|
قوقعة الذات تعانق الألم.. قراءة نقدية في ديوان - النزول الى حضرة
الماء - للشاعر كاظم اللايذ
توفيق الشيخ حسين
كل شاعر يولد في قوقعة ذاته .. ولكنه بمرور الزمن وتوالي التجارب وتعقد
الخبرات وتفاعل الأستجابات ــ شعورا ً ولا شعورا ً ــ مع قوقعته ومع
واقعه الحي ينتقل تدريجيا أو بوثبات رائعات الى رحاب الأنسانية
والجماعية
يقول “كريستوفر كودويل. ان جوهر تفهمنا لعملية الأبداع الفني هو أن
نتتبع عملية التغيير التي يقوم بها الشاعر بالنسبة لجموع الانا المحيطة
به.. ان المنطلق الأساسي في العملية الأبداعية لا يقف عند حدود
المحاكاة للواقع الخارجي , بل يمتد الى خلق جديد يكشف علاقات جوهرية
بين الأشياء والقوى الفاعلة والمحركة للحياة..
ان المبدع لا يكون مبدعا ً الا حينما يخرج من قوقعة كلماته ليترجم هذه
الكلمات والمشاعر المتفجرة على أرض الواقع بفعل ما يخرج به عن دائرة
الروتين والرتابة .. ليحدث نقلة نوعية وجذرية لواقع معاش..
من هنا يجب على الشاعر ان يخرج من قوقعة الذات الضيقة الى المدى الأرحب
.. المدى الأكثر بياضا ً .. ونقاء ً .. ويلامس هموم الناس جميعا..
من هنا خرج الشاعر " كاظم اللايذ " من قوقعته ولملم أفكاره وخرج بها
الى الحياة التي يعيشها الأنسان والتي يكون منها نهاية الطريق الى ما
يكون بداية الطريق..
" النزول الى حضرة الماء " المجموعة الشعرية الثانية للشاعر " كاظم
اللايذ " وتضم ( 24 ) قصيدة يعبر فيها عن الكلمات التي تنزف حبرا ً ..
والقلم عندما يدمع ويكتب شعرا ً على ساحة الورق .. مع بصمة على ذرات
الرمل .. عندما تتعانق الحروف وتبحر في اعماق الذات وتهيم عبر ظلام
الليل الى مجرات الكون..
كم عانى من الدنيا حتى أبكته دما ً .. ولملم ما تبقى منها .. ويبقى
القلم يسطـّر همسات القدر..
أنا بصمة ٌ حطـّها جمل ّ
في الرمال
وغادرها راكضا ً
في سماء ٍ ملبدة ٍ ورياح ٍ تصول
أنا عشبة البـر ّ
متروكة ً في العراء
تمـّر عليها الرياح السوافي
نمشي فوق أرصفة الموت .. ونعبر طرقا غير مفهومة .. وتبقى ذرات الرياح
بسمومها تعانق تراب القبر .. وتنسج من ظلام الليل خيوطا ً لتعلن ساعة
الرحيل .. رحلة الحزن تبكي دمعا ً من جراحات العمر .. لتكتب سطورالألم
على صمت الحجر .. ووحشة لا تنجلي متأججة في القلب وستظل الى ان يقتلنا
الشوق والحنين..
هذه مملكة ُ الأموات
أحجار ٌ , وصمت ٌ , ورمال ْ
وبقايا من هشيم الآس والحنـّاء
تذروه الرياح
وشموع ٌ ذرفت ْ أدمعها
وانطفأت ْ قبل الصباح
نتألم بصمت .. تبكي القلوب عندما نقف لحظات صدق مع النفس .. تهجرنا
الكلمات .. ويختلط الجسد الطاهر بتراب ٍ نقي .. بعد ان كان نوره كقنديل
مشتعل .. ثم رحل الى مكان بعيد قريب .. بعيد بعد الجسد عنا .. وقريب
قرب الروح الى النفس .. الآم واحزان تتحول الى كلمات ٍ على الورق..
لماذا تعجلت َ
فاخترت َ عمر َ الزهور
لماذا طلعت َ
كما نجمة الفجر ِ
ثم تلاشيت في أرخبيل الصباح ؟
يوما ً بعد يوم .. نجد أنفسنا نقف في محطات لا تستقر بأرض .. وينبهنا
الصبح .. ونعيش كل لحظة .. والزمن يسير في مشواره الطويل .. وكل يوم
نحكم أقفال الأبواب .. هكذا هي الحياة .. تعزف على قيثارة الأمل ..
