع حقوق واجبات ، ما منهن حق إلا وهو  عليه واجب ، إن ضيع منها شيئا خرج من ولاية الله وطاعته ، ولم بكن لله فيه نصيب . قلت له : جعلت فداك ! وما هي ؟ قال : يا معلى إني عليك شفيق ، أخاف أن تضيع ولا تحفظ ، وتعلم ولا تعمل . قلت : لا قوة إلا بالله . وحينئذ ذكر الإمام الحقوق السبعة بعد أن قال عن الأول منها : ( أيسر حق منها أن تحب له كما تحب لنفسك ، وتكره له ما تكره لنفسك ) .

يا سبحان الله ! هذ هو الحق اليسير ! فكيف نجد - نحن المسلمين اليوم - يسر هذا الحق علينا ؟ شاهت وجوه تدعي الإسلام ولا تعمل بأيسر ما يفرضه من حقوق . والأعجب أن يلصق بالاسلام هذا التأخر الذي أصاب المسلمين ، وما الذنب إلا ذنب من يسمون أنفسهم بالمسلمين ، ولا يعملون بأيسر ما يجب أن يعملوه من دينهم .

ولأجل التأريخ فقط ، ولنعرف أنفسنا وتقصيرها ، أذكر هذه الحقوق السبعة التي أوضحها الإمام عليه السلام .

 1 -أن تحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك ، وتكره له ما تكره لنفسك .

 2 -أن تجتنب سخطه ، وتتبع مرضاته ، وتطيع أمره .

 3 -تعينه بنفسك ، ومالك ولسانك ، ويدك ، ورجلك .

 4 -أن تكون عينه ، ودليله ، ومرآته . 

 5 -أن لا تشبع ويجوع ، ولا تروى ويظمأ ، ولا تلبس ويعرى .

 6 -أن يكون لك خادم وليس لأخيك خادم ، فواجب أن تبعث خادمك ، فتغسل ثيابه ، وتصنع طعامه ، وتمهد فراشه .

 7 -أن تبر قسمه ، وتجيب دعوته ، وتعود مريضه ، وتشهد جنازته .

وإذا علمت له حاجة تبادره إلى قضائها ، ولا تلجئه إلى أن يسألكها ، ولكن تبادره مبادرة . ثم ختم كلامه عليه السلام بقوله : ( فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته وولايته بولايتك ) مضمون هذا الحديث روايات مستفيضة عن أئمتنا جمع قسما كبيرا منها كتاب الوسائل في أبواب متفرقة .

وقد يتوهم المتوهم أن المقصود بالأخوة في أحاديث أهل البيت عليهم السلام خصوص الأخوة بين المسلمين الذين من أتباعهم " شيعتهم خاصة " ، ولكن الرجوع إلى رواياتهم كلها يطرد هذا الوهم ، إن كانوا من جهة أخرى يشددون النكير على من يخالف طريقتهم ولا يأخذ بهداهم ويكفي أن تقرأ حديث معاوية بن وهب  قال : ( قلت له - أي الصادق عليه السلام - : كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ممن ليسوا على أمرنا ، فقال : تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهم فتصنعون ما يصنعون ، فوالله أنهم ليعودون مرضاهم ، ويشهدون جنائزهم ، ويقيمون الشهادة لهم وعليهم ويؤدون الأمانة إليهم ) .

أما الأخوة التي يريدها الأئمة عليهم السلام من أتباعهم فهي

 أرفع من هذه الأخوة الإسلامية ، وقد سمعت بعض الأحاديث في فصل تعريف الشيعة . ويكفي أن تقرأ هذه المحاورة بين أبان بن تغلب وبين الصادق عليه السلام من حديث أبان نفسه . قال أبان : كنت أطوف مع أبي عبد الله فعرض لي رجل من أصحابنا كان سألني الذهاب معه في حاجته ، فأشار إلي ، قرآنا أبو عبد الله . قال : يا أبان إياك يريد هذا ؟ قلت : نعم ! قال : هو على مثل ما أنت عليه ؟ قلت : نعم ! قال : فاذهب إليه واقطع الطواف . قلت : وإن كان طواف الفريضة . قال :

نعم . قال أبان : فذهبت ، ثم دخلت عليه بعد ، فسألته عن حق المؤمن ، فقال : دعه لا ترده ! فلم أزل أرد - عليه حتى قال : يا أبان تقاسمه شطر مالك ، ثم نظر إلي - فرأى ما داخلني فقال : يا أبان أما تعلم أن الله قد ذكر المؤثرين على أنفسهم ؟ قلت: بلى ! قال : إذا أنت قاسمته فلم تؤثره ، إنما تؤثره إذا أنت أعطيته من النصف الآخر.

(أقول ) : إن واقعنا المخجل لا يطمعنا أن نسمي أنفسنا بالمؤمنين حقا . فنحن بواد وتعاليم أئمتنا عليهم السلام في واد آخر . وما داخل نفس أبان يداخل نفس كل قارئ لهذا الحديث ، فيصرف بوجهه متناسيا له كأن المخاطب غيره ، ولا يحاسب نفسه حساب رجل مسئول.

 

 

القـــرآن فــي مـكـة والمـديـنـة

 د.محمد عبد الرحمن

هذا والقرآن قرآنان : قرآن مكي وقرآن مدني ولايختلف القرآن المدني عن القرآن المكي الا بانه اغنى واكثر تنوعا ومضمونا وذلك تبعا لاختلاف المرحلتين المكية والمدنية . فالمرحلة المكية هي مرحلة تأسيس العقيدة في ارض وعرة لم تقبل هذه العقيدة الا بعد ان اصبحت امرا واقعا . لقد تمردت وتمردت حتى لم يبق في القوس منزع . ان قريشا لم تعارض الاسلام لاستحكام عقيدة الشرك فيها ودفاعاً عن اصنام تعرف أنها لاتضر ولا تنفع , إنما فعلت ذلك دفاعاً عن مصالح ومنافع جعلها الاسلام في مهب الرياح . فلم تكن الأصنام بالنسبة الى قريش الشيء المقدس الذي تتمسك به وتستشهد في سبيله . كلا , فإن أصنام قريش وآلهتها كانت قبل كل شيء مصدراً للثروة وأساسا للاقتصاد . فالهجوم على الأصنام لامعنى له الا المسُ بعائدات الحج ومايقترن به من مكاسب التجارة . ذلك ان مكة الى جانب كونها أكبر مركز في شبه الجزيرة لآلهة القبائل العربية وأصنامها تحج اليها وتقيم الأسواق والمواسم من حولها , كانت أيضا مركزاً تجارياَ للعرب جميعاَ, كما كانت في الوقت نفسه محطة هامة في طرق التجارة الدولية بين الشمال والجنوب والشرق والغرب .

لقد راموا كيد الاسلام بالمحاربة والمناجزة خوفاَ على امتيازاتهم التي أخذت تتعرض للخطر بمجيء الاسلام , الاسلام الذي بدأ يطيح بالملأ من قريش وبالرموز التي كانوا يجتمعون عليها]

ولقد أشار القرآن الى ذلك وسجل كلامهم بنصه قائلاَ على لسانهم : { وقالوا ان نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا } . فهم لايدعون أن دينهم هو الحق , بل كانوا يعترفون ان ما جاء به محمد هو الهدى , ولكن امتيازاتهم ومصالحهم أهم من المدى . ومعنى قولهم " نتخطف من أرضنا " ان العرب يطردوننا من مكة بكل سهولة لأنها مستقر آلهتهم , فنصبح بذلك مشردين فاقدين مصادر رزقنا . ويعبر عن ذلك أصدق تعبير كلمة الحكم بن هشام ( أبو جهل ) عندما سأله بعضهم : أترى محمداً يكذب ؟ فقال : كيف يكذب على الله وقد كنا نسميه ( الأمين ) لأنه ما كذب قط , ولكن إذا اجتمعت في بني عبد مناف ( آل محمد ) السقاية والرفادة . والمشورة ثم تكون فيهم النبوة , فأي شيء يبقى لنا ؟ "

فالقرآن المكي جاء لتغيير هذا الوضع وأوضاع أخرى مشابهة , جاء لاحلال العقيدة محل الغنيمة وضوابط الشريعة محل عصبية القبيلة , وعبادة الإله الواحد بدلا من الآلهة المتعددين . لقد كان القوم لايؤمنون بالغيب وينكرون البعث والجزاء والعقاب ويقولون بالدهر. لقد كانوا ماديين في حياتهم وتفكيرهم ومعاملاتهم وجميع شؤونهم , وانتشر فيهم بعض العادات القبيحة التي نشأت عن تردي الحالة الاقتصادية في اوساط الكثيرين منهم , كالسلب والنهب والغزو ووأد البنات وما الى ذلك . غير أن ذلك لاينفي شيوع الكثير من الفضائل بينهم كالكرم والشجاعة والنجدة واغاثة الملهوف والامتناع عن القتال في الأشهر الحرم .. على هذا المجتمع العجيب تدور موضوعات القرآن المكي الذي جاء لتقويم المعوج واصلاح المختل واقرار المحمود المستقيم وتصحيح بعض القيم الأساسية المتعلقة بموضوعات العقيدة الرئيسة , وبيان ان الإيمان والعمل الصالح _ لا الأموال والأولاد _ هما قوام الحكم والجزاء عند الله , وانه ما من قوة تعصم من بطش الله , وما من شفاعة عنده الا بإذنه وان الله هو المالك لكل شيء ولا مالك سواه , وان علمه محيط بكل شيء لايعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض ولا أدنى من ذلك ولا أكبر . وتتكرر مشاهد القيامة في القرآن المكي كثيراٌ وما فيها من تأنيب للمكذبين بها ومن صور العذاب الذي كانوا يكذبون به . وفي هذا القرآن أيضا دعوة للنبي الى الصبر على قومه وترك أذاهم والتوكل على الله , والاعتبار بالأنبياء السابقين الذين خلوا من قبله وكذبهم قومهم كما كذبت قريش محمداً , فما وهنوا وما استكانوا وما ضعفوا , بل كافحوا وناضلوا لإعلاء كلمة الله لايخشون فيه لومة لائم ! وفي هذا القرآن انذار لقريش وتهديد لها بسوء المنقلب اذا هي استمرت في تكذيب الرسول , وترهيب لها مما حصل للاقوام والأمم السابقة الذين استكبروا وعتوا في الأرض فاخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ... ولاننسى ما في القرآن المكي من دعوة الى ذكر الله والتدبر في خلق السموات والارض , وتوكيد للمسؤولية الشخصية , والاعتماد على الذات في تقرير شؤون العقيدة , وإعمال العقل فيها , وعدم تقليد الاباء والاجداد بلا هدى ولا كتاب منير . فإن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لايعقلون شيئاٌ ولايهتدون .

وعلى الجملة ان موضوعات القرآن المكي هي موضوعات العقيدة الرئيسة من الإيمان بالله الواحد, وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى , واحاطة علم الله بكل شيء وشموله ودقته ولطفه . التوحيد ونبذ الشرك والإيمان بالغيب أصول لايكمل ايمان المسلم الا بها . اما أركان الاسلام من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان فقد اقتصر القرآن المكي فيها على الصلاة دون سائر الاركان الاخرى , فالمهم تثبيت العقيدة قبل تثبيت الشعائر , وارساء قاعدة صلبة لأعمال القلب يسهل بعدها القيام بأعمال الجوارح , وهذا ما سيتحقق في قرآن المدينة .

هذا هو القرآن المكي , واما القرآن المدني فقد انتقل الى مرحلة جديدة من حياة الجماعة الاسلامية ثبتت فيها العقيدة ووقرت في النفوس أو كادت . ففي القرآن المدني ما في القرآن المكي وزيادة . انه أكثر ثراءً وتنوعاً واحتداماً بالقياس الى قرآن رتيب له موضوع واحد أو عدة موضوعات قليلة. فيه بيان للفرائض والتكاليف والواجبات ونظم الحياة للامة الجديدة واحكام شريعتها فيما بينها وشريعتها مع غيرها من الامم . احكام تتعلق بالتصور والاعتقاد , واحكام تتعلق بالشعائر التعبدية , وأخرى تتعلق بالقتال والجهاد وسياسة الحرب والسلم , وفيه أسئلة عن الانفاق : مواضعه ومقاديره ونوع المال الذي تكون النفقة فيه , عن الشهر الحرام , عن الخمر والميسر والمحيض واليتامى والانفال والاهلة وذي القرنين , وفيه اجوبة عن ذلك كله . وفيه استفتاء عن النساء وعن الكلالة وفتواهما . وفي القرآن المدني أيضاً بيان لاحكام الطلاق والنكاح والحمل والرضاعة والوصية والبيع والشهادة والربا والزنى والمداينة والشورى وأحكام الميراث وتفصيل أركان الإيمان والاسلام وشعائر الحج والعمرة . وينطوي هذا القرآن أيضاً على مناشدة لأهل الكتاب التروي في الحكم على الدين الجديد ودعوة الى دين ابراهيم والحنيفية البيضاء التي طرأ عليها بمضي الزمن التحريف والتشويه . ويكرر القرآن هجومه على اليهود ويعلن الحرب عليهم للؤمهم وخداعهم ونكثهم بالعهود والمواثيق . كما يدعو النصارى الى عقيدة التوحيد في صفائها الأول ونبذ التثليت . وهو ينكر الوهية المسيح وصلبه . كما ان نظرة القرآن والنصارى واحدة الى مريم أم المسيح , بقدر ما هي بعيدة عن نظرة اليهود الذين يتهمهم القرآن بالكفر وقول الزور ( وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ) . والحق ان مريم تحتل في القرآن مقاماً لم تحتله أنثى في العالم . بل هي الأنثى الوحيدة التي ورد اسمها في القرآن . والمسيح ينسب اليها دائماً فيقول " عيسى بن مريم " ولاينسب الى أبيه كما جرت عادة السامين , إذ لا أب له في عقيدة القرآن . ويرد اسمها في القرآن منفردة عشر مرات , ومقرونة الى ابنها أربعا وعشرين مرة . ويصفها بأنها " صديقة " وهذا مالم تحظ به أي زوج من أزواج النبي , بل لم يرد في القرآن أي إشارة الى خديجة , زوج النبي الأولى التي كان يكن لها أخلص الود والعرفان , وكان لسانه يلهج دائما بذكرها والثناء عليها . ان نسوة النبي لا يقتصر أمرهن على أن القرآن لايشيد بهن كما أشاد بمريم , بل إن ذكرهن فيه لم يرد الإ في معرض اللوم والتقريع . وقد كشف كيدهن وهددهن بالطلاق وسوء العقبى لتعلقهن بالحياة الدنيا وزينتها , وكان لايكف عن تحذيرهن من التبرج واتيان الفاحشة , ويهيب بهن الى التستر والحشمة والقرار في بيوتهن...

 

 

المرأة..بين النص والممارسة

د. دلال عباس

البدء من النصّ الثابت المقدس:

أرى أن الكلام على حقوق المرأة في الإسلام، كالكلام على حقوق الإنسان، أو أي موضوع كلاميٍّ آخر، يجب أن يبدأ من النص المقدس أولاً (القرآن والسنة الصحيحة)، والتعرّف من ثم إلى المسيرة التي قطعها فهم هذا النص المقدس على مدى العصور، وربطـُ هذا الفهم بالظروف التاريخية والجغرافية والثقافية والاجتماعية التي صدر عنها، للتمييز بين النص الثابت المقدس، وبين فهمه المتحول والمتغير، هذا النص المقدس يظل نقياً خالصاً من الشوائب، أما فهم هذا النص، أي المعرفة الدينية المتمثلة بالفقه وعلم الكلام والفلسفة، فبشرية ٌ يسري عليها ما يسري على غيرها من معارف البشر وعلومهم، وتدخلُ فيها أمورٌ غيرُ معرفية وذاتية تؤثر فيها وتؤدي إلى محدوديتها. وهي، كأي معرفة بشرية أخرى، مرآة تطور وجود الإنسان ونموّه، لا تؤثر فيها قوى الإنسان العاقلة وحدها وإنما تؤثر فيها كذلك الشهوة والغضب والميول والغرائز والأفكار المسبقة والأهواء والتجارب، وخصالُ الإنسان الشريفة وصفاته الوضيعة. فعلى سبيل المثال، كثر وضّاعوا الحديث لغايات متعددة فشوهوا بذلك المعرفة الدينية، بحيث أن أي محدّث أو فقيه يراجع الكتب الدينية يواجهه خليطـٌ مضطربٌ من الأفكار، والوسائل التي يمتلكها لتنقيتها بشرية ٌ، وقدراته (بوصفه بشرياً غير معصوم) محدودة، ولا يستطيع أن يصل إلى القول الفصل في تمييز الحسن من الرديء، والصحيح من السقم، إلا بعرضه على النص الثابت المقدس الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

