|
(بصرياثا) تخطيطات المكان المرئي والمتخيل
عزيز التميمي
من يدري ربما أن مكيدة الصورة الفوتوغرافية هي ذاتها التي علقها رسام
إستشراقي وقف وسط ساحة أم البروم ونسج لوحة من خيال ربما لم يعد مناسب
لحجم العمارة في ذات الساحة ، وجعل المارة الذين كانوا يمثلون بائعين
خضار وتجار جِمال وتمور وربما مسافرين نزلوا للتسوق وهم في طريقهم إلى
مكة
من أين يبدأ المكان في مدينة شيدت مرات ومرات ، ودمرت وخربت مرات ومرات
؟ ولو أعدنا السؤال بشكل آخر : من يستطيع أن يدرك حدود بصرياثا ؟ تلك
المدينة التي ولدت من رحم كف محمد خضير ، ربما يقول قائل كتعليق أولي :
أن حدود البصرة الاسم الآخر لبصرياثا عند عين الجمل التي سماها
المسافرون والغزاة وربما قطاع الطرق ب " الزبير" ومن قبل قال عنها عجوز
هرم أنها ما بين الحوئب ووادي الخريب ، وربما أكد آخرون أن عين الجمل
كانت مجرد فكرة مليحة استفزت ذاكرة الفتى الذي عشق طفلة صغيرة من أطفال
البدو الرحّل ودفعه حلمه المجنون إلى تأسيس مدينة ذات سمات أسطورية
إرضاءاً لغرور العاشق العذري ، هذا من جهة الصحراء ، أما إذا أردنا أن
نتلمس حدود المدينة من جهة الماء ، فنجد أن غابات النخيل التي دفنت
قاماتها في قرص الشمس لحظة إنبلاجه لاتؤدي بنا إلى نتائج مقنعة عن حدود
بصرياثا مدينة الرمل والطين ، والتوابل والحناء ، مدينة الملح والخضار
، مدينة الماء والبترول ، مدينة الحسن البصري والخليل بن أحمد أو مدينة
أبو الأسود وواصل بن عطاء ، وإذا أردنا أن نضيف نقول مدينة السياب
والبريكان في زمن الانفجار.
فالحدود مع الإسترسال في البحث والكلام تتلاشى وراء ضباب الإحتمالات ،
والمكان الذي تكلم عنه القاص محمد خضير ربما لم يكن ضمن مخيلة العرافة
التي قالت عن حدود البصرة أو كوثا السومرية بأنها بنت الماء والصحراء ،
وحين يتداعى المكان بتسمياته نتذكر أبو الخصيب مع الزبير ، نتذكر شط
العرب مع الفاو ، نتذكر جيكور والنخيل وقامة السياب التي توحي لطلاب
البصرة أنهم هناك وراء رموش النخيل يولدون من جديد ، ومع يوتوبيات
المكان نجد أن هناك حدود وهمية أظهرتها صورة فوتوغرافية لمشهد ضم غابة
نخيل ومجموعة نساء يرتدين العباءة كزي شعبي ، مع بروز نسق إشاري يوحي
أن المكان لم يكن أكثر من ذاكرة لرائحة الأنثى المتمثلة بالمرأة
والنخلة وإشراقات حلم إنساني تمثل بطفل رضيع وثلة سعفات خضر تمايلن مع
الريح ، وينتهي المشهد بغيوم بعيدة وسرب طيور يقصد حدود الصورة.
من يدري ربما أن مكيدة الصورة الفوتوغرافية هي ذاتها التي علقها رسام
إستشراقي وقف وسط ساحة أم البروم ونسج لوحة من خيال ربما لم يعد مناسب
لحجم العمارة في ذات الساحة ، وجعل المارة الذين كانوا يمثلون بائعين
خضار وتجار جِمال وتمور وربما مسافرين نزلوا للتسوق وهم في طريقهم إلى
مكة ، جعل كل هؤلاء يقفون دون وعي منهم ليرسم لهم مشهداً قرأته فيما
بعد ذاكرة مؤرخ مغمور أو ربما تناوله موظف يعمل في مديرية الآثار وتحت
ضغط الحاجة إلى الفلوس باع إرث الرسام الذي أتهم بالجنون وحوكم وأعدم
في نفس الساحة في وقت كان الخليفة العباسي الموفق يقسم أن قامات النخيل
زنت بقامات الزنوج فأنتجت التمرد.
ولو حاولنا أن نتصور المكان كمفهوم جغرافي لاستطعنا أن نميز مآرب
الكاتب وهو يقف عند حافات الصحراء ليصوب نظره إلى حدود المدينة التي
رسمها بقلم الكرافيت في دفتر يومياته ، ويخط كلمات "بصرياثا .. صورة
المدينة " صورة المدينة التي رآها ضمن مجموعة صور عرضها عليه أحد
المستشرقين الذين كتب عن المدينة أكثر مما تنفس من هوائها في فترة بحثه
في آثار مدينة البصرة القديمة والتي تحاط اليوم بسور من أسلاك
prc
لتضم ميدان معركة الجمل وسوق المدينة القديم شمال الساحة الميدان وكذلك
جامع الإمام علي بن أبي طالب ، ومجموعة آبار دفنت بحطام البيوت الطينية
آنذاك ، ويعلن أن هذه المدينة لا تاريخ لها بالرغم من تسربلها بالحوادث
، ويدع التأويل لك عزيزي القارىء أن تضع تاريخاً من حيث ابتدأت مع هذه
المدينة ، وبالتالي فلك الحق أن ترفض الحكايات التي تؤكد حدودها
الحالية ، أو تتجاوز رفضك بالإدعاء بالزيف لكل هذه المقولات التي تجعل
من بصرياثا جسد دون أذرع.
ولأن الحكاية تداولتها الألسن وبدل القوّال الواحد صاروا عشرات والمنبر
صار لايتسع لمن يقول فإن حدود المدينة ما عادت خاضعة لكتّاب التاريخ
ودارسي الأدب والسير ، وهكذا يودع كاتبنا بذرة الشك في نفوسنا وهو يبدأ
من هذا الكتيب المكسر الأوراق ، ليقول من ضمن ما قال عن المدينة ، إن
حدودها لم تكن موجودة وكل ما قيل عن المكان في هذه المدينة خرافة ،
فالأرض التي تتكون من التراب والطين والماء والشجر والكائنات الأخرى
ليست لها دخل في تسمية مكانية هذه المدينة التي جاءت قبل أن يكتب
التاريخ ، وقبل أن تكن بصرياثا تحمل إسمها الحالي ، فالمدينة لم يجزم
أحد بأنها كانت موجودة في زمن الأسفار المعلبة والحكايات التي تلد الجن
بعد غروب الشمس ، ولا أحد يستطيع أيضاً أن ينفي ملامحها التي جاءت
موثقة في حكايات من يدعون أنهم يعلنون بداية التاريخ ، وكثيرة الأسئلة
التي تستفهم عن حقيقة المكان والحدود في هذه المدينة التي كانت ولم تكن
، وينبهنا الكاتب في كلماته عن اليوتوبيا أن لا حدود تفصل بين تسمية
الـ هنا وتسمية ألـ هناك ، وكل ما يقال عن حقيقة مكان معين هو بالأحرى
تأكيد لتسمية مكان ما ، رقعة من الأرض سميت هنا بصرياثا وأخرى هناك
سميت نيويورك ، إنما المعني بهذا الترميز هو صورة المكان المتخيلة ،
الصورة التي تمثل المكان المرئي لحظة تدوين الحدث ، وما المسافة
الجغرافية إلاّ تعبير مجازي يؤدي بالإشارة إلى مدلولها الحقيقي ، أي
تحصيل الصورة المزدوجة للمكان والتي تتواجد في نفس اللحظة ، الصورة
الحقيقية للمكان الميكانيكي والأخرى المثالية التي تحمل سمات المكان
نفسه ، الصورة المرئية التي تواجهك في الواقع والأخرى التي تراها
مقلوبة في المرآة والتي تنطق بسمات الأولى بوهمية معلنة ، ومثلما أعلن
ميشيل فوكو رؤيته للمكان .. أي اشتراك الأمكنة بسمات وعلائق متناقضة ،
التنويعات المكانية التي تجهد نفسك حتى تقترب من حقيقتها ، والاحتمالات
الشائكة التي تؤدي بنا إلى التزام حالة الصمت متى دعينا إلى تحديد ولو
بشكل هلامي حدود مدينة كانت هي ذاتها خارج إمكانية التسمية ، فالمكان
القسري الذي أنت فيه لحظة الإحساس بالمكان قد لا يكون هو المكان المعني
به ، وبالتالي فالانجراف وراء محاولة من شأنها أن تعطينا حدود مقنعة
لمدينة مثل بصرياثا ربما تؤدي بنا إلى متاهة ، ولذلك نجد أن شكل
المدينة اتخذ عدة استحالات ضمن مخيلة الكاتب ، منها عين الجمل التي
أقرّ بها عند حافة الصحراء ، وأم البروم وليمة في مقبرة ، وحلم النهر ،
وعطايا الجمعة انتهاءاً بالمدينة المتنقلة ، وطريق الحكايات ، ومن ثم
هذه المفاهيمية التي جاءت على هامش الحرب والتكوينات القصصية التي مثلت
ارتجافات في لحظة اكتشاف ، فالمكان ينبثق ضمن لحظة إكتشافه الأولى ومن
ثم يعاود الانبثاق حينما يتم أكتشافه مرة أخرى ، وفي كل مرة يتم إنتاج
صورة مثالية للمكان تتيح لنا قراءة حدود المدينة ضمن وعي معين ،
وبالتالي لايمكن الإعتقاد بحقيقة مكان بعيداً عن الدورة التاريخية التي
تشمل المكان والوعي في آن ، ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقترب من مفهوم
الكاتب حول صورة المكان الحقيقية ، فالمكان الحقيقي في ذاكرة محمد خضير
هو المكان الجزئي ، الذي يخضع لصيرورة التاريخ والزمن وهو جزء من كل ،
أما المكان الذي تنشأ عليه المدينة الفاضلة ، المدينة التي تؤدي بنا
إلى الكلي فهو مجرد أنموذج يسكن المخيلة ، ومن الممكن أن تنتج تكرارية
الصور أنماط مدن متشابهة خارج حدود الواقع المرئي ، فالمثال الذي تطرق
إليه فوكو في تقسيم المكان حسب ضرورته ينتج تصورات مختلفة للمكان من
خلال الصورة المنشأة في الذهن ، فالتصور الناتج لدى سكان السجن غير
التصور لدى سكان أو مرتادي الملهى ، والتصورات في ملجأ الأيتام غير
التي في الصحراء ، فالمدينة تنشأ ضمن حدود البعد الممكن للوعي وحتى
اللاوعي ، وهكذا تختلف صورة المكان الذي يمثل بصرياثا ، تختلف من حيث
نقطة الابتداء ، وحينما نقرأ إستحالات المكان أو صورة المدينة في ساحة
أم البروم التي نعتها الكاتب ب(وليمة في مقبرة ) ، نجد أن وعي القارىء
ينسجم مع فكرة الشاعر كاظم الحجاج عن تكوين الصورة الذهنية في لحظة
معينة ، لحظة فجر طائشة ينسكب فيها الشارع في الساحة ، وصحوة الناس
حينما تمر السيارة ، هذه التكوينات المكانية والحسية تنسج صورة الساحة
كولادة ذهنية أولاً ثم تصور جغرافي.
ثنائية الفلسفة والعلم المعاني الكلية
.. وجدل العصر التكنولوجي
ضمد كاظم وسمي
لقد أفضت موجات الحداثة المتتابعة الى تقدم هائل في العلوم الطبيعية
لاسيما في القرنين التاسع عشر والعشرين ، ولم يعد من السهولة بمكان
قياس قدرات الأنسان في السيطرة والتحكم بالطبيعة وتجييرها لصالحه ..
فضلاً عما تحقق من تقدم ورقي في مضامير الحضارة والثقافة .. يعد طفرة
أفتراقية هائلة عن مرحلة القرون الوسطى .. أنجلت عن تطور نوعي كبير
تمخضت عنه (( حياة أجتماعية مترفة تصوغها أنظمة قانونية ونظريات معرفية
)) لكن هذا التطور الكبير بأدواته التكنولوجية الجبارة ، لم يخلق
التوازن النفسي المطلوب للجنس البشري ، وبالتالي لم يوفر للأنسان
بحبوحة السعادة المرتجاة .. رغم هذا الترف والثراء الفاحشين .. أن هذه
الأنجازات العلمية كلما حققت تقدماً أكبر كلما أفرخت مخاطر تهدد سعادة
الأنسان وتنغص سلامة البيئة .. ذلك أن الأنسان الحداثي أتجه بكليته الى
العلوم الطبيعة ، وفي غمرة أنغماسه في مد التقدم التكنولوجي غفل أو
تغافل عن المعارف الأخلاقية والفلسفية .. مما أوجب ضآلة في نمو العلوم
الأجتماعية إذا ما قيست بالعلوم الفيزيائية .. الأمر الذي قضى بحدوث
صدع بين الفلسفة والعلم .. ولعل عجز العلم عن أن يجعل من تقدمه خيراً
عميماً للأنسان ، يجنبه آثاراً جانبية مؤذية للأنسانية ، أنما هو وليد
ذاك الصدع .. يقول لويس دي بروليه : (( نشأ في القرن التاسع عشر حاجز
بين العلماء والفلاسفة . فالعلماء ينظرون نظرة شك الى تأملات الفلاسفة
التي كثيراً مابدت لهم وقد أعوزتها الدقة في الصياغة كما أنها تدور حول
قضايا عديمة الجدوى ولاحل لها . أما الفلاسفة فلم يعودوا بدورهم مهتمين
بالعلوم الخاصة لأن نتائجها كانت تبدو محدودة . ولقد كان هذا التباعد
ضاراً بكل من الفلاسفة والعلماء)).
ثمة حلقة مفقودة بين العلم والفلسفة ..ففي الوقت الذي كانت فيه الفلسفة
أماً للعلوم والمادة الرئيسية في التعليم حتى القرن الثامن عشر ، أصبحت
منذ القرن التاسع عشر مادة هامشية ، بل أقل المواد أهمية في التعليم في
الغرب.
كانت الفلسفة تشمل في أول الأمر كل العلوم .. إذ بدأ الأنسان يتخذ
موقفاً عاماً إزاء الطبيعة والمجتمع وذاته ، وينطلق من نظرة كلية ..
ولاينظر اليها كمجموعة اجزاء مغلقة .. حيث ظهرت المذاهب الفلسفية
الكبرى سواء كانت المثالية ام المادية .. غير أن تطور الحضارة وكثرة
المعارف وأزدهارها تطلب المزيد من التخصص والتفرع .. الأمر الذي أنتهى
بالعلوم الى الأستقلال عن الفلسفة تدريجياً .. ونحىّ كل علم للبحث في
حقل ما من حقول المعرفة .. فشاع أثر ذاك تصور يقضي بعدم جدوى النظرة
الكلية .. وغياب شمسها .. وفناء دهرها .. بيد أن الحاجة الى الفلسفة
ونظرتها الكلية قائمة وستبقى مثلما كانت في الماضي لأن العلم أثبت عجزه
عن ان يقوم بمهمة هو أجنبي عنها ، أو يعتوره القصور في إنجازها .. حتى
أمست عصية عليه ، حيث (( لايكتفي الأنسان لرؤية الصورة كاملة بمهمة
العالم ، لابد من الفيلسوف )) .. فالأنسان في أبعاده ماضياً وحاضراً
ومستقبلاً ، لايمكن للعلم أن يكوّن له رؤية كلية عن تلك الأبعاد ، إذ
أن كل علم يعمل في ميدان تخصصه وحسب .. لذلك تبقى الحاجة مسيسة الى
الفلسفة بله تاريخ الفلسفة لأنجاز ذلك.
لعل تكريس الأهتمام بالعلم خلق أجيالاً متفوقة في تفجير الطاقات
وممارسة التقنية .. بيد أن أهمال المباديء المنطقية جعل من تلك الأجيال
عاجزة في فهم العلم .. (( أن حالة الأوتوماتية اللاواعية التي يجد
العلم نفسه غارقاً فيها اليوم أنما ترجع الى أفتقاده طوال تاريخه
لمدرسة نقدية تعمل من خلال الحركة العلمية نفسها )) .. فأكتساب المعارف
العلمية ليست عملية تتغيا التنعم والتلذذ بقدر ما هي صيرورة معرفة
الأنسان في الحقائق والأنطلاق بها صوب المباديء والقيم .. إنها خطى
حثيثة من سيرورة تتخللها وتلازمها إحالات مستمرة تدفع المعرفة وتحولها
الى أقتدار ، يقول الفريد نورث هوايتهد : (( أن المثل الأعلى للجامعة
لايتمثل في المعرفة بقدر ما يتمثل في القدرة . أنها مهمة أن تحول معرفة
الأولاد الى قدرة الرجال)).
ما يواجه العلم وهو يغوص في الحقائق الجامدة غير المحدودة بل والعصية ،
يعد أشكالية في كيفية الربط بين هذه الحقائق الخرساء .. مالم يجنح الى
أبستمات ربما لم تكن مادية المبتنيات . أنها العودة الى المباديء
المجردة /الفلسفة .. هذا المشكل الأبستمولوجي الذي يحقق تفكيكه للأنسان
توازنه العقلي (( لأنه الملح الذي يحافظ على حلاوة الطعام )) .. من
خلال الفهم الكامل لمباديء العلوم الطبيعية مقترناً بفهم المباديء
والقوانين السيكولوجية والأجتماعية .. فالأطروحات الوضعية باتت تتهدد
الثقافة الغربية الحداثية .. والتي صنعت الأنسان التقني المتفوق ،
لكنها ربما تحوله الى أنسان بدائي يحيى في عالم يشكل الذروة في التقدم
العلمي الغربي : (( أن العلم نفسه - وهو منبت حضارتنا - يحوله الى (
رجل جملي ) ويجعل منه بدائياً وهمجياً )) حسب تعبير الفيلسوف الأسباني
أورتيجا . ي . جاسيت.
لننتخب العراق
ماجد عبد الرحيم الجامعي
اقامت مؤسسة شعوب للثقافة الديمقراطية مؤتمرها الرابع للتوعية
الانتخابية في محافظة بغداد. وحضر الندوة عدد كبير من المواطنين
والاعلاميين فقد تحدث الاستاذ سعيد ياسين مدير عام المؤسسة حول الندوة
واكد ان العراق هو الخيمة وهو الخير كما تحدث الدكتور حسن كامل الاستاذ
في كلية الاعلام عن دور المواطن لنجاح الانتخابات. كما تحدث المنسق
الاعلامي لمؤسسة شعوب الاستاذ علي الوائلي يجب اختيار المرشح المناسب
لهذه المرحلة الحرجة بعيدا عن الطائفية والعرقية والمحسوبية والعشائرية
لاننا نختار العراق ليكون وطن يتباهى به ابنائه.
يذكر ان مؤسسة شعوب اقامت ندوة تعبوية للانتخابات في محافظة النجف يوم
الجمعة الماضي.
صدور عدد جديد من مجلة فنون
عبد السلام الجلبي
صدر عن دائرة السينما والمسرح احدى تشكيلات وزارة الثقافة العدد (42)
من جملة فنون الاسبوعية وتضمن العدد اخبار ونشاطات الوزارة اضافة الى
الابواب الثابتة اول الكلام الذي يحرره جهاد زاير بعنوان لغة السينما..
لغة التلفزيون والدكتور شفيق المهدي كتب في الصفحة الثالثة عمود تحت
عنوان (الم مع كل خطوة) وغادة الخطيب كتبت عن بدايات خلق المسرح.
ولقاء المجلة مع الفنانة الاء نجم واستذكرت المجلة الفنانة نزيهة سليم
بمناسبة مرور عامين على رحيلها..
قصة قصيرة
رفـرفـة الـعـصـفـور
أحمد غانم عبدالجليل
جائتني أمه باكية، تندب حظها وتعض شفتها السفلى غيظا، تتوسلني البحث
عنه في أي مكان يمكن أن يفر إليه بعد عراكه مع والده غليظ القلب، لم
تأخذه شفقة على حدة بلائه، تلك الصعقة الكهربائية التي تحتل جسده
الثقيل، ترجه بشدة، من شعر رأسه المنتصب حتى أخمصي قدميه المرتعشين،
أربعة رجال بالكاد يستطيعون تكتيفه، خامسهم يُكبِِر ويذكر ما يحفظ من
أسماء الله الحسنى في أذنيه الممتقعتين ككل ذرة في وجهه حد الازرقاق،
تتردد أنفاسه بقوة تنفض آخر قواه... ينفث تمتمة كلمات بالكاد يقوى على
نطقها، تغور في الآذان طلاسما مستوحاة من لغات بدائية أو هلوسة صوفية
يتدثر بتجليات عوالمها العلوية من فترة لأخرى، يفيق على وجوه لا يتعرف
عليها إلا بعد حين، وإن كان وجه والدته الناحب، ويداها الحانيتان
تحوطان برأسه المصَدعة فوق الفراش، كجناحي حمامة تحاول انتشاله من حافة
الموت الرهيبة... عبثت قدماي في مكانهما دقائق عدة قبل ولوجهما فناء
الدار، عبرت ظلمة الحديقة الشفيفة، مستدلا بنور ضعيف تشف عنه ستائر
غرفتها الوردية، لم تواتني جرأة النقر على الشباك المغلق، تسكن
أصواتهما حفيف الشجر، ارتجاف أوراقه الخضراء، تنداح مع قطرات مطر
مباغتة، ضمخت جفاف الأثل الناعم، وددت افتراشه لبعض الوقت دون تفكير
بأي شيء، لا قلق الوالدة الحزينة..
يكركر ساخرا :عسى أن يفارقني للأبد..
ذلك الجني الذي كانت والدته تحدثه قرب رأسه في جوف الليالي، كآخرين
تظنه من يتسلط على جسده ويشل حراكه، يعربد داخل رأسه ويملي عليه
تصرفاته، يحيله إلى الجنون المطلق أحيانا، بصراخه، بعصبية مخيفة لا
تصدر عن صبي في مثل عمره، وشروده الطويل حتى في المدرسة مما أدى إلى
اشتكاء بعض المعلمين منه... أيقظتني هزة يده من إغفاءة أسكنت رأسي إلى
جذع شجرة عبقة، تثاءبت طويلا وأنا أمسح البلل وقتامة الخجل عن وجهي،
رمقني حانقا على جسارة تلصصي على خلوته القصية عن عالمه من جديد، كمم
فمي بكفه وسحبني بسرعة إلى الخارج، يبصق دخان سيجارته في وجه ريح تقبض
على بقايا رذاذ منعش..
نظراته تبحلق بالتواءاتها بين ذراعيه
من علياء سماوات تسبح في ثناياها روحه، متحررة من جسد يداوم التدحرج
فوق سفح جبل ينبثق من بين تمزقات أحلامه، مع كل انقلابة على بطنه يفقد
أحد أعضائه، فلا يبقى منه سوى راسا كبيرة مشوهة الوجه، جاحظة العينين،
تعتلي كومة أحجار تحف بها أرض مقفرة من كل جانب، يروى لي تلك الأضغاث
مقهقها من بؤس نومه وصحيانه المرتعد اختناقا.. لم ينسَ أبدا وجع إساءة
أيٍ كان، ولو بإيماءة، بمن فيهم إمام الجامع المهاب، أول من حفَظه
المعوذتين وبعض السور القصار وأدعية فك الكَرب والشفاء من المرض، كان
يوصيه بترديدها كثيرا قبل النوم كلما زاره وأبوه في بيته المتواضع،
يجلسه على حجره، بالكاد كان يمنع أصابعه الصغيرة من مداعبة لحيته ناصعة
البياض كستارة خشنة الملمس مسترسلة حتى نهاية عنقه، فيسعل بقوة تغالب
ضحكاته الساعية للانطلاق بعيدا عن رهبة المكان الخانق بروائحه الحادة،
تسحق أنفاسه وتبعث الدوار في رأسه، روائح يختلط فيها عبق البخور وماء
الورد، وربما شيء من عطن الجدران المشبعة بالرطوبة، يغمض عينيه و يشتهي
النوم، فيظن والده والشيخ منتفخ الأوداج أن ذلك من تأثير رقيته
المباركة، مدفوعة الثمن، القادرة على شفاء الكثير من العلل وحل
المشاكل. فاجأ الجميع برحيله بعد جنازة والدته مباشرة، غير مخلف وراءه
من أثر سوى شائعات طال هذرها، راح الأب المكلوم بماله يتشيث بأذيالها،
وقد ملَ من استجوابي عن مكان اختفائه... مجنونا يهيم في الشوارع،
يتعثر بخطى هذيانه، يتساقط من جيوبه المهترئة شيئا من النقود التي
استلبها دفعة واحدة تلك المرة من مخبأ والده السري في الدار، أو تاجرا
يجني من الأرباح ما لم يحققها الكهل طيلة حياته، رغم كل ما حظي به من
دهاء.. كنت بدوري أصدق تلك الشائعات حينا و أسخر منها أحيانا أخر، و
لكن ما أكاد أتيقن منه أنني سوف ألتقيه من جديد.. أين، متى، في أي ظرف
وأية هيئة ؟... أسئلة متتابعة، لا تنفك حلقاتها عن التدحرج على عتبات
السنين. |