واحلامنا تنتظر لحظة الغروب ليأتي بعدها المساء ثم الصباح .. نحفر
الألم وندفنه بين الضلوع..
أنا هكذا
منذ ألف ٍ
وألف ٍ
وألف ٍ
ينبهني الصبح ُ من غفوتي
فأروح لأحلق َ ذقني
وأشرب ُ شاي الصباح
بكسـرة خبـز ٍ
وثلمـة جبـن ٍ
وأمضي لأدخل َ في بدلتي
وأضـم ُّ اليها حذائي
وأمشـي الى الباب ِ
يظل الشعر العراقي والشعر العربي الحديث يزهوان بقمر الكرخ " نازك
الملائكة " فأنها مفخرة التكنيك الشعري .. فهي شاعرة الذات المتألمة ..
الحساسـة .. الثائـرة في شعرنا المعاصر لأنها كرست نفسها .. كل نفسها
وحواسها وروحها وطاقاتها لهذا الشعر .. فهي شاعرة طليعية في تكنيك
الشعر الحديث " الشعر الحر...
يدركـُها
ما يدرك ُ أهل َ العرفان ِ
من الهيـّمان بهذا الملكوت ِ
وعشـق ِ التجوال
فتغـرّب ُ في الأرض سنينـا ً
يدفعها القدر ُ الأرعن ُ حينا ً
وفي حيـن ٍ تدفعها الصبـوات ْ
وهي هنالك في كل الأوقـات ْ
تحمل ُ فانوسـا ً وتعقص ُ نحو الخلف جديلتـها
وتضـم ّ كتاب
في عتمة الليل يتوقف الزمن وتدور بنا الأحداث والحكايات ونسترجع
الذكريات .. في زمن أصبح كفيفا ً .. ويترك في القلب جراحات .. حزينة
بين جدران الصمـت تحمل نسائـم الليل .. وتعيـش أحتضـار قلبهـا ..
ورائحـة الموت تطوقـها .. راحلـة الى المجهـول..
منذ سنين
وهي هنا في عتمة غرفتـها
لا تأبه ُ ان ْ حل ّ نهار
لا تتذكر الا أسماء َ أناس ٍ ماتوا
وأماكن َ صار لها اسـم ٌ آخر
وحكايات ٍ سقطت في بئـر النسيـان
قسـوة الزمان .. قمـة الألم .. نركض خلف الحروف .. عندما يحين وقت
الرحيل .. تغسلنـا زخـات المطـر .. ونبحـر في بحـر النسـيان .. قلوبنـا
مفعمـة بأحاسيس مؤلمـة ينطقهـا اللسـان بقلب صادق .. نعيـش وسط عالـم
نتحـسس من تقلباتـه .. ونبحـث عن قنديـل يضئ حياتنـا بعيـدا ً عن
القسـوة والعتمـة...
قراءات في المنجز السردي اللافت للروائي مرتضى كزار
جابر خليفة جابر
في رواية (مكنسة الجنة) يشد القارىء اليه شاء ام أبى ويأخذه الى عوالم
قصية قد لاتنتهي بحدود هذه القراءة،فقد دون مادس الدانماركي في مفكرته
عدد الجثامين المستخرجة من المقبرة الجماعية التي دفن فيها رسامو
جداريات الرئيس بعد إعدامهم بتهمة رسم الذباب على وجه الرئيس في تلك
الجداريات والمكتشفة جوار بئر النفط المرقم 334 غرب القرنة حيث حدود
مسؤولية الجيش الدانماركي ضمن قوات الاحتلال بعد عام 2003.ربما لم يكن
مادس المخطىء في العد لانه سلم مفكرته الى مدين المترجم العراقي العامل
مع قوات الاحتلال ،وانما كان الخطأ بسبب تعود مدين عد الاشياء بالمقلوب
بتأثير من أمه التي تعلمت العد بهذه الطريقة من امها او من المعلمة حنا
في سوق التوراة في البصرة..هنا تتحكم بنا الاشارة التي يبثها العدد13
،يستحضر القارىء الحواري الثالث عشر للسيد المسيح يهوذا الاسخريوطي
أستاذ الرياضيات الهندي الذي _ كان _ لايلفظ او يكتب ذلك الرقم ابدا ,
كان يعلمنا ان نعد في مدرسة المللك فيصل الابتدائية
عشرة , احد عشر , اثنا عشر أي , اثنا عشر بي , اربعة عشر , خمسة عشر،
اخفى الرقم 13 أي اشار اليه بقوة كما يقول بورخس..
الرقم الاساس في رواية ( مكنسة الجنة ) , هو 13 , الحواري الثالث عشر
يهوذا , خائن السيد المسيح وصالبه , الرقم 13 _ اذن _ لن يدخل الجنة
-جنة النص- وسيكنس منها.
من يكنسة , غويلي العبد وهو يصنع او يحيك المكاانس , ام زكية وهي تقتل
غويلي العبد في الممر السري لحمامها , ام نورست وهي تكتبهما , ام رمزي
وهو يروي ام راو اكبر؟ , لنقل انه مرتضى كزار وربما انا القارىء ،انا
من سيكنس الجميع ؛ ليبقى منفردا بجنة القراءة ؟!
تقول الرواية( او الراوي أو من هو ادرى بحداث الرواية واسرارها !)في
ص21 من رواية مكنسة الجنة ان"كل خرائط الارقام والحروف والابار لن تدل
هذه الدمية السوداء على هويتي.
لكن هويتك , واضحة _ كما تقول القراءة _ تبدو واضحة حين تتردد بين خشبة
قوس حرملة ( رواية صفر واحد ) وهي ترسم حرف سي الانكليزي المنحني
يمينا،، بين توتر ذاك القوس وبين الانحناءة الطرية لجسد الرضيع الذبيح
وهو يتلقى السهم _ الخط المستقيم _ المنطلق.
على هذه الطريق , تجد الهوية , من انت، رمزي ؟ ام غويلي العبد؟ ام
نورست؟ ام الراوي المولود في عيد العمال المصادف 3 / 4 / 1982 !؟
يمكنك وانت تعرف من انت , ان تختار النقطة المناسبة لقلبك على هذا الخط
الساخن المستقيم أو ان تركن لعقلك ! القارئ الان يرى الرقم 13 , او
يهوذا الاسخريوطي على نقطة الانطلاق _ انطلاقة السهم ويراه قبلها.
الاعداد هي لغة الطبيعة _ يقول فيثاغورس _ وهي لغة هذه الرواية ايضا ,
خطاطة مدين في المقطع الخامس من الرواية ص 21 , ترسم المقبرة ,
بخارطتها التي توزيع الجثامين , كما لو كانت مربعة ( 2 / 5 / 3 / 2 )
هكذا كان توزيع الرسامين على ارباع المقبرة , اما مفكرة مادس فقد اشارت
الى ( 7 / 4 / 2 = 13 ) ثمة رجل زائد ؟
هل كان جسدا زائد ام رقما فقط ؟ وما الفرق كلاهما كائن , هذه الزيادة
حقيقة ام وهم ؟
اشارات القراءة تقودنا الى الحواريين الاثنى عشر والى النقباء الاثني
عشر والائمة الاثني عشر والى الحواري الثالث عشر يهوذا الاسخريوطي
وتقودنا الى المقطع 13 من الرواية المكونة من 45 مقطعا والى المقطع 31
مقلوب 13 !
الراوي في ص 99 , يتحول الى القراءة , يرمم الكتابة يملأ فراغاته
بالخيال ويرسم مشاهد لاقتحام رجال الامن لبيوت الرسامين الاثني عشر ,
اثنا عشر رساما مع الذباب على وجوه الرئيس , رسمهم الراوي وارتعب خوفا.
(على بوابة مديرية الامن من البصرة خطت الاية الكريمة ( الذين امنو ولم
يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون ) 82 _ النمل
رجال الامن او اللامن , الخوف من ملاقاة مصير كمصير الرسامين ! خاف من
يهوذا او من رجال الامن فارتعب. حتى ان الراوي الخائف اخطأ بعد اسطر
قلائل في العد واضاف غائبا اخر , الرسام الثاني عشر مفقود الان لماذا
اخطأ المؤلف:
يقول ( اجمعهم واحدا واحدا .. الاخوين روضان وسعد وادي من غرب المدينة
, ثائر رحيل من الفاو , نجم ورغدان وفوز من البصرة القديمة والخمسة
الباقون من مؤخرة الخارطة او آخرها).
المجموع هنا = 11 وليس 12 او 13 ..
التعداد المموه لاسماء الرسامين يجعلهم 11 وليس 12 الا اذا اعتبرنا
الاخوين روضان هما غير سعد وادي..قراءة الاسماء تقبل الاحتمالين.
خطأ متعمد ام متاهة عد جديدة ؟
لكن الراوي يقول : التقطهم جيدا _ويؤكد _ كما التقطهم رجال الامن، ولا
أغلط من جمعهم كما لا يغلط زبانية التعذيب , لاننا جميعا نجيد الحساب
ونحسب بالتعاقب ... واحد اثنان ثلاثة .. ص99
تأكيد الراوي على إجادته للحساب مع وجود الاحتمال بالغلط / الغياب
الجديد يفهمه القارئ كغياب خارج النص , وهو الغياب الاهم , ليس للرسام
الثالث عشر وهو وداد كما سنعرف وانما للثاني عشر من هو هذا الرسام
الثاني عشر ؟ ربما زكية المقتولة والمدفونة عموديا قربهم ؟وربما الراوي
نفسه او المؤلف او ابعد بمئات الاعوام من هذه الاحتمالات..
على الرغم من تاكيد الراوي على إجادته في الحساب يأتي الخطأ في العد و
يكون المجموع 11 وليس 12 او 13 ..
لماذا هذا الخطأ العددي في المقطع 31 وليس في غيره( لاننسى انه مقلوب
13 ) هل جرى العد مقلوبا ايضا ؟
يقول الراوي( رغم ان طفولتي التي تعلمت فيها الحساب مشوهة ومزورة ايضا
مثل مدين لكني لا أعد هياكل الاوادم بالمقلوب ! ) ص99
نبقى مع الرقم 13 وإشاراته ففي المقطع 13 من الرواية ص41 تقول ملاية
لابنها ( نحن يايمة أناس في رواية ) , نلاحظ الفصحى والعامية معا , وفي
نفس الصفحة يتضح الكثير..
(تخيل _ وداد _ بأنه يعيش داخل كتاب بذلك الحجم , وتخيل نفسه داخل
الكتاب , يقرأ كتابا , وشخص ما يتصفحهم جميعا).
هذا هو بناء الرواية كلها , يعلنه المقطع 13 من الرواية , كتاب طي كتاب
, راوي طي راوي؟.
اختيار المقطع13 من الرواية للافصاح عن بنية الكتاب -الرواية،ذو دلالة
موحية تؤكد ما ذهب اليه القارىء بأن العدد او الرقم 13 ودلالاته
الميثولوجية هو المحور الاساس لرواية مكنسة في الصفحة الاولى من
الرواية نعرف ان حادثة حصان الجندي الانكشاري كانت عام 1636 قبل ان
يشتري إفراسياب البصرة من العثمانيين بدراهم معدودة.
وكان هذا قبل 300 عام من ولادة الراوي / رمزي مكتوبلي في عام 1936 .
اشارة ما تشد الى العدد 13 المخبوء في التاريخين ازح 6 و 9 ستجد الرقم
13 فقط.
لكن إفراسياب _ يقول القارئ , ويقول التاريخ _ سيطر على البصرة قبل
التاريخ بحوالي عقدين من السنوات واستنجد بالبرتغاليين لرد هجوم الفرس
على البصرة.
فهل تعمد المؤلف تخطئة التأريخ ليظهر الرقم 13 ؟
ابدا _ القارئ لا يرى هذا _ فالاشارات لغة الماوراء , الحاضن الاجتماعي
والكوني هو الذي يعمل ويرسل الاشارات والماوراء هو من تحكم بكتابة
الرواية , اخطأ المؤلف ام لم يخطىء في التاريخ فهو ليس الا اداة بيد
قوى خفية تنجز الابداع وتبث الترددات , ليرتسم العدد 13 واضحا في
التاريخين ( 1636 _ 1936).
القارئ يؤمن بسمو الاشارات , والا كيف يمكن له ان يفسر انهاءه لقراءاته
لهذه الرواية الممتعة كان هذا اليوم 7 / 3 / 2010 بينما ورد في الصفحة
الاولى من الرواية ان زمن كتابتها كان يوم 7 / 3 / 2007 والفارق ثلاث
سنوات.
بل ان القارئ حين يجمع اعداد تاريخ القراءة 7 / 3 / 2010 يجدها = 13
اما حين يجمع اعداد تاريخ الكتابة (7 /3 / 2007 ) ستكون = 19
ولهذا العدد اشارة اخرى في الرواية.
نصوص قصصية
كاظم الميزري
المجهول
شاهدتها هناك قادمة من أعماق المجهول ، وقد أرتدت ثوبها الأبيض ، تمسك
صدرها ثم تمد ذراعيها كأنها تلاقي عريسها القادم مع الليل .. في تلك
اللحظة التي نشر الجسد الحديدي هيكله كاملاً على القضبان .. كانت تركض
وتصرخ بحدة ، عندما وصلت السدة الترابية كان القطار ، قد أدار ظهره
هارباً الى نهاية مجهولة
رجل السواد
تغيرت معالم خطاها والشوارع التي ألفتها ، وتناثرت فيه الأشكال
والألوان ، وكانت تضيع بعض ملامح وجوه تعرفها جيداً ، وأستمر فضولها
لأكتشاف هذا العالم الذي هجرته منذ سنين ، هذا ما خطر لها ، وترى
البيوت والمحلات والصور المعلقة على الجدران ، ثمة بريق رجل يتحرك ببطء
شديد ، لاحظت ذلك وهي تسير ، وحين أصبحت على بعد خطوات منه لمحته لا
يتجاوز الأربعين ، يميل الى القصر ، يطلق لحيته التي غزاها الشيب ،
فتمنح وجهه مزيداً من الوقار ، عيناه يكسوهما الحزن أدارت وجهها حط في
روحها طائر الخيبة ، تفجرت ينابيع الشفقة في صدرها ، كان وحيداً
ملامحه حزينة ، أستغربت للأمر فكرت في نفسها وضحكت في سرها ، لكن الرجل
مضى ، لم تصبه الدهشة ، وبقيت مسمرة في مكانها ماذا تفعل ؟ لا حاجة
لحياة معتمة ، رغم أنها لم تعرف عنه شيئاً بعد ، كيف تحبس فكرها في رجل
السواد ، ثم أبحرت وحيدة في الشارع والأفق ، وصرخت دون صوت هل هو أعمى
؟
موت الذاكرة
جلس الى المنضدة فتح دفتر رسائله شارعاً بالكتابة! (أحبائي ، تحية طيبة
) توقف عن الكتابة ، شرد ذهنه بغته ، ثم فكر ، ( هذا صعب هذا ضعف لا
تزال السنة في أولها .. يجب أن أصبر ) تذكر الآن أن ذهنه كان حينذاك
مشغولاً بهموم أخرى في الواقع أهم من الكتابة تستعصي على الفهم وبالرغم
من كل ذلك عاد لمتابعة كتابة الرسالة فجاة نهض بأنفعال دفع الكرسي الى
الوراء بشدة ، سقط القلم من يده ، كان يريد أن يصرخ في وجه هذا العالم
حنقاً وقهراً ، فلا يستطيع ، كان كالمخنوق حين حاول أن ينتفض فاتحاً
كلتا عينيه ، بهره ضوء مصباح الغرفة ، أنقلب على ظهره ، تملكه الضجر ،
فكتب تعزيه يواسي بها موت أفكاره.
أدركُ أني
د. سهام جبار
أدركُ أني تراب
تعجّل فصار شراعاً
ولو أن الربيعَ الذي في البهاء
أعطاني ذاكرةَ فراشة
واحترقَ بدمي
أدرِكُ أنّي صفرةُ ذهب
أذابَهُ الّلَبْس
فصار قلماً قد يغلِّفُ غيمة
إنْ سقطتْ على ذبالتِه
ولو أن القلم المتنكّر
هو شيخٌ هائل الجرح شديد الانذهال
أدركُ أني خبزُ عجوزٍ من عناصر
لفظتْ كفّها على حائطٍ
تكوّرَ معناي
ولو أنه لا شفاءَ للذاكرات
توهّجتْ على حجرٍ معدّلٍ عن ذكرى قدمٍ داستْهُ
أو صارتْ تمثالَ شبحٍ يحلمُ بالظهور
أدركُ أني بين كل أبوابٍ مواربةٍ
وفي خطى حمائم ممثلةٍ عن موتى زائرين
وفي قلبِ كل باكٍ على وحشةٍ من إدراكِ ما يبكي
وفي كل تفرّسٍ من أجل رؤيا
ولو أن السماء جندلتْ تيهي بجسد
ولو أن الجسد تيّاهٌ مثل وجد
ولو أن الوجد مشدوهٌ ببكاء
ولو أن البكاء جارٍ للأبد
وما هي إلا هنيهة |