إن فقه فلان وعلم كلام فلان هو إدراكه للدين، وهذا الإدراك للدين ليس ثابتاً كالدين نفسه، كما هو الأمر بالنسبة إلى علم الفيزياء تماماً، فالطبيعة التي خلقها الله ثابتة، أما العلوم الطبيعية والفيزياء والرياضيات فهي من صنع الإنسان واكتشافه وعليها صبغة الإنسان ولون المجتمع الإنساني والروح الإنسانية، ولها هويّة ُ متحركة ٌ ومتغيرة ٌ ومتجددة ٌ باستمرار.

أن القول عن كلام فلان، من المفسرين أو من الفقهاء: إنه غير صحيح وغير مترابط، معناه أننا نقارن في الواقع فهمه للإسلام بفهم آخر للإسلام، فما رآه المرحوم مرتضى مطهّري، مثلاً، في ما يتعلـّق بالمرأة وحقوقها بوصفها إنساناً، وقدّم الأدلة عليه من النص الثابت نفسه، ينافي جملة وتفصيلاً فهم أستاذة الملاّ هادي السبزواري له(1).. لقد اهتم المرحوم مطهري بقضية المرأة في الإسلام، وكان بحثه، في هذا السياق، من المباحث الكلامية الجديدة، لأن موضوع المرأة لم يُطرح على الإطلاق في الكتابات الفقهية بوصفه موضوعاً مستقلاً بعنوان «المرأة» أو «حقوق المرأة» أو «منزلة المرأة في المجتمع».

لقد كان من الطبيعي أن يدخل الذين بحثوا حقوق المرأة في الإسلام، من المعاصرين، إلى رحاب الشريعة من معابر جديدة، غير تلك التي سلكها القدماء، وهذا يستوجب البحث والتنقيب، ويتطلب وسائل جديدة ومنظاراً جديداً للتوصل، بعد البحث والتنقيب، إلى نتائج جديدة.

وهذا الموضوع ليس مستقلاً عن مسائل الشريعة الأخرى أو غريباً عنها، فهو مرتبطـٌ بموضوعات كثيرة، أولها كيفية خلق الإنسان «كما وردت في النص المقدس»، وليس كما وردت في التفاسير التي استعارت قصة الخلق من التوراة المحرفة، ومرتبط بالعلوم الطبيعية، وعلم التشريح والأمراض والأعصاب لردّ الكلام غير العلمي الذي كان مناسباً للمرحلة السابقة على تقدم العلوم الطبيّة؛ ومرتبط بالعلوم الإنسانية، كعلم التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم اللغة وعلم التربية، ومرتبطـٌ أيضاً بنظرة الإسلام إلى الإنسان «بالمطلق»، واعترافه بحقوقه الطبيعية.

لذلك من الواجب، للعثور على حلول للمشكلات، الحفر بعمق وجدية في حقل الشريعة وفي حقول المعارف البشرية جميعها. وقضية المرأة من القضايا والتحديات العديدة التي يواجهها علم الكلام الإسلامي الجديد، ومنها التطور والتكامل والحرية وأساليب الحكم والسياسة والتقانة والعولمة، و...

من هذا المنطلق يجب أن يكون الكلام الجديد متناسباً مع العلوم الأخرى التي ولد معها، لا يكفي أن تقدم صورة جديدة للدين، وتوضع مع الصورة القديمة في الإطار نفسه، وإنما يجب رسم لوحة جديدة تأخذ في الاعتبار حقوق الإنسان، كما أوردتها الشريعة وفهماً لهذه الحقوق مستنداً إلى العلوم الجديدة التي تخدم هذا الفهم.

- جذور القضية

- أسباب المشكلات التي عانت منها المرأة المسلمة:

بالعودة إلى جذر القضية المطروحة، ومن منطلق أن الإسلام جاء ثورة شاملة، غطـّت كل نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ولم يفضل إنساناً على آخر إلا بالتقوى والعمل الصالح، وساوى بين الرجال والنساء إنسانياً، لنا أن نتساءل عن أسباب المشاكل المنسوبة إلى الإسلام التي عانت منها المرأة المسلمة ولا تزال تعاني حتى اليوم.

للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نصحّح خطأين منهجيين:

أولهما: عدم التمييز بين الدين الكامل، السماوي، المقدس، وبين المعرفة الدينية، والتي هي ـ من الرأس وحتى أخمص القدمين ـ أرضية ٌ وإنسانية ٌ وقاصرة ٌ، لأنها بشرية وتحتاج إلى تعديل أو تكميل.

وثانيهما: هو فصل الدين عن تاريخيته، وتعميم الكلام على الحقوق التي أعطاها الإسلام للمرأة، علماً أن المرأة المسلمة لم تنعم عملياً بهذه الحقوق مجتمعة إلا في عهد النبي والخلفاء الراشدين، فقد كانت تجربة المدينة تمثل أنموذج العمل التاريخي، الذي كان يجب أن يُحتذى في ما بعد، وكانت تجربة فريدة في كل ما يتعلق بحقوق الإنسان، ثم تغيّرت النظرة كما تغيرت الممارسة كلياً بعد الانقلاب الأموي، وفي أثناء الفتوحات، ومن الواجب أن نعرف أن الإسلام الذي دخل إلى البلدان المفتوحة، لم يكن هو الإسلام النقي الذي طـُبّق في الحجاز، فقد داخلته عوامل كثيرة، ترتبط بكيفية الفتح، وبكيفية تعامل الفاتحين مع سكان البلاد المفتوحة، إضافة إلى المعوّق اللغوي بين هؤلاء وبين فهم الدين، لذلك نجد أن هذه الشعوب قد حافظت على كثير من العادات السابقة على الإسلام، من دون أن يجرؤ الفقهاء، في ذلك الحين، على تحريمها، تحرجاً، وظلت بعض هذه العادات سائدة حتى الآن، ولم تتجرأ المؤسسة الفقهية الحديثة على تحريمها، ونضرب مثلاً على ذلك «موقف الأزهر من عادة ختان الفتيات»، هذه العادة غير الإسلامية التي أصبحت اليوم من القضايا الإشكالية التي تطرحها منظمات حقوق الإنسان العالمية، بعد أن أثبت الطب الحديث ضررها الصحي والنفسي.. هذا بالإضافة إلى أن الدول التي حكمت باسم الإسلام، منذ بداية الانقلاب الأموي، وحتى سقوط آخر الخلفاء العثمانيين (مع بقاء نماذج مشوهة عنها في كثير من البلدان الإسلامية)، وانحرفت هم جوهر ما فرضه الإسلام من مساواة بين البشر على المستوى الإنساني، وانحرفت عن العدالة، عندما فضّلت بعض الناس على بعضهم الآخر على أسس ليس من بينها التقوى والعمل الصالح، و«أدلجت» الدين كما «أدلجت المذهب لخلع المشروعية على حكمها، أكثر مما لجأت إلى حماية الدين والسّهر على تطبيقه، كما ينصّ على ذلك «قـَسَم البيعة»، وإن كان الفقهاء العدول، من غير المرتبطين بالسلطة، قد اهتموا بشأن تطبيق الشريعة، فإنهم لم يجدوا دائماً الحكومة الإسلامية العادلة التي تكفل هذا التطبيق.. كما أنّ سوء استغلال الحكـّام والمجتمع لعبارة (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) (النساء: 36) ـ التي وردت في القرآن تعبيراً عن واقع معيّن ـ من دون الأخذ في الاعتبار أن الإسلام كان يهدف إلى إلغاء الرق نهائياً وبالتدرج ...، وذلك بحثـّه على عتق الأرقـّاء، زاد من سوء الأوضاع التي عانت منها النساء: الحرائرُ والجواري على حد سواء، وبدلاً من أن ينتهي الرق نهائياً كما كان يهدف الدين الحنيف، جرت الأمور على نحو معاكس كلياً، وكان من الطبيعي أن يتدنى وضع المرأة في ظلّ نظام الحريم الذي تزايد باطراد في الدولتين الأمويتين في الشام وفي الأندلس وفي الدولة العباسية وما بعدها... حيث حكمت الناس والمجتمع قوانين غير مكتوبة تنظـّم حياة الناس رجالاً ونساءً، وكانت هذه القوانين تعمل لمصلحة الطبقة المسيطرة التي كان من الصعب أن تتخلى عن امتيازاتها، وقد تبارى الخلفاء (الملوك) وسراة القوم، وقلـّدهم العامة في أحيان كثيرة، في شراء الجواري واقتنائهن، إذ كان وجودهن في القصور تتمة لحياة البذخ والتـرف التي كان يحياها الأسياد، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، أن المعتمد بن عبـّاد كان يمتلك حين خـُلِع عن العرش ثمانمئة امرأة وأن المغول وجدوا في بلاط المستعصم آخر الخلفاء العباسيين سبعمئة امرأة  ناهيك عن أعداد النساء في بلاطات العثمانيين وأعدائهم الصفويين.. إن مراجعة كتاب «الأغاني» لأبي فرج الأصبهاني، أو كتاب «طوق الحمامة في الألفة والآلاف» لابن حزم الأندلسي، أو «رسالة القيان» للجاحظ، ترينا كيف تزايدت الإباحيّة والفجور بالتدرج في العصرين الأموي والعباسي وفي الأندلس، عدا أزمنة محدودة طبعاً. ولم يعد أحد يتحرج من الحديث عن العشق والجنس... لقد بلغت الإباحية أقصاها، فغدت فجوراً وانحلالاً... وسجل الفقهاء والعلماء والرجال العاديون أخبار علاقاتهم الجنسية، وحكايا جواريهم بوضوح وحرية، تفوق ما يبثـّه الإعلام الهابط اليوم من الفجور.. ولقد استمرت الحال في عصر المماليك والعثمانيين على هذا المنوال لدى الطبقات المسيطرة عدا أفراد قليلين منهم، وتفشّى الجهل بين الرجال والنساء، فأضيفت مصيبة ٌ جديدة ٌ إلى سابقاتها وانشغل العامة بالمستحبّات الدينية، وجهلوا الواجبات، هذا بالإضافة إلى الإيمان بالسحر والشعوذة والتنجيم والخرافات، والتعلـّق بأذيال المتصوفة الطرائقيين وتقديسهم على الرغم من انحرافهم عن الدين، وكثرت البدع والمذاهب الباطلة وجميعها لها اتباع بين العامة، وزاد نفوذ الفقهاء القشريين الذين تمسكوا بمجموعة من الأفكار الجامدة، فراحوا يفسّرون العدالة تفسيراً معوجاً بقيت آثاره حتى يومنا هذا.. وإن أغلب ما يعتقد أنه سلفيّة دينية هو في الحقيقة سلفية اجتماعية تلونت بالصبغة الدينية، وانتقت من التراث الديني ما يتوافق معها. ولعلّ استجابة المرأة العادية في المجتمعات العربية لأشكال التحجيم والتهميش جميعها، هي نتيجة ٌ لما ترسّخ في وعيها منذ مئات السنين، يوم كانت «جارية» في «دار الحريم» أو حرة يخاف عليها ذووها من الانحراف، أو السًّبي (على يد الصليبيين أو المغول والفرنجة في الأندلس أو المسلمين المتحاربين في ما بينهم في جميع البلاد الإسلامية من دون استثناء).. إنّ التحديات التي تواجه الفقهاء اليوم، والتي تتمثل في العادات والتقاليد تتمتع بسلطة أقوى من سلطة الدين، كما أن رجال الدين التقليديين والإخباريين أكثر تأثيراً في عامة الناس من النخبة القادرة على الاجتهاد، العالمة بحق.

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق