|
الدعوة وركائز التأسيس
الحلقة الرابعة
إن تأسيس اي مشروع حيوي لا بد أن يبدأ بنقطة الاستفهام (لماذا)، حيث
التنظير للاجابة على السؤال والموجبات الحقيقية وراء ذلك، وهل ان رحم
الأمة هو المستودع والملاذ الحقيقي للمشروع؟ وما هي التفاصيل الموجبة
وراء المشروع؟ وهل هو ضرورة منتظرة من الجماهير يمس حاجاتها ويخالج
نواياها وثوابتها والتزامها، ودائرة الشرائح التي سيخدمها وينتصر لها
ويبارك مشاعرها ويسد النقص الحاصل في حياتها من خلال سياساته وأهدافه
ومعالجاته؟ كل هذا وغيره كان على طاولة النقاش والدراسة والاستقصاء عند
أهل الحل والعقد من مفكري وعمالقة ومصلحي هذه الأمة على مدى تاريخ طويل
من اجراءات التفكير والاصلاح، وبيان الرأي والمشورة الاستدلالية
العالية وملاحظة حالات التوافق والتعارض مع الخط العام للمرجعيات
الدينية والدنيوية.
وبعد المناقشة المستفيضة والتشاور مع الملاك المتقدم في تنظيم الحركة،
تشكلت القيادة العامة وكما يأتي؛ بعد نقلها من النجف الى بغداد:
1- السيد مرتضى العسكري.
2- المهندس محمد هادي السبيتي.
3- الحاج عبد الصاحب دخيـّـل.
(ويكلف بعضوية الارتباط مع المرشد آية الله الصدر).
رأي في القيادة الجديدة:
وأجدني أسأل بكل حرص بأسئلة لم أجد لها الجواب الشافي من لدن بعض
القياديين، ومنها:
1- لماذا الاقتصار على 3 اشخاص فقط؟.
2- لماذا نقل القيادة من النجف الى بغداد؟.
3- لماذا ألغي منصب (فقيه الحركة)؟
ففيما يتعلق بالسؤال الأول المرتبط بالجانب العددي، أجد لنفسي الحق في
السؤال عنه، وقد كبرت الحركة وانتشرت وأصبح الدعاة في كل مكان، وانتشرت
اللجان التنظيمية، وأصبحت الساحة الحركية عريضة وقوية ومتماسكة
بالايمان والثقافة والمجاهدة والكتمان، بحيث دفع ذلك باتجاه زيادة عدد
الخطوط التنظيمية التي تسيطر على اللجان الرئيسة للمناطق اضافة الى
اللجان الفرعية، وهذا ما يدعونا للتفكير في زيادة عدد المجاهدين
القياديين الذين سيشرفون على الخطوط أو قد يعمل رابطاً بين الخط الواحد
والقيادة.
وهذا ما سيجعل العمل مجهداً ومقتصراً على عدد معيـّـن إن بقيت القيادة
بهذا العدد القليل (3) أشخاص، كما لا يمكن الاحاطة بالنشاطات
والاحتياجات وايصال واسترجاع المعلومات. مع العلم ان هنالك من المؤهلين
لدخول القيادة الكثير والداعم والملتزم كالحاج محمد صالح الأديب -
مسؤول تنظيم لجنة كربلاء - والسيد طالب الرفاعي - الشخص الثاني من
مؤسسي الحركة وعضو تنظيم لجنة النجف - وكاظم يوسف التميمي - عضو تنظيم
لجنة البصرة - اضافة الى الأسماء اللامعة في تنظيم النجف والذين كانوا
يمثلون الرعيل الثاني للدعوة كبحر العلوم والبكـّـاء والفضلي والسماوي
والبصري والذين كانوا أصحاب فضيلة ووجاهة وثقافة وقيم ومبادئ وتأثير
وامكانات.
ومن خلال ارتباطي وعلاقاتي بالشيخ الفضلي الذي أوضح لي بانه كان ضمن
المرشحين في عضوية القيادة، ورفض التنفيذ لعدم الموافقة على شروطه التي
كانت تدعو لتصعيد شخصيتين هما: البكاء والرفاعي لتكون كفة رجال الدين
هي الأرجح لأسباب شرعية وعقلائية مستقبلية. وكان هذا الحديث قد جرى
بيني وبينه عام 1965.
وأما ما يتعلق بالسؤال الثاني المرتبط بنقل مقر القيادة من النجف الى
بغداد؛ فيمكن أن أحسبه في العديد من الجوانب:
أ. ان السيد مرتضى العسكري قد نقل من الكريعات في الأطراف الشمالية
الشرقية من بغداد الى البياع في مركز بغداد ليكون وكيل آية الله العظمى
السيد محسن الحكيم في بغداد من جهة والمؤثر الديني والاجتماعي والسياسي
في العاصمة العراقية وليكون تأثيره أكبر وأكثر، وهذا قد جرى بأمر من
السيد الحكيم (قدس) نفسه.
ب. قيام السيد العسكري بالقاء محاضرات ثقافية ودينية في جوامع وحسينيات
الكاظمية والكرادة باستمرار.
ج. بعد أن أخذت بعض الأوساط تنظر الى النجف بانها حاضنة لأركان وأوكار
التحزب، ما جعل الآخرين يحذّرون من ذلك ويحسبون حسابه، فهو خطر داهم لا
بد أن يحسب وأن تراعى في تغييره البدائل الناجعة.
د. إن بغداد كبيرة تموج بالداخل والخارج، وبالمراكز العلمية والدينية
والثقافية، بحيث تضيع فيها التلاقحات والعلاقات، ولا يمكن السيطرة
عليها بسهولة، في حين ان النجف صغيرة ومحدودة، ويعرف ويحدد فيها الغريب
والداخل والخارج، ويمكن السيطرة على ارتباطاتها ورجالاتها وبيوتها.
هـ. إن عمائمنا في بغداد معروفة محدودة، في حين انها في النجف طبيعية
كثيرة مرهونة بوجود الحوزة العلمية والمدارس الدينية، فالعمائم عندما
تجتمع في النجف فأمر طبيعي مرتبط بالدرس الديني، في حين يكون اجتماعها
في بغداد لأمر آخر لا بد من مراقبته ومعرفته سلطوياً.
وهذا الأمر على ما أعتقد لا يمكن أن يكون من عوامل استبعاد العمائم من
قيادة بغداد، ولكن ذلك لا يمكن أن يعفي القيادة من اختيار الآخرين غير
المعممين.
وأما السؤال الثالث المرتبط بالفقيه، فالحركة تفتقد للمجتهد بعد انسحاب
السيد الصدر، ولهذا استبعد منح هذا اللقب في التشكيلة الجديدة وقد ترك
هذا الأمر للمقبل من الأيام حين يؤهل دراسياً وعلمياً من يؤهل لهذا
المنصب مستقبلاً، ناهيك عن حالة الاستبعاد التي دعا اليها السيد الحكيم
(قدس) كاجراء وقائي وسياسي قائم على دراسة وتخطيط للمستقبل.
ومع هذا وذاك، فنحن مع وجود الفقيه المجتهد الموجـّـه والمرشد والقائد
الحقيقي الذي تـُـحترم آراؤه وتـُـنفـّـذ، وهو صمام الأمان للحركة
وفعالياتها من الضياع والمخالفة والانحراف.
وما دمنا نؤمن بفقاهة العصر والتقليد، لذلك نفذنا قرار مرجعية السيد
الحكيم وتوجيهات جهازه المرجعي الوهـّـاج، وتمت متابعة مسيرة الحركة
الاسلامية بالغطاء الذي رسمته لنفسها، وقدمت ما قدمت من أعراس الشهداء
والمقابر الجماعية والاعدام والاضطهاد اللامسؤول من قبل السلطة الجائرة
المجرمة.
وخلال شهر تشرين الأول من عام 1960 بـُـحث في قيادة الحركة اسمها
الصريح، وتمت الموافقة على اسم (الدعوة الاسلامية) للحركة، واصدرت نشرة
مركزية بهذا الاسم، وبلغت الفروع الخيطية بذلك اعتباراً من نهاية هذا
العام 1960.
تـجـديـد رؤيـتـنـا لــلاســـلام
برهان غليون
في هذا المجال هناك مجموعة من الملاحظات لابد من الأخذ بها لتمهيد
التربة في اتجاه تحقيق شروط هذا الجدل البنّاء وتحوله إلى تعايش مخصب
ومثمر يستفيد منه الإسلام وتستفيد منه الحداثة
أـ ينبغي الإدراك أن عدم التوافق وأن الصدام لا ينبعان من وجود
منظومتين أو منطقين مختلفين، فعلى الصعيد العقدي والرمزي ليس هنا إلا
منطق واحد لدى المجتمعات وفي كل زمان ومكان، هو منطق التداعي والربط
التعسفي والاعتباطي واعادة توظيف العلامات والرموز والمفاهيم والصور
واعطائها المعاني الجديدة. ويكفي من أجل ذلك القيام بإعادة تفسير
المنظومتين كما فعل العرب والمسلمون أنفسهم حتى الآن وكما سوف يفعلون
في المستقبل. إذ ليس هناك أي حل تاريخي آخر، وليس هناك أي امكانية كي
تغير أمة أو جماعة كلياً منظومة قيمها وتتبنى منظومة أخرى. وحتى
الاسلام لم يفعل ذلك، وانما عمل إلى حد كبير من خلال اعادة توظيف
المعطيات الثقافية العربية وتوجيهها في اتجاهات جديدة ارتبطت هي نفسها
بتغيير المجال الجغرافي والسياسي تغييراً كاملاً حتى أمكن لها النجاح
والانتصار. والأزمة التي يعرفها العرب مع الإسلام اليوم ليست جديدة
وإنما هي حلقة من الحلقات الطويلة على طريق اعادة التفكير وتجديد
المفاهيم والقيم والمعاني، أي وضع الاسلام والمنظومة القيمية الاسلامية
في العصر والتطبيق العصري. وإذا كان الصراع قد تفجر في هذه الحقبة التي
نعيش فلأن تأخراً قد حصل في العمل الفكري الضروري من أجل تجديد الأفكار
وتنظيم القيم الوافدة والسيطرة عليها، أي اخضاعها لمنطق الثقافة
المحلية وآلياتها ووضعها في سياق رؤيتها العامة وغاياتها. والسبب
الرئيسي في هذا التأخر هو إلغاء حرية التعبير والتفكير والنشاط
السياسي.
ب_ إن الموقف الجماعي والاجتماعي، وبالعمق السياسي أيضاً، من الدين، لا
يمكن أن يتحدد بالنظر إلى حادث عارض أو موقف جزئي أو حركة سياسية أو
موقف فلسفي أو فرضية نظرية. ولابد من أن ندرك أننا لا نستطيع الخروج من
المأزق إذا ما بقيت اشكاليتنا الرئيسية فيما يتعلق بالدين مرتبطة
وقائمة على أفكار مبتسرة سريعة حول الدين أو الدولة أو التعصب أو عدم
التعصب، وإذا ما استمرت مرتبطة بدوافع وقتية سياسية أو غير سياسية،
تكتيكية، أو إذا ما بقيت قائمة على المخاوف وعلى الرياء والغش والخوف
من الدولة أو من رجال الدين أو من الجمهور. فلا بد لنا، ونحن نواجه هذه
المسألة الكبرى؛ من أن نتجاوز أفكارنا المجتزأة وحساسياتنا الشخصية
ورؤيتنا المصلحية الضيقة التي كثيراً ما تخفي عنا حقيقة الوضع. ولابد
لنا كذلك، إذا أردنا أن نقدم حلاً حقيقياً واجتماعياً لمسألة حاسمة
وكبرى من هذا الطراز، من أن نطرح المشكلة في كليتها وكامل أبعادها، وأن
نسعى إلى الخروج منها بموقف موحد ومنطقي ومنسجم، يساعدنا على تكوين
الاجماع الوطني الذي نحتاج إليه من أجل استيعاب الحضارة وتحقيق النقلة
النوعية في السياسة والثقافة والاقتصاد معاً. وفي هذه الحالة ليس هناك
مهرب من طرح الأسئلة التالية ومحاولة الإجابة عنها كي يكون الموقف من
الدين موقفاً مسؤولاً وفي نظري منتجاً:
_ هل ما زال هناك مكان وضرورة للدين في المجتمعات المعاصرة، وهل ما زال
للإسلام في المجتمع العربي المعاصر مثل هذا الدور، وما هي طبيعته وما
هو محتواه؟
_ هل يستدعي لعب الدين لدوره في المجتمع المعاصر التجديد والاصلاح
الديني، وهل ينبغي أن يكون هذا الاصلاح من نمط الاصلاح البروتستانتي
الذي عرفته المسيحية في القرن الخامس عشر، أو هل ما زال مثل هذا النمط
معقولاً وكافياً؟
_ هل يقبل الاسلام التجديد أم أنه، مثلما يعتقد البعض المتأثر ببعض
الآراء الغربية، من الأديان التي لا تقبل التجديد لأنها، كما كان يقال،
لا تميز بين الدين والدنيا وبين الزمني والروحي؟
_ هل هو قادر على أن يكون مع الدنيا الجديدة؟ وإلاّ ماذا ينبغي علينا
أن نفعله كي يصبح كذلك؟
_ ما هي المكانة أو الموقع الذي يقدمه أو ينبغي أن يحتفظ به المجتمع
للدين في النظام الاجتماعي الراهن أو المقبل، وفي نظام المدنية
والحضارة بشكل عام؟
_ من الذي يستطيع، أو ينبغي أن يقوم، بالتجديد الديني أو يساهم فيه،
وما هو منهج هذا التجديد واستراتيجيته؟
_ ما هي طبيعة المؤسسة الدينية، أي التنظيم الخاص الذي يمكّن الدين من
القيام بمهماته ويسمح له بتحقيق الأهداف المسندة إليه والآمال المعقودة
عليه؟
_ ما هي امكانات ووسائل تحقيق ذلك، وما هي الاستراتيجية التي ينبغي على
المجتمع أن يتبعها في سبيل انجاز هذا التجديد أو الإصلاح الديني إذا
كان هناك اصلاح أو تغيير في الدور والوظيفة والمكانة، وكيف، وعلى ماذا
سوف يستند هذا التجديد؟
_ ما هو موقع الدولة، وموقع المجتمع، وموقع المثقفين وموقع رجال الدين
الحاليين في هذا التجديد وفي السير به إلى الأمام؟
ج _ إن الإجابة عن هذه الأسئلة الكبرى وتحقيق المصالحة يقتضيان تجديد
منهج النظر العام إلى المجتمع والدين والحضارة والتاريخ معاً. فلم يعد
يكفي في نظرنا أن نطالب، كما كنا نردد دائماً عندما كان الدين هو
الوعاء الأساسي للفكر العربي، بتجديد رؤيتنا إلى الإسلام، وإنما أصبح
من الضروري أيضاً، وربما من أجل تجديد هذه الرؤية ذاتها، تجديد رؤيتنا
للمفاهيم التي كنا نعتبرها، بسذاجة، مفاهيم جاهزة وناجزة ومشغولة، ولا
تحتاج منا إلى اعادة مناقشة أو تحديد بل تجديد، نعني مفاهيم العلم
والعقل والعلمانية والقومية والحداثة والحضارة والتطور وغيرها من
المفاهيم التي تكاد تحكم تفكيرنا جميعاً أكثر من الدين في هذه الحقبة.
إن النظر الصحيح إلى الإسلام نفسه لم يعد ممكناً، بما في ذلك لدى
الاسلاميين أنفسهم، على عكس ما يعتقدون، من دون مراجعة هذه المفاهيم
واعادة تركيبها من أفق الأهداف والقيم التي نريد أن تحكم مجتمعنا
المقبل. وليس من الصعب أن نعاين كيف أن الاسلاميين في صراعهم ضد خصومهم
يستخدمون المفاهيم نفسها ويعطونها المعاني نفسها، وكيف أن التحديثيين
في مواجهتهم للفكر الاسلامي يستخدمون أيضاً مفاهيمه. وفي الواقع لا
يستخدم كل منهم إلا رؤية الواحد لنفسه في السياق السجالي الراهن، وهي
رؤية شديدة الإنحياز والتعصب. فالعلمانية مثلاً تتحول من نطاق التمييز
بين المعرفة والسلطة الدينيتين والمعرفة والسلطة العقليتين، لتتحول
سواء عند العلمانيين أنفسهم أو عند خصومهم إلى ما يقارب نزعة العداء
للدين وازالته من المجتمع. إن ما يحصل هنا ليس في الحقيقة إلا اعادة
تركيب معنى المفهوم المعروف من أفق وفي سياق خدمة السجال والحرب
الدينية القائمة والعلمانية التي جاءت كأداة لتجاوز النزاع بين الدين
والسياسة وحل الخلاف بينهما تتحول هي نفسها في هذا السياق إلى باعث على
النزاع ووسيلة لتعميق الخلط بين الدين أو العقيدة عموماً والسياسة.
د_ من هنا ضرورة ما ينبغي تسميته، بحق تجاوز وثنية المفهوم. إن جميع
المفاهيم ليست إلا اصطلاحات نظرية تصاغ لخدمة العمل النظري وبلورة
الأفكار وتنظيمها. وتتغير مضامين هذه المفاهيم بحسب السياق التاريخي
والنظري والاجتماعي التي تستخدم فيه، وتتغير معانيها ومضامينها أيضاً
مع الزمن وتغير التجربة البشرية، إن المفاهيم نفسها تتطور وتموت عندما
لا تعود تؤدي وظيفة ايجابية في تنظيم النشاط العقلي والمعرفي أو عندما
يتجاوزها الزمن والتجربة الانسانية. فليس من المؤكد أن جميع الناس وفي
كل الأوقات يعطون لمفهوم العلمانية مثلاً المعاني والمحتويات نفسها. بل
ليس من الضروري، حتى لو تم ذلك، أن يصلح هذا المفهوم لضبط وتنظيم
التجربة السياسية والروحية في جميع الأزمان والأماكن، أو أن يتحول إلى
قاعدة كونية للتعامل بين سلطات اجتماعية هي نفسها متبدلة ومعرضة
للتطور، كما نشهد ذلك اليوم فيما تقوم به الكنيسة في امريكا اللاتينية
أو في البلدان الاشتراكية. إن ما هو أساسي هو ايجاد الشروط الملائمة
والمقبولة من الجميع أو الأغلبية الاجتماعية للتوصل إلى تنظيم مستقر
للعلاقة بين مختلف السلطات، بما فيها اليوم في مجتمعاتنا السلطة
العسكرية التي تلعب دوراً لم تعرفه المجتمعات الليبرالية السابقة، ولم
تتخذ بشأنه التدابير المطلوبة، ولم يظهر إذاً أو ينعكس في النظرية.
وينبغي رؤية ذلك كله من وجهة نظر وفي ضوء المشاكل الخاصة المطروحة
والامكانات المتوافرة والقوى القائمة. والقصد، ليس النموذج هو المطلوب
تحقيقه وإنما الوظيفة، وما ينجح في تنظيم تجربة اجتماعية في حقبة أو
مجتمع ما، لا ينجح بالضرورة في غيرهما، ولا يفيد التقليد ولا الاقتداء
شيئاً في التاريخ. إن العبقرية التاريخية للمجتمعات البشرية كامنة
بالضبط في قدراتها اللا متناهية، وقدرات نظمها الثقافية والسياسية، على
انتاج حلول جديدة وغير مطروقة.
ه_ الملاحظة الخامسة هي أن المجتمعات، على الرغم من أنها تعيش دائماً
في تاريخ عالمي واحد، فإنها لا تتبع أو تخضع للتاريخية نفسها، إن لها
وقعها ووتيرة حركتها الخاصة التي قد تقترب من الوتيرة العامة أو تبتعد
عنها. ولكنها كالأفراد لا تسير بالضرورة بالسرعة ذاتها. وعلى المسؤولين
عنها أن يحترموا هذه التاريخية إذا ما أرادوا أن يتقلدوا مواقع قيادية
فيها ويتحملوا مسؤوليات توجيه حركتها، فإذا لم يدركوا ذلك ربما اضطروا،
دون نية سيئة بالضرورة، إلى الجور عليها وزجها في صراعات كان من الممكن
لها أن تتجنب الوقوع فيها، إن الدين الذي لم يعد يلعب دوراً كبيراً في
البلاد والمجتمعات الصناعية مثلاً ما زال يشكل المقوّم الرئيسي لعلاقة
التضامن والتواصل والتفاهم بالنسبة إلى العديد من مجتمعات العالم
الثالث، ونعني بما في ذلك الأديان الإحيائية ذاتها على الرغم مما فقدت
من قوة وفاعلية، أما بالنسبة إلى الأديان الكبرى فمن المؤكد أنها ما
زالت، بالنسبة إلى الغالبية العظمى من الشعوب النامية، أكبر آلة تهذيب
جماعي وتمدين وبناء للحم الوطنية والاجتماعية. وفي الكثير من الحالات،
وعلى الرغم من الخلافات التي يمكن للدين أن يخلقها أو يدفع إليها، وهي
كما قلنا خلافات اجتماعية تنعكس على الدين، فإن زوال الدين يعني زوال
الأم الثقافية المرضعة نفسها وترك المجتمع، ولا أقول بالضرورة النخبة
المتغربة، دون أي مرجعية ثقافية، أي دون أي أداة للتواصل والتعارف
والتماهي وتبادل العواطف والتقديرات المادية والروحية. |