|
السيميائيات ، بين غياب الريادة
وإشكالية التصنيف
خالد إبراهيم المحجوبي
فيما يتصل بالسيميولوجيا(السيميائيات) فقد ظهر ملامحها المنهجية أوائل
القرن العشرين وسط نشأة مزدوجة أوربية وأميركية في وقت واحد ، فقد ظهرت
بادراتها في أوربا مع فرديناند دو سوسير ، وظهرت في أميركا مع شارلز
بيرس ، ويرجح جيرار دولودال ، وغيره أن السبق الزمني كان لبيرس على
حساب سوسير ، وأن سيميولوجيا سوسير تأثرت بسيميوطيقا بيرس( ). وقد تولد
حماس الباحثين العرب الحدثاء لمباحث السيميائيات لا من خلال اطلاعهم
على تراثهم بل من اطلاعهم على مكتوبات اللسانيين واللغويين الغربيين ،
من فرنسا وأميركا خاصة ؛ فنشط في بحثها والكتابة فيها باحثون تركز
أهمهم -كماً وكيفاً- في المغرب العربي ، دون المشرق الذي تميز في مباحث
أخرى.
المفهوم:
في سياق النظر في التعاريف الموضوعة هنا كثيرا ما تقابلنا تعاريف فارغة
جوفاء يصدرها بعض الكتاب . بإزاء تعاريف عائمة غائمة أمام من رام تكوين
تصور جلي ، من ذلك قول الباحث النشط سعيد بن قراد : ((إن السيميائيات
في معناها الأكثر بداهة هي التساؤلات حول المعنى ، إنها دراسة للسلوك
الإنساني باعتباره حالة ثقافية منتجة للمعاني ، ففي غياب قصدية -صريحة
أو ضمنية - لا يمكن لهذا السلوك أن يكون دالاً أو مدركاً باعتباره يحيل
إلى معنى ))
وفي تعريف أوضح قال محمد بن عياد : ((السيميائية علم يعنى بدراسة انساق
العلامات ضمن الحياة الاجتماعية فمن جهة أولى فهي تركز على وصف مختلف
الأنساق العلامية ن ثم هي تركز من جهة ثانية على وظائفها )) ( )
إن اللغة في اتساعها وتعدد صورها ليست أكثر من كونها نسقاً سيميولوجياً
بمعنى أنها قناة موصلة للمعنى، وأداة تواصلية كحاسة اللمس ،والشم مثلاً
، لكن تبقى اللغة هي الأهم لأن (( كل الأنظمة العلامية تمر عبر اللغة
وهذا ما دعا [رولان بارت ] إلى اعتبار السيميائية جزءً من اللسانيات
،بدلا من أن تكون هذه جزءً من تلك
وعند دو سوسير تنقسم تلك الأنظمة العلامية إلى :
1-ما يعيد صياغة اللغة المنطوقة مثل
الخط الكتابي وهجاء الصم .
2- ما يصلح لإبلاغ التوجيهات كإشارات
المرور والإشارات العسكرية.
3- ما يصلح سنناً اجتماعياً محدداً
للعلاقة بين الأفراد والجماعات . كالطقوس الرمزية الملاحظ أنه استثنى
الفنون والأحلام والأزهار والطاقات المتبادلة وهو الأمر الذي تداركه
التحليل النفسي الحديث ( )
من أشهر وأجود تقسيمات العلامات :السيموطيقيا، تقسيم ميتز ،ونحوه
برنارد نوسان، فالعلامات هي : - علامات لسانية لفظية ،وهو الكلام
المنطوق وعلامات الكتابة الحروف .
- علامات غير لسانية ، وهي حركات
الجسد وأوضاعه وإشارات المرور والموسيقى والملابس
لقد اكتشف الإنسان الوجه الآخر للأشياء ، مجسدا في العلامات ، فمن
خلالها صار بإمكانه الحديث عن مطلوب غائب عن الحواس بواسطة ما يحل محله
أو يعوضه في الحضور والغياب على حد سواء ، بل أصبح بإمكانه الحديث عن
كائنات وأشياء هي من صلب الخيال وعوالمه ، لكنها أصبحت مع الوقت جزءاً
من ثقافته ، ومن موجودات عالمه منها يستمد صوراً دالة على القسوة أو
الهمجية أو الحنان أو الوداعة إن العلامة اختصار وتهذيب للوجود المادي
، وتعميم له إنها تمنحه حرية التحليق خارج إكراهات المراجع الجافة التي
لا تحيل سوى على نفسها .( )
لقد كونت العلامات والإشارات عوناً للغة فيما عجزت عن إيصاله وكونت
عوناً للإنسان المعبر فيما عجز عن تحصيله من المنجم المعجمي ، ليستعمله
في بث ونشر ما يمور في نفسه من شعورات و مواجيد .
يقول سعيد بن قراد :(كانت الغاية المعلنة والضمنية للسيميولوجيا هي
تزويدنا بمعرفة جديدة ستساعدنا لا محالة على فهم أفضل لمناطق هامة من
الإنساني والاجتماعي ظلت مهملة لوجودها خارج دائرة التصنيفات المعرفية
التقليدية ، وإن كل مظاهر الوجود اليومي للإنسان تشكل موضوعاً
للسيميائيات ، فالضحك والبكاء والفرح واللباس ،وإشارات المرور وكذلك
النصوص الأدبية ، كلها علامات نستند إليها في التواصل مع محيطنا)
السيميائيات وإشكالية التصنيف :
إن السيميائيات محوطة بإشكالية معقدة هي أنها غير محددة الجنس وأنها
غائمة الماهية ، فلا اتفاق بين النقاد والباحثين على ماهيتها حيث
تتناوبها ثلاثة أنظار :
الأول : يراها منهجاً الثاني : يراها علماً عاماً للعلامات ،وكشفاً
لقوانين انتظامها حسب (فوكو). ويدرس حياة العلامات وسط الحياة
الاجتماعية حسب (دو سوسير )و(تودوروف)
الثالث : يراها نظرية: أي نظرية عامة للدلالة والمعنى.
إن الخلط في تصور وظيفة السيميائيات بدأ حدوثه في المجال الأوربي . فقد
قال مونان : إنها العلم الذي يدرس كل أنساق العلامات أو الرموز التي
بها يتواصل الناس. بهذا فهي علم من العلوم حسب مونان ، وتعاريف: سوسير
، وبارت ، وتودوروف . وقيل أيضاً هي منهج من المناهج ووسيلة بحث ، قد
وصفها (مونان) مرة أخرى بأنها( وسيلة عمل )، وهو بهذا يخلط ؛ فمرة
يصفها بالعلم ، ومرة بالمنهج . و هي عند (شارلز ساندرس بيرس) نظرية شبه
ضرورية أو شكلية للعلامات .
إن هذا في المحصلة خلط تلقفه بعض العرب المعرفين للسيمياء ، بأنها علم
ومنهج ، في آن واحد وأنها أيضاً نظرية ، إذاً قيل علم، ومنهج ، ونظرية
. وفي هذا قصف لمفاهيم الاصطلاحية المعتمدة لكل من : العلم ،والمنهج
،والنظرية وفي الباحثين العرب من يستعملها منهجاً للتشريح لنصوص أدبية
قديمة وحديثة كمحمد مفتاح ، وعبد الملك مرتاض ، وكذلك يعدها منهجاً عبد
الرحمان أبو علي الذي قال : تحتل السيميوطيقا مكانة هامة ضمن المناهج
النقدية كمنهج علمي وإجرائي في تحليل النصوص الأدبية.
إن هذا العلم لا يزال يعاني خلطاً وتشويشاً على مستوى المصطلح ودلالته
ووظيفته . فأغلب الباحثين يستعملون من باب الترادف كلا من سيميولوجيا ،
وسيميوطيقا .ولم يستفد هؤلاء من تلك التفريقات التي بينها غريماي
،ودوبوا وغيرهما ، حيث تم وضع توضيح وتفريق مفاده التالي: -إن
السيميولوجيا هو علم يدرس العلامات وأنساقها داخل المجتمع .
- والسيموطيقا ، هي النظرية العامة
للعلامات والأنظمة الدلالية اللسانية وغير اللسانية - أما السيميائيات
فهي دراسة اللغة من زاوية الدلالة .
ومن هنا فالسيميولوجيا علم ، أما السيميوطيقا نظرية ،والسيميائيات منهج
نقدي ، بهذا التفريق يمكن فك ذلك الالتباس ، وتجنب مترتبات ذلك الخلط
بين ماهيات هاته المصطلحات الثلات .أخذ الأوربيون عن (سوسير ) مصطلح
سيميولوجيا ، أما الأميركيون فأخذوا عن (بيرس) مصطلح سيميوطيقا، هذا
بنحو عام ثم انتشر كلاهما . قررت الجمعية العالمية للسيميائيات
المتأسسة سنة 1972م تبني مصطلح سيميوطيقا . في الوقت الذي تلاه تبني
بعض الباحثين العرب لبعض المصطلحات التي ساغ لكثير منهم تبنيها بديلا
عن المصطلح الأجنبي ، فتبنوا: الرموزية ، والأعراضية .وتركوا مصطلح
السيميولوجيا وأمثاله.
أما الباحثون العرب فهم تائهون بين هاته الثلاثة الأنظار(أي كونها
علماً ، أو منهجاً ، أو نظرية) تبعاً لتبعيتهم لعلوم اللسانيات الغربية
، ومفاهيمها ، التي صدرت منها تلك الأنظار الثلاثة ، أعني انظر إليها
بصفتها علماً ،أو منهجاً ، أو نظرية.وإذا ما كانت الإشكالية في المنطلق
التشخيصي التحديدي لعلم ما ؛ فإن الأمر لا يدعو للتفاؤل فيما يتصل
بمرحلة التطبيق والإجراء ، فضلاً عن مرحلة تحصيل النتائج ؛ لذلك لن
يكون غريباً ولا مفاجئاً أن يتأخر الدرس السيميائي وألا يكون مثمراً
على النحو المرجو والمأمول .
مترتبات ضبابية الماهية السيميائية:
إن انعدام الوضوح ، منتِج لصعوبة التصور ، الذي هو بدوره مولِّد
لاضطراب الفهم ، الذي يوصل إلى سوء الفهم ، ثم إلى غلط الإدراك . وكل
ذلك يفضي إل نتائج ضارة بالمجال المعرفي الذي حدثت فيه تلك الأوصاف .
من هنا لم يكن غريباً أن تترتب أمور تزري بالدرس السيميائي ، بوصفه
مجالاً بحثياً ، ومبحثاً لغوياً. تلك الأمور التي أراها أصابت السيمياء
(السيميولوجيا) في مجالها العربي هي التالية :
1- ضحالة الاستفادة المنهجية
والمعرفية منها .
2- تواصل أو تزايد الخلاف التطبيقي
بين الباحثين فيها.
3- افتقاد الهيبة والمتانة وسط توليفة
العلوم والمناهج اللغوية والألسنية.
غياب حقوق الريادة: ليس من الغريب أن تغيب الريادة العلمية أو الفكرية
في مجال معرفي ما ، أو في مبحث فكري محدد ، فهذه ظاهرة كثيراً ما تظهر
على الساحات العلمية ، وهي من محفزات التوغل في البحث التراثي ، وربط
الماضي بالحاضر ، على نحو ينتج تلاقياً مثمراً بين كشوف القدماء
،وإنجازات الحُدثاء. وهذا الحال يجد له مثالاً مناسباً هنا ماثلاً في
الدرس السيميائي ومحتوياته.لقد حفرت السيميائيات عمقاً جديداً في ساحة
المقاربات التحليلية للنصوص ، وعمقاً جديداً في ساحة علوم اللغة
والكلام . وبرغم تعقد تفرعات هذا العلم فإنه يقوم على فكرة فرضية شديدة
الوضوح ، هي أن الإشارت والعلامات تحمل دلالات ، وأنها مظهر من مظاهر
الكلام . هذه الفكرة تكاد تكون بدهية وهي من أقدم الآراء التي أقرها
علماء اللغة العرب والمسلمون قبل أن يسمع الغربيون بشيء اسمه علم اللغة
،أو أن يفقهوا علاقات المعنى واللفظ في الوقت الذي كان يبدع فيه الجاحظ
والسكاكي والجرجاني . وبرغم خلو كتب التراث العربي اللغوية من هذا
المصطلح برغم أصله العربي (السمات ) فإنها((ليست تخلو من مفهومه))( ) .
وقبل هؤلاء اللغويين تعرض علماء أصول الفقه لمباحث سيميائية منها علاقة
المعنى بالسياق و اللفظ والخطاب ، ومفهومه وفحواه ومقتضاه ،ودلالاته
المباشرة وغير المباشرة .نجد هذا بوضوح في كتب أصول الفقه ،- مثلا-عند
الشافعي ، والغزّالي ،وابن القيم ،والعز بن عبد السلام، والشاطبي . لقد
كانوا بهذا ((متقدمين بأكثر من ألف سنة عن زمانهم لأن الاعتراف بفكرتي
المقام والمقال باعتبارهما أساسيين متميزين من أسس تحليل المعنى يعتبر
الآن في الغرب من الكشوف التي جاءت نتيجة لمغامرة العقل المعاصر في
دراسة المعنى)).( ) يوكّد الباحث صلاح كاظم العرب عالجوا دلالة أصوات
الحروف والألفاظ على موضوعاتها ، وعنوا بالرمز وعلاقة الدال بالمدلول
من حيث كونها اعتباطية وذهبوا إلى أن دوال اللغات تقع تحت هذا النوع.
المكان: قراءة في تجربة أورهان باموق
سعد محمد رحيم
باموق ( الحائز على جائزة نوبل
للآداب 2006 ) تغدو اسطنبول/ المدينة هي البؤرة/ المركز التي تشع منها،
وتنجذب إليها العناصر التي منها تُنسج مادة السرد. وقارئ باموق سرعان
ما يكتشف قوة الصلة ومداها بين الكاتب الروائي والمكان.. المكان من حيث
هو تاريخ وآثار ومعالم وصور وطبيعة وفضاء مأهول بالبشر والأشياء.
خبر باموق، مثل أبناء جيله، هذا التمزق، وذلك الصراع بين الحنين إلى
ماضٍ قومي عتيد ضائع، وبين النزوع نحو الأوربة والتغريب والتخلص من
الإرث الإمبراطوري الثقيل. وولادته وحياته في اسطنبول تحديداً، بما
تعبّر عنه المدينة من وجود رمزي ومعنوي، وموقعها في خاصرتي كل من الشرق
والغرب، وكونها البوابة إلى كليهما، وموضع إشكال حضاري وتاريخي بينهما
جعلت من باموق عاجزاً عن مغادرة اسطنبوله في أي عمل يكتبه. فالمدينة
بذكرياتها وتاريخها وناسها وهندستها وجغرافيتها وحزنها وآمالها تلقي
بظلالها على كل سطر من سطور كتاباته. فثمة مدن تستحوذ على روح وعقل
وضمير كتّاب بعينهم، لا يقدرون على التحرر منها، أو التنكر لها، أو هم
لا يريدون.. إن سطوة اسطنبول على رؤية باموق وتجسيدها لعالمه تحيلنا
إلى ما كانت تعنيه دبلن لجيمس جويس، والقاهرة لنجيب محفوظ، والإسكندرية
للورانس داريل وبغداد لفؤاد التكرلي، والبصرة لمحمد خضير، وطنجة لمحمد
شكري. واسطنبول في كتابات باموق هي العالم كله.. خلاصة العالم، مرآته،
نقطة الجذب الخلاقة إذ يأتيها الآخرون، ولا يغادرها أحد. كأن لا مكان
آخر في العالم غير اسطنبول، أو كأن لا أهمية لأي مكان آخر عداها. فهو
في النادر يشير إلى الأمكنة الأخرى، ولا يكاد يرافق ( سردياً ) أياً من
شخصيات رواياته إلى أمكنة خارج اسطنبول. واسطنبول التي خرجت من جلدها
بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية، تستعير جلد من هزمها ( الآخر/ الغرب
) فتفقد روحها، رونقها، لتغرق في الفوضى والقذارة بحسب رؤية باموق. هذا
هو الانطباع الذي يخرج به قارئ كتابيه ( اسطنبول ) و ( الكتاب الأسود
). وحتى البوسفور الذي كان وما يزال رئة حياة لأسطنبول، ومشهد جمال
ساحر سيكون سبباً في موت المدينة، وبرؤيا قيامية ترد في مقالة جلال (
شخصية في رواية؛ الكتاب الأسود."ومن الشرفات حيث كنّا نتفرج على مياه
البوسفور الحريرية المتلامعة تحت ضوء البدر في زمن ما، سنتفرج على ضوء
زرقة الدخان المنبعث من جثث الموتى المحروقة على عجل لعدم التمكن من
دفنها. وحيث كنا نشرب ( العرق ) حول طاولات على ضفة البوسفور مستنشقين
روائح الأرجوان وزهر العسل وسط برودة مدوخة، سنشعر في حلوقنا بطعم تلك
الرائحة المتشكلة من مزيج العفن، وحرق الكبريت التي تكوي أنوفنا...
الخ".
اسطنبول عالم حزين.. هذا ما يستخلصه باموق عن مدينته. والحزن الذي
يجللها متفرد وعميق، غائر في نخاع التاريخ، يلقي بظلها على المَشاهد
بدءاً من البوسفور وحتى أحياء الفقراء. يطبع الشعر والموسيقى
الاسطنبوليين، وينفذ إلى أعمق أعماق الروح.. يقول في كتاب ( اسطنبول ):
"الحزن في اسطنبول سائد في الموسيقى المحلية، وكلمة أساسية في الشعر من
جهة، ووجهة نظر للحياة، وأمر يومئ لحالة نفسية، ومادة تجعل المدينة
مدينة من جهة أخرى". فالحزن ثقافة للملايين الذين يقطنونها، وطبيعة
يمكن تحسسها من النظر في وجوه الناس والمحيط الذي يعيشون فيه. وهو
تجسيد وتحصيل حاصل لماض متألق ضاع وحاضر موسوم بالفقر والتيه. هذا ما
يحس به في دخيلته ابن اسطنبول.. هذا ما يلفت انتباه الآخر القادم من
جهة الغرب. والكلام عن اسطنبول يفضي تلقائياً إلى الكلام عن نظرة
الرحّالة والمستشرقين الغربيين إلى الشرق، ولاسيما الأدباء منهم
والفنانون. وقد صار جزءاً من إرث الشرق الثقافي والتاريخي ما رسمه
أولئك الغربيون وما كتبوه سواء قبل الشرقيون به أو رفضوه. ولا شك أن
جزءاً مهماً من صورة الشرق حُفظ بفضل نتاجات الرحّالة أولئك. فما يتعلق
بالطبيعة والمعمار والأسواق والأزياء والعادات والتقاليد وتفاصيل
السلوك اليومي قد نُقل من خلال عيون ووجهات نظر من جاؤوا، وإن ألقوا
على ذلك كله شيئاً من شطحات مخيلاتهم، وتصوراتهم المسبقة، وتحيزاتهم.
فالغربي الباحث عن الغريب والمدهش والسحري وغير المألوف ( على وفق
معاييره ) وجد في اسطنبول ضالته. فقد كانت هناك أسواق النخاسة، وتكايا
الدراويش، وجمال المقابر، والحرائق، والقصر والحرم، والمتسولون وكلاب
الشوارع. ولكن الجمهورية وسياسة الغربنة أزالت ذلك كله.. هذا ما يعلمنا
به باموق بشيء من الأسى، مع القبول بالأمر الواقع.
حفظت كتابات الرحالة ورسوماتهم صورة اسطنبول الماضية قبل أن يولد باموق
بقرن وأكثر. ولهذا قرأ ما كتبوه عن المدينة وكأنها ذكرياته الخاصة.
وكان هذا يسبب له بعض اللخبطة والالتباس.. كان الرحالة يُسقطون
خرافاتهم وتخيلاتهم على واقع المدينة أيضاً، إلى الحد الذي تتجلى فيها
كما لو أنها مصنوعة، لا صلة لها باسطنبول الحقيقية. وكأسطنبولي، يقول
باموق: "يبدو لي أحياناً تلك الأوصاف الواقعية للحرم أو للأزياء،
والتقاليد المصورة بعيدة عن حياتي إلى حد يبدو مدينة شخص آخر وليس
مدينتي. منحني التغريب، كما منح ملايين الاسطنبوليين، متعة إيجاد
ماضينا الخاص كأنه مشهد غرائبي". ولقد تماهى باموق مع أوتريللو وهو
يرسم مناظر اسطنبول، ومع نيرفال وفلوبير وأميكس. وكانت كتابات الأخيرين
مهمة جداً له.. كان بحاجة إلى نص جديد، غير تلك النصوص التقليدية
الموروثة. وهنا كان يقرأ وينظر بعقل وعين ناقدين.. يقول: "عندما أشعر
بقصور نظرة الغربي لي، أغدو غربي نفسي".
يتماهى باموق مع الرحّالة حيناً لينظر إلى اسطنبوله فيرسمها من خلال
أعينهم، ويجد حيناً آخر موقع نفسه فيها كما صوروها ( في الرسم والكتابة
). ثم يعود ليراها بعينيه قبل أن يشرع في رؤية الرحّالة، وهم يجوبون
المدينة بعينيه كذلك، في وضع مركّب أشبه ما يكون بلعبة مرايا متقابلة
داخل قاعة هائلة حيث يوجد هو والرحّالة والمدينة، يتبادلون المواقع
والأدوار.
ويشير الكاتب إلى أن اسطنبول لم تكن قط مستعمرة غربية، بل كانت هي
نفسها، فيما مضى عاصمة متروبولية. لذا فإنها لم تجد موقعاً أساساً لها
في كتاب إدوارد سعيد اللامع، كما يسميه، (الاستشراق ).. هذا التبادل في
مواقع وزوايا النظر وفي اختيار المنظور المناسب في كل مرة، والتماهي،
ومن ثم العودة إلى الذات الخالصة، كلها ستلوّن، فيما بعد، أسلوبه في
الكتابة واختياره لموضوعاته، وتحديد جوهر رؤيته بعد أن يهجر الرسم
ويقرر بشجاعة أن يكون كاتباً.
وتبقى ثيمة كتب باموق مجسدة في السؤال الإشكالي؛ كيف للمرء أن يكون
نفسه؟ كيف لأمة أن تكون نفسها؟ ليكابد كلٌ ضد الزيف والافتعال
والتزوير. وهكذا يمكننا أن نعيد صياغة الأسئلة تلك؛ ما الذي يمنع المرء
من أن يكون نفسه؟ أتراه يهرب منها خجلاً، أو لأنه ضاق ذرعاً بها؟ أم
لأنه لا يكاد يعرفها، أم يتطلع إلى تجاوزها لتطل بقوة مسألة الهوية
الشائكة والقلقة؟. فالمرء الذي يخفق في أن يكون نفسه سيفتقر دوماً إلى
الثبات.. ستكون الأرض زلقة أبداً تحت قدميه.
قصة قصيرة
في الداخل حين لم يكن
فليحة حسن
كانت ارض غرفته فارغة إلا من بعض جرائد قديمة وكتب تتناوم بأغلفة متربة
الى جانب ربطة عنق على وجه طاولة متهرئة الخشب تحاذي كرسياً يستند بطرف
رأسه على حافة الطاولة كرجل وقد نام جلوساً، بينما ضجت جدران الغرفة
بثقوب خلفتها أثار مسامير عدة استخدمت في تعليق صور وملصقات لم يفلح
فضاء الغرفة الواحد في التقريب بين موضوعاتها ، وعلى وجه الجدران أيضاً
ُعِلق قميص احتفظتْ كفّ الإهمال به في دائرة الغبار وفارق نصوع بياضه
،يجانبه رأس مسمار ثان تعلق به بنطال بني اللون تسرب الوسخ الى مسام
خيوطه ونزّ منه على شكل بقع يحسبها الناظر زيتاً،بينما اجتمعت فردة
حذاء بأختها في ركن الغرفة الى جانب جسد حزام جلدي اسود ضيع لمعانه ،
كان الظل ينسحب رويداً رويداً خارجاً وراء جسد صاحبه من فجوة الباب
الذي احتفظت دفته بانفراجها حتى بعد محاولة اليد إغلاقه ، بينما احتفظ
الشباك بعفونة صارمة جاءت كنتيجة حتمية لطول الانغلاق تاركاً البنطال
يتململ في مكانه وهو يقول :
لمَ يتركنا هكذا وكأنه لم يكدح في سبيل اقتنائنا ؟ منذ شهر وهو يتحاشى
ارتدائي وكأنني صرت قيداً ثقيلاً يربطه بالألم هو الذي كاد يجن حلماً
بي ، اذكر كيف كان يمرُّ ( بمحل الملابس) ولأيام، بتثاقل مشيته يكاد
يذوب حسرة وهو يرى
( المحل) ُيفرغُ من أمثالي رويداً
رويداً، وما أن حانتْ لحظة لقائي به ، أعني حين استطاع تحصيل ثمني لم
ينتظر حتى يمتص نسيم العصر حرارة الظهيرة على العكس من ذلك جاء إليَّ
راكضاً يتسابق مع رائحة عرقه ، كان صاحب (المحل) يحاول إغلاقه فتعلق
بالباب بتوسلاته وكلتا يديه ، فتح له الآخر باب المحل واقتناني بكل ما
يملك من مال وكثير من كلمات الامتنان ، وأحضرني الى هنا كنت َ مثلي
تماماً أيها القميص ، جديداً ، نظيفاً ، معطراً ،أتذكره فقط اغتسل
وارتدانا وأسرع إليها ، أتذكر كيف كان اللقاء؟؛
تنهد القميص حسرة ليقول :
اجل شاهدتها، ابتسمتْ له ، جلسا معاً ، ربتتْ على كمي ، ونعتته بالأنيق
، كاد يذوب كما خيوطي من همس كلامها ،
انتفض البنطال وقد أصابه الغيظ صارخاً:
لكن ما الجديد ؟؟ لِمَ لا يحفل بوجودنا الآن ؟ لِمَ صار يكتفي بملابسه
الرثة التي استطال وسخها كشعر رأسه ولحيته؟؟
أجابه القميص مستهزأ :
وأنت هل تعدّ نفسك نظيفاً ؟وهو الذي لم يفكر حتى بنفض طيات التراب عن
جسدك؟؟
اهتزّ البنطال بعصبية كاد أن يفقد بها توازنه ويسقط أرضاً ليقول :
لِمَ الاستهزاء ؟ أنت أيضاً لم تنتشِ برائحة الصابون من زمن وبقيتَ
ترسخ برائحة لقائهما أم انكَ نسيت ذلك ؟
القميص وقد غمره الحلم ،
اجل يا صاحبي لقد أراد الاحتفاظ برائحتها ، إلا تذكر كم كانت قريبة
منه كان يريد أن يستنشقها حياة ولم يفلح ، هكذا هم البشر يضيعون
الواقع ويتمسكون بأطراف الحلم ؛
امتزج صوت البنطال بحشرجة الحزن وتلعثم وهو يقول :
المخيف في الأمر انه لم يعدّ يحتاجنا ، لم يعد يرغب فينا ، إذن هو لم
يعد يحبنا ، أنا افهم أن الحب حاجة ، وها قد استبدلنا بملابس أخرى ،
قديمة ، متهرئة لِمَ؟؟
اسند القميص ياقته الى كمه مفكراً وهو يقول:
بعض البشر مجانين ،نعم، بل جلّهم مجانين وإلا ما معنى أن يكدحوا
ليشترونا ويكدسونا ويكتفون بالقديم منّا متى ما شاؤا ؟
البنطال ( مستهزأ):- ربما الحنين ؟
القميص متسائلاً :
الحنين لمنْ ؟ للفقر ؟ للوساخة؟ للنتانة ؟
البنطال وقد اهتزّ بعنف:
أرجوك اصمتْ ، اصمتْ قليلاً ودعنا نفكر ماذا نفعل إذا طال فراقه؟ هل
نسقط منتحرين كما فعل هذان الاثنان مشيراً الى الحزام وربطة العنق؟ أم
نختنق بشهقة الخرس مثل حذائه السوداء تلك ؟ أم ننتظر لنغدو وجبة شهية
لجيوش العثة التي أكلت أحشاء خزانته وما فيها فركل أطلالها خارجاً؟
أجاب القميص بهمس حزين :لا أظنها ستعود إليه ولن يعود إلينا ،
على الرغم من إنني كنت أرى ظل لقائهما وقد ارتسم على ارض الواقع فراقا
ً، لكنه كان سعيداً بها حدّ انه نسيَّ أن المستحيل لا يمكن أن يصبح
إلا مستحيلاً ، كان مغمض الروح ، آه يا صديقي لم يعد وجودنا منطقياً
دونه ؛ أسوء أنواع الإذلال انك لا تستطيع أن ترفض ما تكرهه؛ وأنا اكره
نبذي ؛ اكره َمنْ ينبذني اكره َمنْ يصنع مني لاشيء ؟
البنطال متسائلا ً:
لِمَ ُتحمّل الموقف اكبر من حجمه ؟ أنت شيء ، وموجود ؛
القميص وبشدة :
من قال ذلك؟ الشيء بلا ذلك الآخر الذي خرج تواً وأهملنا ليس شيئاً
انه خطأ منطقي أن نكون بلا جسد
نحتويه ، يكون بنا ونكون به،
البنطال وهو ينفث حسرة ربطتْ بحبل سؤال :
هل يعود ؟؟
رد عليه القميص بصوت منخفض :
لا ادري يا صديقي ؟ ربما
خيط حرير
د. هناء القاضي
يومكَ كقنينة عطرٍ...فارغة
تأكد أن قلبكَ في مكانه
قبل أن تهمّ... بالخروج
.....
كلما راودكَ ..طيفٌ
ينتفض القلبُ في زنزاك
ألا تدركُ أن ذلك الطيف ... أنا؟
لا تطل النظر ..
امض ِ ..وغادر وجهكَ الملون.. بالذهول
تحسس أضلاعك
في أصابعك...
ملمسُ الفقد...وطعمٌ للندم
.....
كلما أوهمتُ قلبي...أن يأخذني لمدارك
ونسجتُ خيط الحرير..
يلسعني جليد جفائك
....
ألا تعترفْ أني هوس ذاكرتك
المشبوب بالوله
وأني فاتحة ممالك... حزنك؟
وأن حضوري
كان الرقّ ...في عصورك
..اعترف
وسأعترفُ ...
أني برحيلكْ أسدلتُ ستائر الوقت
..و نسيتُ مذاق العشق
أطفأتُ قناديلي
..زحفتُ الى شرنقتي
..وأحرقتُ خيوط الحرير
فتساقطت فراشات ضوئي
عند قلبكَ المتكّسر
فوق حجر ..الطريق |