الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد :(959) الاحد 13 ربيع الاول 1431هـ/28 شباط 2010م

دراسات

عقائد الامامية

كتاب في حلقات

الشيخ محمد رضا المظفر

الحلقة الخامسة والعشرون والاخيرة

الفصل الخامس

 43 - عقيدتنا في البعث والمعاد

نعتقد أن الله تعالى يبعث الناس بعد الموت في خلق جديد في اليوم الموعود به عباده ، فيثيب المطيعين ويعذب العاصين وهذا أمر على جملته وما عليه من البساطة في العقيدة اتفقت عليه الشرائع السماوية والفلاسفة ، ولا محيص للمسلم من الاعتراف به عقيدة قرآنية جاء بها نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن من يعتقد بالله اعتقادا قاطعا ويعتقد كذلك بمحمد رسولا منه أرسله بالهدى ودين الحق لا بد أن يؤمن بما أخبر به القرآن الكريم من البعث والثواب والعقاب والجنة والنعيم والنار والجحيم ، وقد صرح القرآن بذلك ولمح إليه بما يقرب من ألف آية كريمة . وإذا تطرق الشك في ذلك إلى شخص فليس إلا لشك يخالجه في صاحب الرسالة أو وجود خالق الكائنات أو قدرته ، بل ليس إلا لشك يعتريه في أصل الأديان كلها وفي صحة الشرائع جميعها .

 44-عقيدتنا في المعاد الجسماني وبعد هذا ، فالمعاد الجسماني بالخصوص ضرورة من ضروريات الدين الاسلامي ، دل صريح القرآن الكريم عليها ( أيحسب الانسان)

أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) " القيامة : 3 " ( وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا إنا لفي خلق جديد ) " الرعد : 5 " ( أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد )

وما المعاد الجسماني على إجماله إلا إعادة الانسان في يوم البعث والنشور ببدنه بعد الخراب ، وإرجاعه إلى هيئته الأولى بعد أن يصبح رميما .

ولا يجب الاعتقاد في تفصيلات المعاد الجسماني أكثر من هذه العقيدة على بساطتها التي نادى بها القرآن ، وأكثر مما يتبعها من الحساب والصراط والميزان والجنة والنار والثواب والعقاب بمقدار ما جاءت به التفصيلات القرآنية .

( ولا تجب المعرفة على التحقيق التي لا يصلها إلا صاحب النظر الدقيق ، كالعلم بأن الأبدان هل تعود بذواتها أو إنما يعود ما يماثلها بهيئات ، وأن الأرواح هل تعدم كالأجساد أو تبقى مستمرة حتى تتصل بالأبدان عند المعاد ، وأن المعاد هل يختص

بالانسان أو يجري على كافة ضروب الحيوان ، وأن عودها بحكم الله دفعي أو تدريجي . وإذا لزم الاعتقاد بالجنة والنار لا تلزم معرفة وجودهما الآن ولا العلم بأنهما في السماء أو الأرض أو يختلفان . وكذا إذ وجبت معرفة الميزان لا تجب معرفة أنها ميزان معنوية أولها كفتان ولا تلزم معرفة أن الصراط جسم دقيق أو هو الاستقامة المعنوية والغرض أنه لا يشترط في تحقيق الإسلام معرف أنها من الأجسام . . . )

نعم إن تلك العقيدة في البعث والمعاد على بساطتها هي التي جاء بها الدين الاسلامي ، فإذا أراد الانسان أن يتجاوزها إلى تفصيلها بأكثر مما جاء في القرآن ، ليقنع نفسه دفعا للشبه التي يثيرها الباحثون والمشككون بالتماس البرهان العقلي أو التجربة الحسية - فإنه إنما يجني على نفسه ويقع في مشكلات ومنازعات لا نهاية لها .

وليس في الدين ما يدعو إلى مثل هذه التفصيلات التي حشدت بها كتب المتكلمين والمتفلسفين ، ولا ضرورة دينية ولا اجتماعية ولا سياسية تدعو إلى أمثال هاتيك المشاحنات والمقالات المشحونة بها الكتب عبثا والتي استنفدت كثيرا من جهود المجادلين وأوقاتهم وتفكيرهم بلا فائدة .

والشبه والشكوك التي تثار حول تلك التفصيلات يكفي في ردها قناعتنا بقصور الانسان عن إدراك هذه الأمور الغائبة عنا والخارجة عن أفقنا ومحيط وجودنا والمرتفعة فوق مستوانا الأرضي ، مع علمنا بأن الله تعالى العالم القادر أخبرنا عن تحقيق المعاد ووقوع البعث .

وعلوم الانسان وتجربياته وأبحاثه يستحيل أن تتناول شيئا لا يعرفه ولا يقع تحت تجربته واختباره إلا بعد موته وانتقاله من هذا العالم عالم الحس والتجربة والبحث ، فكيف ينتظر منه أن يحكم باستقلال تفكيره وتجربته بنفي هذا الشئ أو إثباته ، فضلا عن أن يتناول تفاصيله وخصوصياته ، إلا إذا اعتمد على التكهن والتخمين أو على الاستبعاد والاستغراب ، كما هو من طبيعة خيال الانسان أن يستغرب كل ما لم يألفه ولم يتناوله علمه وحسه ، كالقائل المندفع بجهله لاستغراب البعث والمعاد ( من يحيي العظام وهي رميم ) . ولا سند لهذا الاستغراب.

إلا أنه لم ير ميتا رميما قد أعيدت له الحياة من جديد ، ولكنه ينسى هذا المستغرب كيف خلقت ذاته لأول مرة ، ولقد كان عدما ، وأجزاء بدنه رميما تألفت من الأرض وما حملت ومن الفضاء وما حوى ، من هنا وهنا ، حتى صار بشرا سويا ذا عقل وبيان ( أو لم ير الانسان إنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه).

 

 

الإسلام.. بين العنوان والمضمون

اسرة البلاغ

تختلف الأسماء من حيث انطباقها على المسمّى، وصدق تعبيرها عنه اختلافاً كبيراً حسب الكيفية التي وضع بها الإسم عنواناً للمسمّى، والطريقة التي أطلق فيها للدلالة عليه.

إذ قد يطلق الإسم تارة على المسمّى إطلاقاً إرتجالياً، بلا مناسبة بينهما، ولا دلالة حقيقية في الإسم تدلّ عليه.. كما هو الحال في كثير من الأسماء والعناوين والأوصاف التي نتعامل معها يومياً، ونلتقي بها كثيراً..

مثال ذلك الشخص الذي نسمّيه خزعلاً.. فنحن بتسميتنا لهذا الشخص لم نراع العلاقة الحقيقية بين الإسم الذي نطلقه على هذا الشخص، وبين الحقيقة المتجسّدة فيه.. فخزعل في لغة العرب هو الضبع، ولا علاقة بين ذات الإنسان وماهيّة الضبع.. ومع ذلك فنحن نطلق هذا الاسم على أفراد النوع الإنساني، بلا علاقة حقيقة، ولا مناسبة بينهما.. فيكون اختيارنا لهذا الاسم، واطلاقنا له اختياراً مرتجلاً، وإطلاقاً بلا مناسبة، ولا دلالة حقيقة تعبّر عن ذات المسمّى.

وقد يطلق الاسم تارة أخرى على المسمّى، وقد اختير اختياراً دقيقاً، ووضع وضعاً صادقاً بشكل يجعل من المسمّى أو المضمون والمحتوى المندرج تحت هذا الإ سم، أو المصطلح، حقيقة كلّية تنطوي في صيغة هذا الاسم والعنوان، وتكمن في أرجائه.

وهكذا فعل القرآن حينما اختار اسم "الإسلام" عنواناً لشريعة سيد المرسلين محمّد(ص) وإسماً لمطلق الخضوع والعبوديّة لله وحده.. فالقرآن بفصاحته، وبلاغته، وعمق تعبيره، ودقة اختياره للكلمة، والمفهوم، والأسلوب.. لا يمكن أن يكون إلاّ دقيقاً حينما اختار هذا الإسم عنواناً عالماً لهذا الدين.. وإلا معبّراً في اختياره هذا أصدق التعبير عن واقع هذا الدين وحقيقته.. لذا فقد جاء هذا الاختيار القرآني دقيقاً وشاملاً بشكل حافظ على التناسب والارتباط بين منهاج الشريعة وأهدافاً من جهة، وبين الاسم "الإسلام" الذي سمّيت به الشريعة من جهة أخرى.

ونستطيع أن نكتشف هذه العلاقة القائمة بين الشريعة وبين مضمونها وأهدافها إذا عدنا إلى قواميس اللغة أولاً، وعرفنا أنّ كلمة "الإسلام" تعني في لغة العرب الخضوع والاستسلام.. ثم انتقلنا (من قواميس اللغة) إلى محتويات الشريعة.. العقائدية، والتشريعية، والتوجيهية، وقمنا بدراستها وتحليلها واستنتجنا من خلال ذلك أنّ هذه البنية الدينية بكامل وحدتها تستهدف (الخضوع والاستسلام لربّ العالمين، والتحرر من كلّ خضوع واستسلام لطواغيت البشر، وخرافات الوهم).

فإذا قمنا بمثل هذه المتابعة والإستقراء، استطعنا أن نكتشف السرّ الكامن في العلاقة بين عنوان الشريعة وهويتها، المناسبة التي دعت القرآن إلى نقل هذه الكلمة "الإسلام" من معناها اللغوي إلى وضعها الاصطلاحي، واعطائها دلالة شرعية خاصّة.

واستطعنا أن نستنتج أيضاً أنّ هذا الإ سم دالّ على مسمّاه "الدين" وأنّ التطابق دقيق بين العنوان والحقيقة العقائدية والتشريعيّة المنطوية تحته.

وإنّ هذا الدين لم يسمّ "بالإسلام" إلاّ لأنّه منهاج الاستسلام والخضوع لربّ العالمين، ودعوة الخلاص والتحرر من كلّ عبوديّة، وضع الإنسان قيدها في عنقه.

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوراةِ وَالإنجِيلِ يَأمُرُهُم بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلاَ لَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِك هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

 

 

التعددية الثقافية في التاريخ الاسلامي

د. احسان الأمين

مع غضّ النظر عن التاريخ السياسي الاسلامي، والذي كان في الأعم مفروضاً بالقوّة، ولم تكن الوحدة فيه عاملاً ذاتياً وطبيعياً، واختلف الأمر فيه من وضع لآخر عبرَ الأزمان المختلفة، ممّا لا يمكن اكتشاف قاعدة كلِّية منه، لأنّه أساساً لم ينطلق من قاعدة كلِّية أو أساس واحد.. بغضّ النظر عن هذا الجانب، فإنّ تجربة التاريخ الاسلامي الثقافية تجربة غنيّة وواسعة، تحمل عُمقاً وأصالة وشمولية، ممّا تتطلّب تأمّلاً وبحثاً ودراسة. انبعث الاسلام في الجزيرة العربية التي كانت تحيط بها آنذاك من كل جانب كيانات سياسية عملاقة، وأصبح الاسلام بعد سنين قليلة من انطلاقه على تماس مع ما تحمله الحضارة الرومانية والحضارة الفارسية، بكل تراثهما الفلسفي وبكل أوضاع بلادها السياسية وتعقيدات التركيبة الاجتماعية الطبقية لكلا الدولتين العظميين في العالم آنذاك.

وكان الاسلام منذ نشأته على تماس مباشر مع التراث الديني المسيحي واليهودي، إذ إنّ أتباع الديانتين الكُبريين في العالم آنذاك، كانوا يقطنون نفس يثرب ـ مدينة الرسول وعاصمة الاسلام الاُولى ـ ويحيطون بها، وكان هؤلاء يشكِّلون أهمّ القوى السياسية والاجتماعية والثقافية الفاعلة في المدينة، بالاضافة إلى قبائل الأوس والخزرج، والذين لم يكن لهم العمق الثقافي لأتباع الديانتين المذكورتين، ولذا انصبّ جلّ اهتمام الآيات القرآنية النازلة في المدينة على مناقشة أصحاب الكتاب وشكّل الحوار معهم الجزء الأكبر للسوَر المدنية.

وكانت أيضاً على أطراف الجزيرة بقايا حضارتين كبيرتين، كانت لهما مدنيّتان عظيمتان، وهما حضارة الفراعنة بمصر والحضارة السبئية في اليمن، وقد تعرّض القرآن الكريم في مواضع عديدة لذكر تلك الحضارتين واستعرض طرفاً من قصصهما، خصوصاً الفراعنة.

كما إنّ الجزيرة في الشمال تمتد إلى وادي الرافدين وبلاد الشام، وهما مهد أعرق الحضارات القديمة ومهبط ومرسى الأنبياء الكبار، وكان سكّان الجزيرة منذ القِدَم في حركة مستمرّة للتجارة وغيرها شمالاً وجنوباً في رحلة الشتاء والصّيف، كما كانت الجزيرة تستقبل أعداد الوافدين إليها من سكّان البلاد المجاورة.

ولم تكن الجزيرة خلواً من الحضارة أو تعيش حالة الفراغ الثقافي، كما يتصوّر البعض، فرغم حالة الجاهلية العصبية التي واجهها الاسلام عند مجيئه، إلا أنّ الجزيرة كانت تحمل تاريخاً وضّاءً، فهي تحتضن البيت الحرام الذي رفعه ابراهيم واسماعيل(ع)، وأصبح منذ ذلك الحين مثابة للناس، وأسكن ابراهيم أهله ـ هاجر ـ وإسماعيل ومن ثمّ ذرِّيّتهما مكّة، واستجاب الله تعالى دعوته، فجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم.

إلا أنّ صفحات التاريخ تلك، الناصعة بالإيمان ودعوة التوحيد، كانت قد غابت عن الجيل الجاهلي الذي عاش العصبيات والأحقاد والجهل والشرك، ولم يستحضر وعي الجزيرة التوحيدي المتّصل بالدعوة الابراهيمية العظيمة، لذا فإنّ القرآن الكريم استحثّ العرب لاستعادة مجدهم وموقعهم في توحيد الله والدعوة إليه، وسعى لاثارة الكوامن الثقافية والتراث الرسالي المتراكم في دعوة ابراهيم واسماعيل(ع)، وكانت حركة الاسلام من تجلِّيات ذلك الحضور الابراهيمي، فكان الرسول الكريم محمّد (ص) يُردِّد: "أنا دعوة أبي ابراهيم".

وإذا كانت اللغة وسيلة التعبير عن الفكر والثقافة، فإنّ امتلاك العرب آنذاك لأرقى مستويات الشعر وأبدع ألوان البيان، وفّر بلا شك للاسلام وسيلة فعّالة ولغة مرنة فيها من البلاغة والفصاحة ما يجعلها قادرة على استيعاب المعاني العظيمة التي جاءت بها الرسالة الجديدة في أجمل تصوير وأروع تعبير.

وعوداً على بدء، فإنّ الاسلام جاء لمجموعة بلاد كانت محور الحضارات الدينية والمدنيّات الكبيرة في العالم، ورغم أنّ الاسلام دخل هذه البلاد فاتحاً، وحمل معه فكراً جديداً وعملاقاً، إلا أنّه لم يلغِ ثقافة الشعوب ولم يبطل كل ما في أيدي الناس من تراث وثقافة وفن وأدب، بل سرعان ما انفتح على غيره، مؤثِّراً ومتأثِّراً، وسرعان ما أخذ المثقّفون السابقون موقعهم الرائد في الحضارة الجديدة، واستمرّت الفنون والآداب والفلسفة والثقافات السالفة في حركتها ونموّها مع فارق واحد أنّها انطلقت هذه المرّة بقوّة وعُمق لتصل إلى أوجها وعُلاها، فالاسلام جاء لتحطيم الأوثان وتحرير الانسان، وبالتالي فإنّه قد كسّر الحواجز أمام الفكر الانساني، وأزاح الغبرة من عقول الناس، وبعث فيهم روحاً وثّابة وخلاّقة لا تكتفي بالنظر في النفس، بل تتطلّع إلى الآفاق البعيدة، وتطمح حتى إلى النفوذ في أقطار السماوات النائية.

فأولدَ الدين الجديد ثورة حقيقية في الفكر، ونهضة واسعة في العلوم، وارتقاءً رائعاً في الآداب والفنون.

وهكذا وجدنا ونجد تجلِّيات الفن الاسلامي من الشرق إلى الغرب، رائعاً وجميلاً وساحراً ومعطاءً، رغم حمله ألوان سائر الشعوب التي يمرّ بها ورغم تأثّره بسائر التراث الذي ورثه، إلا أنّه عبّر بلغةٍ محلِّيةٍ جميلةٍ عن معانٍ عالمية سامية.

كما نجد أنّ النثر الهندي والشعر الفارسي والتراث الثقافي التركي والفولكلور الأفريقي والعمارة المغربية، قد بلغت أعلى مراتب رقيّها وجاذبيّتها ونهضتها في ظلِّ الحضارة الاسلامية التي وفدت لا لكي تلغي الانسانية بل لتكرِّمها بحفاوة إلهية كريمة وتسمو بها في مراقي التعالي الربانية الخالدة.

إنّ نظرة عابرة إلى التاريخ العلمي والثقافي والأدبي لبلاد الاسلام، تعطينا فكرة عن الطفرة العملاقة التي أحدثها الاسلام في الارتقاء الفكري لهذه البلاد وحجم النهضة العلمية والثقافية التي أولدها في شعوبها بالشكل الذي قد نلمح أحياناً وكأنّ النهضة الفكرية في تلك البلاد قد بدأت بدخول الاسلام فيها، وأنّ تلك الاُمم أنجبت جيلاً من عظماء الشعراء والأدباء والفلاسفة والعلماء، بعدما قبلت الدين الجديد وتفاعلت مع أفكاره الوثّابة ومبادئه الناهضة.

كما إنّ نظرة أخرى إلى مسيرة هؤلاء العظام مفكِّرين وأدباء وعلماء، واختلاف مواطن نشأتهم وتطوّر فكرهم وتمايز آرائهم وحركة النقد الفكري التي عاصروها وعناوين الأبحاث والكتب التي سطّروها والانجازات التي حقّقوها.. إنّ نظرة إلى كل هذا تبيِّن لنا المدى الواسع الذي أعطاه الاسلام لحرِّية الفكر والمجال الخصب الذي وفّره لبروز الأفكار وتلاقح الآراء، وهي تؤكِّد حقيقة وسعة رحابة الفكر الاسلامي لتعدّدية الآراء، وعدم تعارض فكر الوحدة عند المسلمين مع تنوّع الثقافات وتمايز المجتمعات وتكثّر الآراء والأفكار.

إنّ الدارس لأفكار ابن مسكويه وكتابات ابن سينا وآراء الرازي ونظريات الكندي أو آثار ابن رشد وردود الغزالي وفلسفة الشيرازي.. إلخ، إنّ الدارس لآثار وأفكار هؤلاء، يجد تنوّعاً وتعارضاً وتوسّعاً وتمايزاً بينها بمساحة قد نفتقدها اليوم في الكثير من بلداننا، ولعلّ تلك الأجواء الحرّة في التفكير والمساحة الواسعة في حرِّية التعبير كانت أحد العوامل الأساسية التي كانت وراء تلك النهضة الكبيرة التي شهدتها بلاد المسلمين.

كما إنّ النموّ والتطوّر الهائل الذي شهدهُ الشعر والأدب لسائر لغات الشعوب التي تمازجت مع الاسلام، تعطينا وثيقة أخرى على أنّ الاسلام ليس لم يلغِ خصوصيات الشعوب وتراثها الخاص فحسب، بل هيّأ الأجواء لبروزها وارتقائها بمفاهيم إنسانية رفيعة وآفاق معنوية عالية.

إنّ الاسلام أراد للناس أن يلتقوا على أفكار نيِّرة أساسية قائمة على المعروف ومعارضة للمنكر وداعية للايمان بالله تعالى، وإقامة العدل والانصاف ونفي الشِّرك والظّلم والإجحاف.. ووضع قواعد وقوانين أساسية لذلك، وترك مساحات واسعة للابداع الانساني والتنوّع البشري.

إنّه أراد لكل الناس، على اختلاف مشاربهم وفضائلهم، أن يلتقوا في حبِّ الخير وأن يتسابقوا في فعل الخيرات.

المصدر: كتاب الإسلاميون على أعتاب القرن الحادي والعشرون

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق