الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد:(960) الاثنين 14 ربيع الاول 1431 هـ/1 اذار 2010

الثقافية

جمالية قصيدة النثر

عصمت النمر

كيف يمكن التحدث عن جمالية نوع يرفض تحديد “مسبق” ويمقت أكثر ما يمقت أن يصنف أو يخضع لمعايير جمالية أو غير جمالية بأعتبار أن قصيدة “النثر” مبنية على أتحاد المتناقضات ليس فى شكلها فحسب ,وانما فى جوهرها كذلك(نثر-شعر)(حرية-قيد)(فوضوية مدمرة-فن منظم). ومن هنا يبرز تباينها الداخلى, وتتبع تناقضاتها العميقة والغنية من توترها الدائم وحيوتها. أذا أنطلاقا من أزدواجيةقصيدة النثر الذى هو “نثر” و”شعر” فى آن واحد لنتبين أن الأزدواجية تلتقى مع أزدواجية أكثر تعقيدا فى الرغبة فى التخلص من القوانين الشكلية والرغبة فى خلق شكل , وكيف أن قصيدة النثر تأتى أخيرا بصيغة مزدوجة طبقا لسيطرة الفردية الفوضوية أو سيطرة الأرادة الفنيةللسعى للتوصل الى شكل فنى آخر يحمل فى طياته طابعا للتمرد الأنسانى ومالهذا التمرد من قوة خلابة.

المبدء المزدوج لقصيدة النثر

ولدت قصيدة النثر من رغبة فى التحرر والانعتاق من تمرد على التقاليد المسماه "شعرية" وعروضية وعلى تقاليد اللغة وكان المطلوب آنذاك قصل "الشعر" عن"فن نظم السعر" والبحث عن أيقاع نثرى تستمد منه قصيدة النثر نتائج شعرية جديدة تماما.

فالنثر على نقيض الشعر يمقت القوالب الجاهزة تماما والأيقاعات المفروضة عليه من الخارج , وسوف تمضى قصيدة النثر هاربة من "الشعر" داخل النثر" ومن التراكيب البلاغية والسمات المنطقية المفخمة,ووقصيدة النثر بحكم مرونتها ستكون بمقدرتها منح الفكرة الشعرية الحق فى أن تخلق شكل تطورها وقدرتها على أستيعاب مفردات طازجة وتسمية الأشياء بأسمائها بجانب أن قصيدة النثر بجانب أن قصيدة النثر لأنها مكتوبة نثرا قد أغنت الشاعرية ببضع صيغ جديدة لا يمكن قبولها بسهولة فى فن نظم الشعر الكلاسيكى ولا تنسى أن القصيدة ستفرض قوانينها العضوية على ذلك النثر فى أختيار مفرداته وتراكيبه واسلوبه أيضا.

قصيدة النثر بين أزدواجية التنظيم الفنى والفوضى المدمرة..

الشاعر التقليدى دائما ما يبحث عن فرض بنية منتظمة وعقلانية عن طريق المقاطع الشعرية النظامية والبناءات الدورية ,لا يقصد الى أهداف أخرى غير أهداف الشعر شعرا-أما الشاعر النثرى فهو متمرد على كيان الأشياء وقوانين اللغة والتأليف والعقل آملا الى الرغبة فى صياغة حلمه الأزلى من خلال تشابك الحواس كلها يوحدها ويفرض عليها نظاما يرتبط بالبناء الداخلى لعالم تلك الكلمات الذى هو أبداعة وأنعكاسه فى آن واحدحالما بصياغة فنية هى "القصيدة-الأشراق.جاهدا الى اعادة اللغة الى منابعها الحيوية وتغيير شكلها وأعادة صهرها حتى تكف عن الخداع والمرواغة.فالحقيقة أن عصرنا تهزه أسوء التشنجات والمبدع مطالب أن يجد له توازنا جديدا عن هزات وتمزقات تضع وجوده نفسه فى خطر وهو بالتأكيد ليس عصرا مناسبا للتناسق والهندسات الراسخة والشعراء الذين يعبرون حقا عن عصرناهم شعراء القطيعة والتمرد ويعكس عالمنا الذى أستحق أكثر من أى وقت مضى صفة "العبث" الكامنة فى تلك المؤلفات العابثة السحرية ,غير المتلاحقة التى يقدمها لنا النثر بوفرة زذ على ذلك أن ميدان "قصيدة النثر"يتجه الى البحث عن الشعر فى كل مكان وربما خارج القصيدة محاولا خلق تنظيم أرادة فنيه تسمح لها أن تتخذ شكلا وتصبح كائنا موضوعا فنيا.أن الشعراء حينما يأتون الى النثر بعد ماكتبوا بالشعر فأنهم لا يأتون اليه رغبة فى أن يمنحوا أنفسهم تسهيلات أكثر. وانهم فى الأقل قد قدموا البرهان بأنهم قادرين على الكتابة بالشعر -هم على وحه الدقة كانوا يحتاجون الى أن يغيروا لغتهم كى يتكاملوا باذلين جهدا حقيقيا لخلق لغة شعرية جديدة تستجيب لحاجات أخرى غير الشعر.

 

 

الادباء والكتاب العراقيون يغزون معرض القاهرة الدولي للكتاب ؟

صلاح النبراس

العراقيون هم اقدم حضارة وهم اول من علموا الانسان الكتابة من خلال الرقم الطينية في عصر الحضارة البابلية.

اليوم العراقيون يكتبون ويطبعون ثقافتهم وادبهم وعلمهم وافكارهم لينشروا ثقافتهم ومعرفتهم بالعالم.

 بالأمس في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب بالمانيا وكذلك في معارض بيروت ودمشق الدوليين واليوم يرفعون علم العراق عالياً ليرفرف في السماء فوق سارية معرض القاهرة الدولي للكتاب.

بعد قطيعة سنوات طوال عن المشاركات العربية والدولية عادت وزارة الثقافة ممثلة بدار الشؤون الثقافية العامة لتثبت وجودها وإسهامها القوي في الأنشطة والمهرجانات الثقافية والفكرية والعلمية والادبية والفنية والمسرحية.

فجاءت الدورة ( 42 ) من معرض القاهرة الدولي للكتاب لتمنح ( دار الشؤون الثقافية العامة) المجال الأوسع في الإعراب عن نجاحها وتألقها في مجالات عدة.

كان للوفد العراقي الذي ترأسه السيد نوفل أبو رغيف المدير العام للدار حضوراً متميزاً فالجناح العراقي في المعرض ضم ( 1000 ) عنوان متنوع بين السلاسل القديمة والحديثة واخر اصدارات العامين 2008 و2009 فسلسلة اكاديميون جدد ، بصمات ، منابع ، سرد ،علم واثر ، الموسوعة الثقافية ، وفاء ، عودة النص ، .. الخ والتي اثبتت نجاحها رغم حداثتها وقصر فترة صدورها ، بالاضافة الى مجلات الدار المرموقة والعريقة التي يصدّرها المعرض ( الاقلام ، المورد ، التراث الشعبي ، الثقافة الاجنبية).

فالتطور الكبير الذي شهدته إصدارات الدار في مجال تناول الموضوعات والمعالجات الثقافية لشتى الصنوف الأدبية والاجتماعية والعلمية بدا واضحاً في طبيعة الكتب المعروضة ولم تقتصر مساهمة الدار على المعرض المقام بل شمل فعاليات مختلفة ، انه مهرجان بل عرس الثقافة العراقية نُشرت افراحه في كل المنتديات الثقافية المصرية ، فكان لهذه الدار دوراً كبيراً في التفاعل واللقاء بدور النشر العربية المساهمة في المعرض ( الرسمية والاهلية ) على حد سواء وتبادل المعرفة مع أصحابها وذوي  الخبرات الطباعية والفنية وعقد جلسات نقاش وحوار معهم لمعرفة أحدث طرق صناعة الكتاب من اجل الارتقاء بمستوى المطبوع العربي والنهوض بواقع النتاج الثقافي كنوع من التجديد والتغيير.

ان التعاون مع مؤسسات ودور نشر عربية عريقة في عملها يمنح هذه الدار بعداً حضارياً متميزاً ويضعها إمام تحدي أخر بعد ان تخطت دار الشؤون شوطاً كبيراً في مضمار العمل الثقافي.

فمؤسسة إخبار اليوم ودار الأهرام ودار النهضة والجمل والحضارة ودار مدبولي للنشر كلها دور نشر أسهمت في معرض القاهرة الدولي للكتاب وكانت على تماس مباشر مع دار الشؤون الثقافية بيد ان جناح دار الشؤون لاقى إقبالا وحضوراً واسعاً من قبل المثقفين العرب والجالية العراقية في القاهرة وجمهور القراء بشكل عام.

من جهة أخرى نظم الوفد العراقي ندوة عن صناعة الكتاب العراقي وأسلوب تطوره فنياً وتقنياً ضمت العديد من الشعراء والصحفيين والمثقفين والكتاب والمعنيين بالشأن الثقافي لتوضيح آليات الارتقاء بالكتاب وتصميمه وإخراجه الطباعي ودراسة أحدث الوسائل والطرق لتسويق المنتوج الثقافي وبصورة تتلائم مع حجم الإنتاج وإمكانية الإفادة من خبرات المؤسسات ودور النشر العربية في هذا المضمار.

وفي ضوء تكريم المبدعين العراقيين في الخارج كان للدار أسهاما بتكريم الموسيقار العراقي المعروف ( نصير شمة ) كنوع من الاهتمام بكل فنان عراقي وضع بصمة مضيئة وترك اثر في تاريخ الثقافة والفن العراقي الأصيل.

كذلك أحيا الشاعر ( نوفل ابو رغيف ) أمسية شعرية في اتيلية القاهرة شاطره فيها الشاعر المصري ( احمد بخيت ) وحضرها عدد من النقاد ومتذوقي الشعر وجمهور غفير.

في حين ازدانت هذه الفعاليات بتغطية إعلامية خاصة قامت بها قنوات فضائية عراقية وعربية وحققت نجاحاً باهراً في نقل الحدث واقتناص المعلومة والفكرة الإعلامية المرجوة من هذه الأنشطة ، فقنوات مثل الشرقية ، البغدادية ، الحدث ، أفاق ، النيل ، المصرية ، المصرية الثقافة ...الخ كان لها دوراً أساسيا في هذا المحفل بالإضافة الى اللقاءات التي نظمتها هذه الفضائيات مع مسؤولي الجناح العراقي وبقية الأجنحة الخاصة بالدول المشاركة والبالغ عددها ( 31 ) دولة.

وبالعودة الى مساهمات دار الشؤون الثقافية الأخيرة ( عربياً ودولياً ) نجد ان هذه المؤسسة المعنية بالكتاب والمطبوع العراقي ظلت تبحث وتكافح طوال  السنوات الماضية من اجل الرجوع إلى الحاضنة العربية والدولية ونفض غبار العزلة الثقافية عنها والإعلان عن تمسكها برسالتها الثقافية وفكرها الحر المتنوع رغم كل الصعاب فكانت لها مشاركات فعلية خلاقة في معارض دولية للكتاب كمعرض فرانكفورت الذي نظم في خريف العام الماضي ، وحقق فيه المطبوع العراقي تواجداً حقيقياً وفعالاً وترك انطباعاً قيماً لدى المثقفين الأجانب والعرب ، كذلك سبقت هذا المعرض اسهامات عديدة في معارض أقيمت في بيروت ودمشق ومهرجان الأسبوع الثقافي في طهران.

وتأتي إعمال معرض القاهرة الدولي للكتاب مكملة بل هي باكورة عمل وفاتحة جديدة لإنجاز أخر في عام جديد.

فزيارة الوفد العراقي لأكاديمية إخبار اليوم والتعرف على طبيعة عمل هذه المؤسسة ثم الاتفاق على إرسال كوادر عراقية لتدريبها بعد اتفاق الحكومتين العراقية والمصرية كل هذه الخطوات تدعم العمل الثقافي وترفده بالخبرة والمعرفة العلمية الرصينة.

ختمت فعاليات هذا المعرض بتكريم خاص قدمه الشاعر نوفل أبو رغيف مدير عام دار الشؤون الثقافية للأدباء والشعراء والكتاب العراقيين المتواجدين في القاهرة تضمن جلب مخطوطات أعمالهم الإبداعية لغرض طبعها في مطابع الدار وضمن سلسلة تواصل وإعادة طبع بعض الكتب الصادرة عن هؤلاء المثقفين.

حفل معرض القاهرة الدولي بحضور السيد محمد حسني مبارك رئيس جمهورية مصر العربية الذي افتتح أعماله وزار الجناح العراقي كذلك زارت شخصيات سياسية وثقافية معروفة المعرض وأبدوا إعجابهم وسجلوا ثناءهم على المطبوع العراقي منهم وزير الأعلام المصري ونائب الرئيس السوداني ، ومن المثقفين المشاركين في المعرض د. عبد الحسين شعبان والناقد جابر عصفور والناقد خضير ميري والشاعرة ريم قيس كبة والشاعر صلاح نيازي والشاعرة رنا جعفر والشاعرة السورية انتصار سليمان.

وبعد هذا نقول تبقى المهرجانات والملتقيات الثقافية والمؤتمرات والمعارض أحدى الأبواب المفتوحة إمام المثقفين بشتى صنوفهم وإمام دور النشر والطباعة والمؤسسات الثقافية لتقديم أحدث التطورات وتبادل الخبرات والآراء المختلفة ولتحقيق الهدف الأسمى للارتقاء بالمطبوع والقارئ والمثقف بشكل عام.

 

 

قصة قصيرة

 شيء من هذا القبيل

عصام القدسي

لا ادري مالذي أوصلني الى ذلك المكان، فحتى هذه اللحظة أظن إن ما حدث فعلا فبسبب مصادفات غريبة جرت كالكابوس . وأحيانا أخرى أتوهم أن لاشيء حصل مما أرويه أساسا وان المسألة برمتها مجرد  خيالات مريضة تسببت بها تلك الحبة التي سقاني إياها صديق المدرسة(ج) الذي صار في الأيام الأخيرة يحمل في جيبه أشياء يدعي إنها من " بلاد بره" وإنها ما أن يتناولها الشخص حتى يصبح في عالم مختلف، عالم جميل من المرح والنشوة. والحقيقة ليست كما يدعي صاحبي فما يحدث للمرء، خدر وخيالات غريبة وهلوسة تصيب الحواس ورغبة بالضحك.لقد خدعني حين ألح علي بتناولها ،ولما تحرك مفعولها وسرى في راسي وأعضائي ظننت إن آفة ما أصابتني وإنني بعد حين سأموت، فشتمته وتركته غاضبا ومشيت .

ارتقيت السلم نحو الطابق الثاني مرتبكا وسرت خطوات وتوقفت وكدت أعود من حيث أتيت لولا أنني رأيت المرأة ورائي ثم تسبقني وتفتح الباب بسرعة أذهلتني فأدركت أنها ربة البيت ، واطل برأسه رجل في الأربعين طويل القامة ضخم الجثة يرتدي "فانيلة" خضراء ولفتت انتباهي عيناه الجاحظتان ووشم صورة رأس طائر الفينيق على زنده المفتول.. أيعقل انه كان في انتظاري . رحب بي وهو يبتسم ويشير الى المرأة:

-إنها امرأتي وكاتمة أسراري

كان يحدثني كما لو كانت بيننا صداقة قديمة: ـ تفضل .. تفضل..

وأضاف : ـ ولكنك صغير..من اختارك للمهمة..؟! على كل حال ليس بالأمر المهم.

قلت ببلاهة : ـ أنا في السابعة عشرة.

دورت أفكاري فلم افهم عن أية مهمة يتكلم، فآثرت الصمت. أدخلني الصالة جلست على أريكة كبيرة واستأذن مني بابتسامة رقيقة ومضى الى عمق الشقة فرحت أجيل النظر بما حولي كان المكان هادئا ونظيفا ويدل على يسر حال ،كانت الصالة تضم طقما فخما من الأرائك ،ومعرضا للتحف والأواني واجهته زجاجية،. كان الجدار الذي يواجهني يفترشه جلد خروف مدبوغ وفوقه ساعة ذهبية غريبة الشكل بلا عقارب فلازمني طوال وجودي في الشقة سؤال عن جدوى مثل هذه الساعة وانشغلت أبحث عن مغزى ذلك . جاء مضيفي يحمل لي كأس عصير وقدم لي سيجارة والابتسامة لا تفارق وجهه. أخذت العصير، والسيجارة رغم أنني لا أدخن وشربت العصير دفعة واحدة فأحسست بمعدتي تنقلب وبرغبة بالتقيؤ وأخذت أنفاسا متواصلة من السيجارة فتلبس راسي صداع فظيع أردت أن انهي هذه المهزلة بأي ثمن حتى لو تناولني الرجل لكما ورفسا وعزمت على أن أوضح  للرجل ملابسات الأمر فقلت : ـ الحكاية وما فيها..

فقاطعني وهو يبتسم ابتسامة عريضة حتى بدت نواجذه بيضاء مدببة:

 ـ اعرف كل شئ.

أصررت على الإيضاح ـ إن الغرض من مجيئي..

ـ وهذه المعلومة اعرفها أيضا.

فشعرت بالراحة أن التقي بصديق أتعرف عليه مصادفة رغم فارق السن. بعد دقائق نهض فجأة وابتعد الى المطبخ وعاد يضع أمامي فنجانا من القهوة واستل سيجارة وأشار بها إلي فاعتذرت ،فدسها في فمه وراح ينفث الدخان بنشوة واستمتاع. ورن جرس الباب استمهلني الرجل بإشارة من يده وذهب يفتح وعاد يتقدمه رجلان الأول شاب أنيق والآخر في الخمسين، صافحاني بحرارة وجلسا ومضى الثلاثة يتحدثون وأنا لا افهم شيئا مما يقولونه. ثم اخرج احد الرجلين خارطة وأشار بها الى مكان ما والتفت إلي وهو يربت على كتفي وقال ضاحكا:

 ـ العملية سهلة للغاية .. ستوقف السيارة هنا وتتركها وتضيع وسط الزحام وبعدها تسمع بوووووم..

ونظر الثاني الى وجهي.

 ـ هذا كل ما في الأمر . وقهقه عاليا بوحشية

وعاد مضيفنا يقول وهو يوحي لنا بالانصراف:

-التاسعة مساء موعدنا

وقبل أن ننصرف دس الرجل ذو " الفانيلة "  مبلغا في جيب سترتي تبين لي فيما بعد انه ورقتان من فئة المئة دولار وبدأت افهم ما يجري فأصابني هلع شديد كما لو أقف فوق لغم . وما أن أصبحت في الطريق حتى جريت بكل ما أوتيت من قوة وأنا مصمم على أن ابلّغ عما رأيته وسمعته ، كانت الدنيا قد أظلمت والقمر تطمسه الغيوم المحتدمة وهي تجري كوحوش غريبة في السماء ، والريح تعصف بشدة بهواء بارد كالصقيع ، والأشجار على جانبي الطريق تهرول معي وتوشوشني . توقفت عند صيدلية وأفكار مشوهة تتجاذبني كان الرجل مشغولا بتحضير دواء خلف الكواليس فلم استأذن ورفعت سماعة الهاتف وطلبت النجدة قلت بارتباك : ـ ألو أريد الإبلاغ عن..

ـ تكلم

شرحت للضابط الحكاية فقال وهو يتثاءب : ـ كلمني بعد ساعة..

وسمعته يشخر، فأدركت أنني أخطأت في طلب الرقم . والتفت الى الصيدلي الذي ظهر أمامي فرأيته بـ "فانيلة" حمراء ملطخة بالدم وعلى ذراعه وشم لصورة طائر الفينيق تطلع إلي بغضب وتمتم:

 ـ خائن أجفلت وأنا أحدق بالرجل:

ـ ماذا تقول!!

أجابني وهو يشيح بوجهه:

 ـ لا شئ .. لا شئ

 ثم همس:

ـ خائن.. خائن

عدت أجري وأنا أتلفت ورائي ومضت السماء ترعد والبرق بين لحظة وأخرى يمد سيفا براقا يقطع به الظلمة ،والغيوم تصطدم مع بعضها والريح تزمجر ثم نزل المطر قويا . أنهكني الجري وبدأت الهث توقفت قرب مقهى قديم دفعت بابه الموارب ودخلت بسرعة . جلست على إحدى أرائكه البائسة تلفت حولي فوجدت زبائن المقهى من الشباب وبعض المسنين كان الجميع مشدود الأنظار الى تلفاز صغير قديم جاءني العامل ووضع أمامي قدحا من الشاي ، حركت الملعقة الصغيرة بالقدح وأنا أشاهد نشرة الأخبار وأحداث الساعات الأخيرة وقفزت من مكاني وصرخت  حين رأيت انفجارا في المكان الذي خطط له الأشخاص الذين التقيتهم قلت مع نفسي ربما شكوا بأمري فأسرعوا بتنفيذ فعلتهم ، ومازلت اصرخ حتى رحت أهذي . قمت وهرعت الى مخفر الشرطة القريب ودخلته وأنا ارتجف والمطر عازم على إغراق البلدة..

قلت لعريف الشرطة : ـ أريد أن ابلغ عن عمل تخريبي..

قال بضجر : ـ انتظر ريثما يأتي مأمور المركز...

أردت أن أسأله متى يأتي. ولكنني خفت أن يكون معهم . فجلست انتظر . بعد قليل سمعت ضجة وصوت اصطفاق سلاح وأرجل لقد كان المأمور يمر بنجومه اللامعة من أمامي ألقيت عليه نظرة عابرة ولكن بصري انشد إليه  بقوة وتعلق به وهو يمضي الى غرفته وأحسست كما لو سيجارة مشتعلة تغرس في بؤبؤ عيني وطار صوابي وأنا أرى وجهه فقد كان الرجل ذو الوشم الذي استقبلني في الشقة وضابطان برفقته، هما ذلك الشاب الأنيق وصاحبه في الخمسين. خرجت اجري واجري.. في اليوم التالي حاولت أن أتذكر مزيدا من التفاصيل فلم اعرف ماذا حصل بعد ذلك ،وكيف عدت الى البيت ولا متى.. في الصباح أيقظتني أمي لأذهب الى المدرسة، فرحت اروي لها ما جرى بالأمس وأنا اشطف وجهي ، نظرت إلي بريبة وهمهمت:

ـ ها قد عدت الى أوهامك..

قلت لنفسي: " حقا ما أقوله لا يصدقه عاقل  ولاشك إن ما حسبته حصل هو وهم أصابني بفعل الحبة اللعينة التي أعطاني إياها ذلك الأحمق.

 ثم تجاهلت الحكاية برمتها.. في المدرسة  مددت يدي بجيب سترتي فعثرت على ورقتين من فئة المئة دولار فأصبت بالذهول وأخذت أفكر من جديد وابحث بتفاصيل الحادث.

 

 

رجل الريح

د. بان عاشور

كان يقف اخر مطاف الانتظار

في محطة من محطات القطار

على عكازة يتكيء

والريحخ تعصف باشلاء جسده

والمرض يتمشى في حدائق حلاياه

المرتابة في الحياة الممات

وجداني

كضوء في عتمة الذات

يومض برهة في برهة الليل

كصوت الرعد في الاعماق

يتسلق على اكتاف الصمت

او كطفل يعزف على قيثارة وحشة الروح

ونغمة الغريزة ونبرة صوته الحزين

تدق في اذني جرس الانين

وينتشي الحنين

ارى صورة امامي تكاد لا تبرح المكان

وساعةالزفاف

كل يوم وحين

رجل في الريح على عكازة يستريح

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق