|
معيارية النص المكتوب
د. كاظم عباس القريشي
من اجل كشف مفهوم المعيارية النصية لابد اولا من تعيين معنى النص
المكتوب دون النص الشفاهي الذي له قواعده الالزامية في التداول
والبناء، باعتبار عموم الثقافية الشرق اوسطية عموما والعربية تخصيصا
تقوم على الشفاهية في الطرح والموائمة الفكرية وبالتالي فان هذه
الثقافة في معظم غالبيتها ذات افق يقبل بالاخر المنسجم معه ويعتبر
الطروحات الاخرى معادية او مهادنة على اقل تقدير وهذا التوجه فرض
معيارية ذات حساسية عالية ازاء الفهم غير المنضبط -على تقدير هذه
الثصقافة الشفاهية- التي ليس هنا مجال للحديث عنها لان التركيز على
النص المكتوب املا والذي يفرض على الكاتب ان يوضح معنى النص المكتوب،
حيث هو عالم منقول من داخل الظاهرة بلغة تاصيل واعادة صياغة ابداعية
تحاول الاقتراب من مستوى الكمال لكن ذلك محال على الاغلب لان اجتراح
الرؤيا متقارنة من مبدع الى اخر ومن مستوى تحليل يحاكم النص من داخله
وليس خارجا عنه ولان الحقيقة بعد ذلك موجودة في النص وليس في الانسان
او بيئته، وهذه ما ارادت الحداثة ان تقدمه وفق معالجة فكرية تقترب من
لانهائية النص/ المعرفة القابل للتجدد وفي طروحات معاصرة له وهنا لابد
من التساؤل عن زمن النص، هل هو نص معالج الان والمستقبل؟ هل النص يمتلك
سلطته في مطلق اللغة والبناء السردي؟ ام انه نص فرض سلطته بقناعة الاخر
به؟ وهل هو كنص مكتوب يستوي فيه الحاضر والماضي ليمتد باصابع المعرفة
الى المستقبل؟ الجواب ينحصر في ثلاثة مستويات هي:
اولا:النص كمعرفة، حيث يعمل جاهدا من اجل صقل فقكرة مبسطة جدا ببناء
لغوي ذي تقنية عالية عن متوسط الفهم والابداع السائدين كتابه وزمان
كتابه، معظم اعمال شكسبير الخالدة تضع ضمن هذه الدائري وبالتالي يحاول
الكاتب ان يلقي يلغته المتانقة داخل شباك البساطة فيحول ذلك الجزء
المهمل من العالم، الى نص مكتوب يمتلك كل مقترحات الجودة في الاداء
والقبول وبالتالي التحليل من لدن موجة النقد السائدة.
والنص كمعرفة موجب على كاتبه اشكالية القراءة المهنية والمتأنية
والمتنوعة باعتبار- الثقافة محيط لا نهائي لا شطآن له مع ميل واضح غير
مفروض من الخارج الى الاقلال من الكتابة باعتبار النص الناجح هو الذي
يفاجيء قارئه بالامتوقع واللاسائد وهنا نخص اعمال كثيرة كمظفر النواب
ورياض النعماني وعلي الشيباني وطارق ياسين وعريان سيد خلف وادونيس
ومحمود البريكان وغائب طعمة فرمان، حيث ان النص عند هؤلاء هو نافتاح
على خزين المعرفةالعقلانية مضافا اليها التجربة الحياتية ولذلك تكونت
الكتابة عندهم متانية وحقيقية ومثيرة للدهشة وبالتالي خاضعة لمعرفة ذات
قناعة فائقة وسط كم هائل من النصوص التي تنهار بشكل مطلق امام اول
زلزال نقدي محترف ومطلع ومستوعب لمعطيات واشتراطات العصر الذي كتبوا
فيه نصهم المتألق من خلال فهم شرط جوهري -هنا- نقول ان الحداثة
الحقيقية للنص/ المعرفة يكون في معالجة مستويات الابداع اولا وانجاز
النص ثانيا وهنا اتذر انزعاج رائد الادب العربي الحديث المرحوم طه حسين
حينما عاتب كبار الادباء عن كثرة الانتاجح الادبي ضمن سقف زمني غير
مقنع بالنسبة له على الاقل.
والنص كمعرفة يفرض ايضا معيارية خاصة به مثل التصميم العام للنص وفي
كونه يعالج ظاهرة انسانية لها خصائص معينة مثل الحب والقهر الاجتماعي
والفقر والانانية كمشروع للمشاعر الانسانية المشتركة، وهل ان معرفة
الكاتب توحي له الكتابة عن هذه المشاعر ام الكتابة لها؟ اي هل يكون
الكاتب داخل الظاهرة كجزء خطير منهما؟ ام انه خارج هذه الظاهرة،
يراقبها ويرصد تجلياتها؟ هو كانسان لا يمتلك-الجدية- في لحظة القاء
مراسي النص عند شواطيء الابداع، لا يمتلك الوقوف منفردا اما احزان
الاخرين وامالهم ولانه يعرف حجم الاحزان هذه ونهر الدمع الحائر فانه
ينغمس في تلك الظاهرة كمستوى اداء واعد في عالم متصارع وهو لا يمتلك
الا نصه المعبر عن الاخرين بمعرفة دؤوبة..
ثانيا: النص كبعد جغرافي، حيث ان النص يعيش على جغرافية هي كبعد مادي
لها مفرداتها الخاصة بها، فاين كتب النص؟ هل هو حركة تعبير عن اقاليم
الجوع الذي يحكم العالم الان ومنذ فجر البشرية مع لازمته الاثيرة واعني
بها الجنس على حد تعبير (خوزيه دي كاسترد) الذي قال بان هناك “شيئين
يحكمان العالم، الجوع والجنس” في كتابه الشهير (جغرافية الجوع).
الجغرافية مجموعة تضاريس متنوعة بتنوع الارض والمناخ والتاريخ، فان
السهل يقدم السهولة في العبور والامتياز والجبل يقدم عناد العبور للطرف
الاخر والنهر يقدم الحياة، اليس العراق ابن الرافدين المدلل؟ اوليس
الانهار حدا في السياسة والاجناس والافكار اوليس دجلة جامع لارهاصات
النص في الاقامة والترحال؟
كما ان الجغرافية مسرح لقيم سادت وتسود فان جغرافية المعيار النصي
تتوزع على اشكال من المعالجات، لكنها تلتقي عند خالق النص في وحدة
المعيار ودأب الكتابة فتتكون بعد ذلك سعة اطلاع على ختوم الشعر وعالم
الرواية عندما كتب المتنبي شعره الذي شارف على الكينونة في قرية صغيرة
وكذلك عندما عرف عن راباوند- طريقه نحو الشعر الصرف والاسطورة ليتجاز
محنة المعيار المحض على حدج تعبير (برلس نريا) عندما كتب مقدمته
الشهيرة لمنجز ادونيس الابداع الفذ “الثابت والمتحول” هنا نحن نتحرك في
الجغرافية كمعيار ارضي.
النص المكتوب محاولة صعبة - النص المنفرد- لشق طرق جديدة في مجهول
الفكر الانساني، في غاياته المتشابكة، في محيطها المتلاطم، والنص
الحقيقي بالمعيار الايجابي هو تعبير لدروب كانت -قبل النص- شائكة موحلة
بالضياع والتاويل والسلطة والعالم قرية صغيرة في جغرافية معيارية
العولمة.
ثالثا:كفضاء حرية، تفرض معيارية النص المكتوب على النقيض من النص
الشفاهي في انه نص مقيد بلغته، وبقيود تماهيات واشتراطات اللغة، والنحو
والعروض قيود سالية لزهو الحرية في الشعر الحقيقي وليس النظم الذي يخلق
قيوده بنفسه من مفهوم النظن والانتظام، النص المكتوب بتعبير عن فضاء
ملزم لكاتبه بان تكون (الفردية) حكرا على النص وحريته، بمعنى ان
الانسان في عموم المفهوم المعياري لم يكن في يوم من الايام خارج
مفرداته او قل هو مفرداته واسلوبه في الكتابة، والشاعر المفيد/ لا
الشاعر الناظم، مشروع لحرية الاخرين المعيارية في مدى الحرية، ان يكون
الاعتراف هاجس النص وشاطئه الرحيب، والكاتب حين يلامس قوس حريته يكتب
بابداع لا باتباع، يحاور الاخرين على انهم مجال البوح باسرار الروح وخي
متلبسة في دفتي قاموس لغوي شديد الصرامة، والروح عامل استيعاب للجسد
الانساني اوليس الجسد قد الانسان المقدور بصاحبه منذ فجر الانسانية حتى
جغرافية القبر والانسان لا يملك غير حريته- على الاقل التي يشعر بها-
وانفعالاته التي تسبح في جغرافية النص وعلى هذا الاستنتاج فان النص هو
نصان اثيران هما:
1- النص يكتبه انسان ضمن زمن معاش
بدلالة الانا وتشكل عملية الازاحة قانونا ومنطقها العقلاني.
2- نص يختاره الكاتب ليملئ بعد ذلك
الاختبار اشتراطاته فيخرج النص ومعياريته من دائرة النص/ الاختيار وقد
لايعبر الكاتب عن وجهة نظره الشخصية بقدر ما يعبر عنم عموم القناعات
السائدة.
حسن السعيد لايلعن الظلام بل يوقد شمعة
بقلم : صالح جبار محمد
عن مؤسسةالمنتدى الثقافي صدر الجزء الأول من كتاب ( مشاعل في العتمة )
للكاتب الاسلامي ( حسن السعيد ) وعنوان ثان اضاءات عن رواد الوعي
الاسلامي الحديث ب ( 400) صفحة يتحدث الكتاب عن ( 50) شخصية اسلامية
كان لها الأثر الواضح للفترة من قبل سقوط الدولة العثمانية الى منتصف
خمسينات القرن المنصرم.
حاول الكاتب أنصاف شخصيات كتابه الذين بحق عانى المزيد منهم الأهمال
محاولا أنصافهم - ولو بعد الرحيل - كما ذكر في مقدمته هي محاولة تكريم
متأخرة مثلما يصفها..
أعتمد المؤلف في كتابه القيم تقديم الشخصيات حسب ترتيب الولادة وأن
يكونوا ضمن مدرسة ومنهج السيد جمال الدين الأفغاني.
الأستاذ حسن السعيد يوجه خطابه الى شريحة الشباب الذين هم أساس تقدم
البلاد . ايضا يضع كتابه أثارة أمام ما يجري من مخططات مريبة تقوم بها
جهات موتورة.
يحاول حسن السعيد الكتابة بأسهاب عن شخصياته أحيانا يظمنها بعض أراءه
حيث يبدو للقارىء أنه يعتبر الشخصيات الواردة فيه بمثابة أبائه
الروحيين .. خصوصا عندما يتحسر في ص 89- 90 في حديثه عن الشيخ ضياء
الدين العراقي قائلا:
لم أعثر على دراسة مفصلة عنه فكل ما وجدته سطور خجلى مبعثرة هنا وهناك
والانكى من ذلك حين هرعت الى الأنترنيت عسى أجد ضالتي فاذا كل المكتوب
هو سطران !! فعدت أدراجي ألملم شتات المتوفر لدي والألم يحز في نفسي
ولاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم.
هنا يكشف لنا حرص الكاتب الاسلامي المبدع على تطوير أداته وحرصه على
مثله التي يريد منها مشعلا يطرد به واقعا مؤلما يتردد صداه في كل حين
لتكريس انحراف يراد له الدوام..
واذا كانت الحداثة تعني تكسير االانماط السائدة / فأن الاستاذ الفاضل
حسن السعيد عنى في ايجاد منحى اسلامي متجدد ( حداثوي ) غير مقيد
بالعادات بل هو يصر على أيقاظ مشاعله لتأسيس بدايات نشوء متميزة بعيدا
عن التعصب والسير في الاتجاه الاسلامي المنفتح..
خاليا من العقد والاشكاليات التي أعاقة الفكر الاسلامي طويلا .. أنه
يعمد من ناحية أخرى في أثارة مقصودة بضرورة التواصل مع رواد حركة
التجديد لغرض التعريف بهم اولا للشباب المسلم وثانيا لغرض الانفتاح
المطلوب أزاء المتغيرات..
المرحلة الراهنة مرحلة رهنات صعبة ومتعددة تتطلب طرح فكري يواجه من
يريد الرجوع الى الوراء بطروحات مختلفة ومتميزة لأن هناك من يريد (
الجمود ) فكرة مقبولة خصوصا لمن يتصدون لعملية أشاعة الادب الرخيص كما
يذكر..
أن ما يطرحه لاينم عن تراتبية ممجوجة بل هو درس يعالج به فك الأحجام
المطبق على الكثير من الفعاليات الاسلامية وصرخة تطلق في وجه من يحاول
تحجيم الطرح الاسلامي..
الملاحظ أن سيرة الشخصيات في الكتاب عادة ما تكون مرتبطة بالتحولات
الفكرية والجهادية والتنظيمية حينها يكون الانسان على المحك وتبرز
معادن الرجال..
أنه أكتشافه لمعالم تتجسد بابطال أوقدوا النور في زوايا العالم المظلم
لتتجسد فيهم أفضل القيم الرفيعة والسمو .. أنه من يثير الحراك ويبعث
على التساؤل .. ؟ لأجل أيجاد بوصلة تؤشر الطريق المستقيم الذي لابد
منه..
أنه أنجاز يحتاج منا الشكر والعرفان لقلم لم يهادن طيلة مسيرته وهو
أيضاح للكثير من المبهم الذي اعترى مسيرة اولئك المجاهدون بلا كلل ..
لايجاد عالم أفضل ينعم فيه الجميع بالعدالة والسلام.
لذا ف ( حسن السعيد لم يلعن الظلام لكنه أوقد شمعة ) ما أحوجنا اليها
في مخاض الحداثة والعولمة وغيرها من الافكار الرائجة في سوق الثقافة
اليوم..
انتخابات مجلس الممثلين في دار الكتب
والوثائق
كوثر جاسم
اقامت دار الكتب والوثائق انتخابات مجلس ممثلي الاقسام وهي انتخابات
سنوية اعتادت الدار ان تقيمها سنويا وبترشيح من موظفي الدار الشباب
والتي تتراوح اعمارهم بين 20-35 عام، وقد فاز بالانتخابات سبعة موظفين
من اصل 10 مرشحين .
وحصل مجلس الممثلين السابق لعام
2009 على كتاب شكر وتقدير من السيد المدير العام لدار الكتب والوثائق
تثمينا لجهودهم التي بذلوها في خدمة الدار ومنتسبيها من خلال حل
مشاكلهم التي يعانون منها ومحاولة حلها مع الجهة المعنية وتقديم تقرير
اسبوعي عن كل اجتماع يتم فيه مناقشة كل القضايا التي تتعلق بخدمة
الموظف والدار.
ومن المهام المناطة على عاتق مجلس
الممثلين هي اقامة اجتماعات اسبوعية لمناقشة المشاكل التي يعاني منها
الموظف ورفعها بتقرير الى السيد المدير العام.
قصة قصيرة
هـــــواجـــــس
ضمد وسمي
كان محفوظ لا يكترث بدروسه.. ربما لم يكن بليدا.. بل كان مسكونا بتقليد
الكبار كعجوز مخضته الحوادث.. وبصرته التجارب.. رغم انه غلام لم
يراهق.. وجهه ناشف مخدود.. يصيغ السمع في مجالس الرجال.. ويرقب حركاتهم
بحس دقيق متسقط، والده لم يمتهن اي عمل من الاعمال المعروفة.. انه رجل
أمي.. لكنه ليس فلاحا ولا عاملا ولا راعيا ولا موظفا.. يتأنق في
ملبسه.. ومما يزيد في بهائه عندما يبتسم.. لمعان الذهب في احدى
اسنانه.. رغم ان انطفاء احدى عينيه يزيل ذلك البهاء عن مخيلة الرائين
اليه.. ولعل ما يدعو الى القرف منه ـ في نظر البعض ـ سحنته المربدة
ووجهه المتجهم وخيلاؤه المهارش، في تلك القرية التي راج فيها لغط واخز
واستشرى همس مترع باللمز.. عن مشاهدة الناس لوالد محفوظ وهو يزيل
الغبار عن كتف ـ البيك احد كبار الملاك ـ الذي كان يزور القرية للاشراف
على مزرعته.. فيما كان يتبعه والد محفوظ كظله بذلة وخشوع أثارت حفيظة
أهل القرية وسخريتهم..
عدنا.. انا ومحفوظ من المدرسة.. نغذ السير في طريق غير ممهدة الى
قريتنا الجاثمة قرب الجبل كفرطوسة خنزير.. كانت حبات المطر.. تغسل
وجوهنا المقترة.. قال محفوظ وهو يمحص النظر في التراب البليل: (نحن يجب
ان نعمل لا ان ندرس).. لم اجبه.. رمض وجهي.. اندلق الدمع من عيني كرد
فعل شرطي على حبيبات المطر الصافعة القريرة.. داخلني شعور بالمهابة
له.. وكأنني امام شيخ جليل ينطق بالحكمة.. احجم لساني عن الدوران..
لكنني همست في قرارة نفسي: (وماذا يمكننا ان نعمل ونحن لم نسلخ العشر
من العمر؟).. وقف كالجندي.. فاغر الفم كالابله.. وقبل ان يريم مكانه..
قال بحزم وثقة عالية كآمر: (انا قررت ان اترك المدرسة نهائيا).. كانت
السماء تنفث انفاسا باهتة.. تسربلت بالقنوط.. كأنه انتهرني بغلظة..
فيما احسست ان وجهه المسنون كمدفع رشاش يخز اعطافي بوابل من الرصاص
المدبب.. وتراءى لي.. انه ينزع ثوب الفضيلة.. ليرتدي ثوب الاثم ولكنني
تمتمت.. (ان لم تترك المدرسة.. ففشلك مؤكد) اقتربنا من القرية.. بدت
لنا من قرب لابدة كقطة قريرة.. ثم اقتربنا اكثر.. اتضح لنا ان اهل
القرية يتجمهرون عند الساقية.. تناهت الى مسامعنا.. جلبة وشغب نابح..
فتشنا تلافيف الذاكرة: ( اهل القرية لا يفعلون ذلك الا في المناسبات او
لأمر مهم.. كما يفعلون في الاعراس او الاعياد او عند وفاة شخص ما )..
لم تلفنا الحيرة كثيرا.. ولم يطل القلق.. ما ان اطلعنا على الجمهور حتى
تبرع الكثير منهم لأخبارنا بما يميط اللثام عن الامر.. ويزيل ما يدور
في اذهاننا من استفهام.. قال احدهم بكلمات ذات اسنان: ( ان والد محفوظ
جاء اليوم وهو يقود تراكتور ولكنه قبل ان يصل الى القرية.. جنحت به
وهوت في الساقية ).. وخز نميم يسري في اجزاء جسمي.. وتراءى لي انهمار
الماء النمير على وجه محفوظ.. فيما لاح لي ان ضوءاً بهيجا يترشح منه..
قال اخر بأستغراب: ( انه لا يجيد القيادة.. لم يشاهد من قبل انه يقود
حتى دراجة هوائية ).. وقال اخر بخبث.. فيما كانت تعلو محياه ابتسامة
ماكرة: ( فوجئ بأفعى تقطع طريقه فداخله خوف أرعد فرائصه.. وساقه هلعه
الى الساقية ).. وتساءل آخرون بتعجب يستبطن حسدا وجيعا: ( من اين له
هذا التراكتور.. وهو لم يشبع من خبز الشعير؟ ).. الملوحة بلساني
تتناسل.. اطيط الاطارات الباركة في الوحل يتصاعد.. انطلق من خلفي صوت
هامس كفحيح الافعى.. رقعته بنظرة مشدوهة.. امرأة شاخت كثيرا كلفافة
نافقة.. مطت لسانها المحروق كجنح الليل.. تعتعت.. استرطت شفتيها
الفاحمتين.. نطقت بصوت محشرج: ( ان ابا محفوظ مجرد أجير ـ وهذا
التراكتور من املاك البيك ـ الذي ابطره الغنى.. والمشغول بتخمته عن سغب
الناس من حوله).. تمكن اهل القرية بجمعهم المكدود.. من تسوية الامر..
وتمالؤوا على اخراج (التراكتور) من الوحل وسط تفاقم عجيج الاصوات
وصخبها.. ذهب محفوظ مزهوا مع والده الى منزلهما الطيني الكالح.. وفي
اليوم التالي ذهبا للعمل في مزرعة البيك.
انهيت دراستي الابتدائية.. قام في نفسي.. وكبر في وهمي.. انني سألثم
صفحة السماء.. وان الدنيا ستسكب على قدمي عواطفها.. سافرت مع ابي الى
مركز المحافظة لبعض المهام.. ورأيت لدى دخولنا السيارة محفوظا.. وقد شب
عن الطوق.. منهمكا كدوامة.. وعرفت فيما بعد انه يعمل كمساعد للسائق..
وسمعت والدي يسأله عن والده.. وعما فعله.. خاصة وانه احيل الى
المحكمة.. بعد فتحه متجرا صغيرا، وباع بضاعة بسعر اعلى من المقرر.. قال
محفوظ بلباقة: ( تم تسوية المسألة ودفعنا الغرامة ).. جنح بي الخيال..
وجسم لي التمني.. كم كنت اتطلع لان اعمل كمحفوظ.. واتصرف مثله: انه
يتحدث امام الجميع بجرأة كبغي.. ويدخن السجارة كرجل.. لكن امي نفثتني
بنظرة لائمة عاتبة.. وتأوهت كنخلة مثقلة بالعذوق: (لا عليك سوى
الاهتمام بدروسك.. وستكون موظفا لامعا ووجيها.. فأنك ذكي وشاطر يا
ولدي).. اشعر بدفء صوتها.. وحلو كلامها المتهدج.. فأستسلم لرغبتها
النبيلة.. وانا اومئ برأسي مطأطئا.. شريط من الدموع ينسل من عينيها..
يسخن رأسي رحمة لها.. ألثم يدها فأشم رائحة الجنة.. واسألها بتذلل: أذن
فيم تبكين؟.. تربت على ظهري.. والبشر يطفح على وجهها كملاك.
قررت انا وبعض زملائي الذهاب الى العاصمة لتقديم اوراق الانتساب الى
الجامعة.. ( ونحن قادمون من سذاجة الريف وبراءته.. ولم يتسن لنا بعد
لمس يد الدنيا في صورها الاكثر فجاجة وفضاضة.. والانكى من ذلك.. اننا
كنا نحسب ان الحركة في المدينة الكبيرة ستكون دفاقة غنجة.. تتدحرج بشبق
آسر.. بعيدا عن جشوبة القرية.. ووحشة الحياة فيها ).. وما ان دلفنا الى
الحافلة حتى تناهى الى مسامعي صوت أليف.. صوت محفوظ ـ صديقي القديم ـ
قد أخشوشن ذقنه.. وراح يحرك مقود الحافلة بذراع مفتول نفرت منه عروق
غليظة.. عيناي تجوس خلال سطور وجهه الممصوص.. ملامحه حادة مثلجة تؤلم
العين.. لطعني بابتسامة ماكرة.. أسنانه صدئة مقززة.. تنحنح.. حرك
سبابته وقال بفخار ( لقد دفعت هذا الشهر اخر اقساط ثمن هذه الحافلة
ولله الحمد).
نصوص شعرية
فليحة حسن
1-باب ظل الجدران
تتراكض
الجدران بحثاً عن ملاذ
انّا
حشرناك حشرا
في ساق قد ركضت دهراً
خلف امرأة غطاها الشوك إلى الرقبة
والبركان
بعيد عن منبعه الماء
ثم سقيناك مرا
ستدق الساعة في الحائط
رأسك أو وجه الجدران
أو أضلع من كانوا دربا للسائل عن ظل الماء
ثم منحناك قبرا
في اللوح الصاخب في الوادي
هل تسمعه يجهش من إسرار الماء ؟
2-باب ظل أبي ذر الغفاري
كان يؤدي إلينا فامعنو ا في تحويره
إن كان بمقدورك تذويب العمر إلى ما فوق الأحمر
فابدأ بالصمغ الموضوع على حلميك
طريقة الاستعمال:
بمجرد تذويب العلبة
يغلي فيها ما يحويها ؛
من دخل جوف قاتلي فهو آمن ؛
3-باب ظل الأمل
أنا قادم واعتذر لشدة ضوئي
عشر مرايا كسرت
حين شمخت بمعطفك الغائم
تصنع عشا مائيا
لطيور الرخ
4-باب ظل جدتي
الربيع
تنبأ بتاريخك فأنجب زهورا حمراء
احتفالا بموتي
تأبينا لها
سأعود نفسي على الذوبان |