|
ازمة الفن العربي
د. كاظم شمهود
احب ان انوه الى ما يتضمنه هذا البحث من محطات نطل من خلالها على بعض
المصطلحات التي تحتاج الى توضيح معتمدين على عدد من المفكرين من اهل
اللغة. منها الازمة والهوية والخصوصية والفن القومي وحيثياتها في رياض
عالم الفن التشكيلي وعبقه الذي يتسم بطابعه الانساني الجميل. الازمة:
هي الشدة والقحط , واللازم اغلاق الباب , والامساك والصمت. واللازم شدة
العض بالفم كله . والمتأزم : المتألم لازمة الزمان..
الهوية : يصفها بعض المفكرين بأنها مجموعة ما انتجه المبدعون من مفكرين
وفلاسفة وفنانين ومصلحين طوال فترة ما، وما زالوا مستمرين في الانتاج ,
وبالتالي فهي تجارب امة ما وليس ما تحقق من ابداع في الماضي فقط وانما
بقى مستمرا الى هذا اليوم , وبتعبير آخر هو حاضر وماضي امه وما انتجته
من ابداع في المجالات الثقافية والعلمية والفنية , وبالتالي فان العمل
على ربط الماضي بالحاضر يعتبر من خصوصيات التطور الانساني . وكان هذا
الاتجاه اطلق عليه في روسيا بالمدرسة الاشتراكية كما اطلق عليه في
اوربا الغربية في فترة الستينات باسلوب ما بعد الحداثة.
الخصوصية : هي مظهر من مظاهر الهوية ومن مزاياها او هي الميزة التي
تعين لابداعنا وجهه او اتجاهه.
وهي ايضا الابداع والمهارة في الخلق والتكوين الشكلي بالنسبة للفن .
وان لكل فنان طبيعة ذات تكوين خاص تتضمن كل من الناحية البيولوجية
والفسيولوجية والسايكولوجية , وتبعا لهذه الطبيعة يتحدد الاسلوب الشخصي
لكل فنان من حيث طريقته في مسك القلم او الفرشات او الاداء وغيره , مما
يعطيه مسحة خاصة تختلف عن انتاج غيره.
كما ان البيئة والمجتمع لهما دور ظاهر في طريقة التلوين من حيث حرارة
الالوان و برودتها او هدوئها وكذلك من حيث المواضيع.
اما الفن القومي : فهو ما يطلق على فن الحضارات الثابتة والتي تستمر
عدة قرون تتوفر فيها ظروف اقتصادية.
وثقافية وسياسية تمكنها من الاستمرار فترة طويلة من الزمن مما يرسم لها
خصوصية تنفرد بها مثل الفن المصري والآشوري وغيرها . والقوم : تعني
الجماعة من الرجال والنساء وتعني ايضا الرجال دون النساء.
وبالتالي فأننا نصل الى محورنا الاساسي وهو الفن العربي وازمته
المعاصرة , ولكن من هم العرب ؟..
العرب جنس من البشر يعودون الى جدهم يعرب وهم نوعين : العرب وهم الذين
يسكنون المدن والارياف.
والاعراب وهم البدو الذين يسكنون البادية والصحراء . وللمزيد من هذه
المعلومات يمكن الرجوع الى كتب الباحث الاجتماعي علي الوردي او الى
كتاب ابن خلدون ( مقدمة ابن خلدون).
ويذكر الدكتور شوقي ضيف في كتابه - تاريخ الادب العربي - ضمن موضوع
الهجرات السامية بان الهجرة الثالثة كانت للعرب الجنوبيين والتي حدثت
في اواخر الالف الثاني قبل الميلاد . وهذا يعني بانه كان هناك في بلاد
الهلال الخصيب قبل مجيء العرب حضارات مستقرة تتمتع برقي ومدنية كبيرة
ولها تقاليدها الفنية مثل الحضارة السومرية والبابلية والمصري
والفارسية وغيرها.
وبعد ظهور الاسلام في الجزيرة العربية حدثت تغيرات مهمة في المجتمع
العربي وانعطافات في الافكار والمعتقدات وطرز المعيشة كما انتشر
الاسلام في آسيا وافريقيا و اجزاء من اوروبا ودخلت امم واقوام فيه لها
تقاليد فنية عظيمة مثل الامة الفارسية والتركية والهندية وغيرها . ولما
كانت الامبراطورية الاسلامية لها خليفة واحد وعاصمة واحدة , كانت من
عادة الخلفاء ان يجلبوا المعماريين والمهندسين والفنانين واهل العلم
للعمل في عاصمة الخلافة كبغداد ودمشق وبالتالي فأنك تجد الفنان المصري
والفارسي والبغدادي والتركي والمغولي وغيرهم يعملون في مكان واحد مما
ساعد على امتزاج واختلاط التقاليد الفنية و الاساليب والاذواق . يضاف
الى ذلك تحرك الشعوب بدون حدود وبدون جوازات سفر (والذي نعاني منه
اليوم نحن العرب ), وكذلك حركة تجارة المخطوطات المزوقة بالمنمنمات
المتنوعة الطرز وكان شارع المتنبي الحالي في بغداد المركز الريسي في
الدولة الاسلامية لبيع وتبادل المخطوطات العلمية والادبية والفقهية
وكان يطلق علية بشارع الوراقين.
كل ذلك ادى الى اختلاط الثقافات والدماء و ظهور اسلوب موحد اطلق عليه
بالطراز الاسلامي والذي استمر اكثر من عشرة قرون حتى غزو الاستعمار
الاوربي العالم الاسلامي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن
العشرين.
ويقول الدكتور زكي محمد حسن : بانه يتعذر القول بان هناك فن عربي او
فارسي او تركي او هندي وانما هناك مدارس فنية لها خصوصيتها ومميزاتها
داخل اطار الفن الاسلامي مثل مدرسة بغداد ( المدرسة السلجوقية
)والمدرسة الصفوية والمدرسة المغولية والهندية والاندلسية والتركية
ولكنها تتشابه في الهوية الواحدة وتختلف في الخصوصية. فمثلا: نجد الخط
الكوفي منتشرا بارزا في كل مكان يزين المساجد والتحفيات والسجاد والبسط
حيث نجده في سمرقند وقصر الحمراء والمغرب والقاهرة وبغداد. واصفهان
وغيرها ولكننا نجد له خصوصية ومسحة بارزة تعكس طبيعة وذوق ذلك المجتمع
والفنان الذي ولد فيه وتقاليده وبيئته.
اذن اين هو الفن العربي ؟ و ما هي خصائصه ؟ وما الفرق بين الفن
الاسلامي و ( الفن العربي ) ؟.
هذه الاسألة وغيرها يجب ان نناقشها ضمن سياقاتها العقلانية والاكاديمية
بعيدا عن العواطف والسياسة التي دمرت العباد والبلاد وخربت الفن واهله
من قبل بعض الحكام القومجية( العنصرية ) لتفرضها متسنمة على بقية
القوميات الاخرى.
بدأت التاثيرات الفنية الاوربية على العالم الاسلامي تظهر بعد فتح
القسطنطينية سنة 1453 من قبل السلطان محمد الثاني واستدعاء هذا السلطان
عدد من الفنانين الايطاليين الى البلاط لرسمه شخصيا . ولازالت احد صور
محمد الثاني في متحف توبكابي في استانبول وبزيه السلطاني وفي يده وردة
. كما بدأ السلاطين العثمانيين يشيدون قصورهم على شواطئ البسفور على
غرارقصر الفرساي في باريس.
ولكن بعد سقوط الدولة العثمانية تعرضت الدول العربية الى الاستعمار
الاوربي وما جلب معه من ثقافات وطرز حياتية مختلفة عن عادات وتقاليد
المجتمع العربي. وهذا وغيره ساعد على خلق حركة جديدة في مجال الثقافة
والفن.
كما ساعد على تشجيع اصحاب العقول النيرة بالهجرة الى اوربا للدراسة
والاستفادة من الثورة الصناعية والثقافية التي كانت تجتاح الغرب
يومذاك.
وعندما عاد هؤلاء المثقفون والفنانون العرب الى بلدانهم اسسوا معاهد
واكاديميات لدراسة الفنون على المناهج والطرق الاوروبية وعلى مذاهب
الفنون الحديثة . يضاف الى ذلك ان الدول الاوروبية سعت جاهدة لتأسيس
اكاديميات لها لتعليم الشباب العربي الفنون الاوربية الحديثة . ففي سنة
1898 انشأت ايطاليا مدرسة للفنون في مصر يشرف عليها فنانون ايطاليون ,
وفي سنة 1906 انشأت فرنسا في الجزائر ورشة فنية في فيلا عبد اللطيف كان
الهدف منها التبادل الثقافي والفني وارسال البعثات المتبادلة . وفي
العراق كان لوجود الفنانين البولونيين بين عامي 1941 و 1943 اثر اكبيرا
على الحركة الفنية في العراق حيث اتصلوا بالفنانين العراقيين وقد فتح
هذا الاتصال صفحة جديدة للفن العراقي الذي كان انذاك لا يتعدا الاعمال
الاكاديمية البسيطة ومن بين هؤلاء الفنانين البولونيين ثلاثة من اشهر
فناني بولونيا وقد درسوا الرسم في فرنسا على يد الرسام المشهور بونار
وهم: ياريما وماتوشاك وجابسكي . وكان اول الذين اتصل بهم جواد سليم
وفائق حسن ثم تبعهم الفنانين العراقين الاخرين , ثم بدأ فائق حسن يغير
طريقته في التدريس في معهد الفنون الجميلة على ضوء ما تعلمه من هؤلاء
البولونيين الاوربيين.
من ذلك يتضح لنا بان الفنانين العرب قد تركوا تقاليد الفن الاسلامي
وراء ظهورهم واعتنقوا الطرز الفنية الاوربية الحديثة , وهناك من يذكر
بانه يوجد اليوم اكثر من تسعين في المئة من الفنانين العرب هم متأثرين
بالمدارس الاوربية الحديثة مثل التكعيبية والتعبيرية والانطباعية
والسريالية والواقعية والتجريدية وغيرها... في هذا الوقت بدأت ازمة
حقيقية في الثقافة العربية.
يقول الناقد الدكتور جبرا ابراهيم جبرا: ( من الواضح ان ازمة الثقافة
العربية المعاصرة حين نجد اننا نتخبط في استخلاص الخصوصية التي تعين
لابداعنا وجهه.... انما هي ازمة تحديد هويتنا على نحو يمكننا في الوقت
نفسه من تنميتها ديناميا اي بحركة فاعلة ومستمرة .....) ويضيف ايضا
بقوله: ( قد نقول ان عمل الفنان العربي مازال قاصرا في الاغلب عن
تجربته الحقيقية , اي ان تجربته اكبر من عمله ...) ويقصد هنا بتجربته
الحقيقية هو تراثه العظيم الذي يمتد لآلاف السنين.
اما الاستاذ محمود حمادة وهو احد النقاد والرواد في الحركة التشكيلية
في سوريا فيقول: ( بان الحركة التشكيلية العربية ضعيفة في الوقت الحاضر
وليس هناك شخصيات كبيرة مميزة اصيلة في الفن العربي وان وجدت فهي تعد
بالاصابع , والفنان الجيد هو الذي يعمق تجربته باستمرار واعماله تشير
اليه.... ولكن هناك بعض الفنانين العرب يرون بان ظهور الحرف العربي في
اللوحة هو عبارة عن رمز للهوية وتمجيد للغة والخط العربي , ولكن الخط
العربي سوى كان يشكل مضمونا او عنصرا تشكيليا في اللوحة قد عم استخدامه
في اعمال معظم الفنانين الاوربيين وليس مختصرا على العرب فقط).
ولكن هل ان استخدام الخط العربي في اللوحةيعني اننا قد وجدنا الفن
العربي وضالتنا فيه ؟ علما اننا قد شاهدنا كثير من الفنانين الغربيين
قد رسموا مشاهد من البلدان العربية وان بعضهم استخدم الحرف العربي في
لوحاته مثل بول كلي ولكنهم انتجوا فنا غربيا . اذن ان ازمة الفن العربي
لاتحل باستخدام الحرف العربي او الازياء العربية او مشاهد من الصحراء
ولو كان ذلك لكان الامر سهلا وبسيطا.
وقد طرحت فكرة تعريب الفن في الاقطار العربية من قبل الفنان العراقي
نزار سليم في قاعة وزارة الثقافة في الرباط في ندوة جمعت عددا كبيرا من
الفنانين والنقاد العرب في مطلع السبعينات , وقد علق الناقد والفنان
التونسي ناصر بن الشيخ بان القضية ليست تعريب الفن بل تعريب الفنان
نفسه . ثم تابع قائلا : يجب ان نجعل الفنان العربي يرفض مفردات النقد
الاوربي في معالجة القضايا الفنية ويعود الى التراث العربي وما كتبه
المفكرون القداما في الفن)...
وقد اثار هذا الموضوع جدلا كبيرا واختلافا عميقا في وجهات النظر بين
الفنانين والنقاد . ولكن هل انت تعرب الفن بايجاد نمط من النظريات
تفرضها على المبدع كما فعلت الكنيسة في العصور الوسطى..؟
ام انك تطلب من الفنان العربي ان يبدع ثم ترى ما الذي سيتحقق لديه ؟ ثم
تساءلوا : هل ان الواسطي حين راح يرسم احداث مقامات الحريري قد تسأل
كيف اجعل فنا عربيا ؟ ام ان المحيط الثقافي والفني والاجتماعي والديني
والارث الحضاري هي التي كانت القاعدة الاساسية في الابداع والمهارة
الشخصية لرسم تلك المقامات ...؟ اذن ان الفنان كالمفكر يحاول التحكم
بنتاج الانسان الحضاري برمته ويخضعه الى نوعين من التجارب هما التجربة
التاريخية، اي الانسانية والتجربة الذاتية او النفسية , وبالتالي
فالفنان لا يبدع في فراغ وجودي ضمن اطار المعادلات الجاهزة , بل ان
الابداع قضية تتعلق بحرية التعبير والرصيد الثقافي والايحاء والخيال.
في موسيقى الشعريات الجديدة.. (إيقاعات قصيدة النثر)
د.عبد الماجد عبد الرحمن
إن قصيدة النثر لا إيقاع لها سوى الإيقاع النابع من النبر والتركيب
الصوتي للغة النص والأبعاد الدلالية للنظم , أي من المكونات ذاتها التي
تمنح النثر بكل أشكاله وتشكيلاته إيقاعا ما , ولا تولد وحدها إيقاعا
شعرياً بالتحديد العربي للإيقاع الذي يقوم على التكرار المنتظم
لمكونات معينة وفي تشكيلات وزنية محددة. قصيدة النثر بهذا المعنى , لا
وزن لها , لكن لكل نص منها إيقاعا ... لكل نص منها إيقاعه الفردي
المتعين . والإيقاع هنا يسرح في واد متغير المسارات والانعطافات وليس
بحراً هادئاً منتظم الحركة متكررها ... فان قصيدة النثر تغير دائم لا
استقرار له ولا ثبات وحركة الإيقاع فيها ليست حركة تموجات بل انسراب
واندفاع وتبجس وتناثر وتفجر وترقرق وهجهجة ومجمجة وعجيج وهدير وسقسقة
نمير لمياه غدير قلق , سلسبيل أو متفجر أو مابين بين ... بل إن هذه
الاستعارة غير دقيقة لأن للنبع ضفافه المقيدات الحاصرات وقصيدة النثر
لا ضفاف لها ولا حواصر..
إيقاع اللغة:
تنشعب لغات العالم من حيث بنيتها الإيقاعية إلى شعبتين رئيستين :
اللغات ذات الإيقاع النبري واللغات ذات الإيقاع المقطعي.
اللغات نبرية- الإيقاع ( نقصد هنا الكلام العادي وليس فقط الشعر) تبرز
جميع المقاطع المنبّرة بزمن واحد- متناسب بغض النظر عن عدد المقاطع غير
المنبّرة التي تتخللها. أما اللغات مقطعية-الإيقاع فالزمن فيها يتحدد
بعدد المقاطع بغض النظر عن كونها منبّرة أو غير منبّرة. بصوغٍ مختلف ,
في النوع الأول الوحدة الإيقاعية المركزية هي (النبر) وفي النوع الثاني
الوحدة الإيقاعية المركزية هي (المقطع). اللغتان الانجليزية والعربية
تصنفان صوتياً ضمن الشعبة الأولى(النبرية) في حين تقع الفرنسية ضمن
الشعبة الثانية(المقطعية).
الإيقاع وليس بالضرورة الوزن- موجود في كلامنا اليومي العادي ولا يمكن
الاستغناء عنه. والموسيقيون يقولون إن حياتنا كلها ملفوفة بالإيقاع .
الدنيا إذاً, مدوزنة و العالم مموسق والكون كورال أزلي كبير!! ويقال أن
الإيقاع أعمق بكثير من أن تستجيب له الأذن فقط . فالجسد كله, يستجيب
للإيقاع ويحسه ويشعر به.. وتدركه الروح!!
ولهذا فنحن نحس حين نسمع إخواننا المغاربيين يتكلمون بلهجتهم , بإيقاع
مختلف نوعا ما عن سائر اللهجات العربية الأخرى. والسبب في رأي أن
لهجتهم المغاربية أقرب إلي الإيقاع المقطعي (ربما لطول تعودهم
الإيقاعات الفرنسية , وربما لخصيصة كامنة في اللهجة العربية المغاربية
نفسها)!! ويضحك بعض الانجليز حين يسمعون بعض الفرنسيين يتكلمون
الانجليزية بتنغيم ناشز ورزم فرنسي-مقطعي غريب عليهم , رغم أن
الانجليزية من حيث المفردات تنوء بالكلمات ذات الأصل الفرنسي.
أوزان الشعر في العالم أربعة
أوزان الشعر في العالم تقع في أربعة أنهر كبيرة: الوزن الضغطي-النبري(
يتحدد الإيقاع فيه بتساوي عدد المقاطع- المنبورة في البيت ], والوزن
المقطعي يتحدد الإيقاع فيه بتساوي عدد المقاطع في البيت], والوزن
النبري-المقطعيوهو الأوسع انتشارا في الشعر الانجليزي, [حيث يكون هنالك
تساوي في عدد المقاطع وعدد النبرات معاً ], والوزن الرابع هو الوزن
الكمي العربية تشبه اليونانية واللاتينية في إتباعها للوزن الكمي
القائم على التفعيلة. (يتحدد الإيقاع هنا بتساوي عدد التفعيلات
المكرورة في البيت , بغض النظر عن كم المقاطع وكم النبرات]. والتفعيلة
لا وجود لها في الانجليزية وإنما اُستلفت استلافاً من المصطلح العروضي
الإغريقي واللاتيني في زمن التدوين الانجليزي الذي اتخذ من اللغتين
اليونانية واللاتينية معياراً قياسياً لا محيص عنه . ومن غير المستبعد
كذلك , أن يكون التدوين العربي الذي سبق التدوين الانجليزي , وقع
أيضاً, بفعل ديناميات التناص والمثاقفة , تحت ظلال المثال
اليوناني-اللاتيني الممزوج بالتأثير الهندي الفارسي هذه المرة .
والتفعيلة تتحدد بطول وقصر المقاطع (الذي يتحقق بالحركة والسكون في
التقطيع العروضي) وليس بسلسلة المقاطع المضغوطة المنبّرة وغير المضغوطة
المنبّرة الذي يميز النوعين الأول و الثالث من الأوزان (النبري
والنبري-المقطعي) . ففي الوزن الكمي إذاً , الوحدة الإيقاعية المحورية
هي التفعيلة وليس النبر ولا المقطع ولا الكلمة. النوع الثاني المقطعي
ينتشر في الفرنسية التي هي لغة مقطعية الإيقاع أصلاً, ولا وجود له في
الانجليزية والعربية. إذاً ثمة توافق في الفرنسية والانجليزية بين
إيقاع اللغة من حيث هي لغة وبين الإيقاع الشعري الوزني. وليس معروفاً ,
على جهة الضبط , لماذا تقع إيقاعات الشعر العربي التقليدي ضمن النوع
الكمي , الذي ارتبط أيضاً باللغات الكلاسيكية كاليونانية واللاتينية,
إن كانت العربية فعلاً لغة نبرية في الأساس كما يرى بعض الأصواتيين
؟؟ يرى بعض دارسي إيقاعات قصيدة النثر العربية أنها تستخدم إيقاعات
نبرية ( راجع كمال أبوديب). إذا صح هذا التحليل , فان إيقاعات قصيدة
النثر تكون أقرب إلي بنية اللغة العربية الإيقاعية نفسها (تلك البنية
الإيقاعية التي محورها «التنبير» وليس طول المقاطع وقصرها أي التفعيلة
). لكن دراسة (كمال أبو ديب) لم تشر إلي الطبيعة الإيقاعية للغة
العربية نفسها التي تشير الدراسات الصوتية الحديثة إلي أنها لغة نبرية
(عالم الصوتيات البريطاني بيتر روتش وهناك دراسات حديثة مبكرة عن
(النبر) للناقد العربي المتميز محمد النويهي . والنويهي (الذي رحل في
عام 1980 ) ترأس قسم اللغة العربية في جامعة الخرطوم في
الأربعينات(كلية غردون) , بعد أن كان قدم إليها من قسم الدراسات
الشرقية في جامعة لندن, وهو صاحب كتاب (الاتجاهات الشعرية في السودان)
و (ثقافة الناقد الأدبي) . وكان النويهي يكتب مقالات متميزة الرؤى في
صحيفة الرأي العام السودانية وبعض الصحف الأخرى . و كتابات محمد محمد
علي النقدية تحمل الكثير من المساجلات مع هذا الناقد (خاصة حول تقليدية
وعدم تقليدية شعراء مثل البناء والعباسي).
وحسب (أبوديب) فان التحول الذي طرأ على بنية الإيقاع الشعري العربي ,
هو ليس تحولاً في بنية إيقاعية-لغوية فحسب, ولكن أيضا , وبشكلٍ مائز,
في البنية الفكرية-النفسية . ويدلل لذلك بتغليب البنية الجديدة للسكون
على حساب الحركة التي تفضلها البنية القديمة (حركات أواخر الكلمات).
أبو ديب هو أحد أهم إشراقات النقد العربي الحديث وهو مترجم ادوارد
سعيد الشهير (الإستشراق والثقافة والامبريالية ) وهو صاحب (في البنية
الإيقاعية للشعر العربي 1974) و (جدلية الخفاء والتجلي). لكن, البنية
النبرية, لا تعتمد أصلا على تعاقب الحركة والسكون وإنما على إبراز
المقطع بتنبيره أو إخفائه بتركه دون تنبير فيما تتأسس التفعيلة في
الوزن الكمي من تسلسل الحركة والسكون ( المقطع الطويل=حركة و المقطع
القصير= سكون). المقطع يحتوي علي فونيم مُصوّت واحد بصرف النظر عن
السواكن التي تسبقه أو التي تليه : كلمة (لا) تحتوي على مقطع واحد في
حين تحتوي كلمة (مدرسة) على ثلاثة مقاطع (الصوائت هي الأصوات الذائبة
التي يطلع فيها التيار الهوائي بشكل انسيابي , في حين لا يخرج الهواء
بذات الانسيابية في الأصوات الساكنة/الجوامد ) . ومثلما يخلط كثير من
الناس بين الإيقاع والوزن (الوزن جزء من الإيقاع وصورة منه وليس العكس)
, يخلطون كذلك بين المقطع والتفعيلة . التفعيلة وحدة صوتية تتكون من
تشكيلة مقاطع وهي مرتبطة بالوزن (الكمي ) الذي ينشأ, إيقاعياً, من
انتظام طول المقطع وقصره في البيت. لا يوجد بيت في الشعر الانجليزي
لأنه لا توجد تفعيلة أصلا, لأن الوزن الانجليزي نبري في الأساس,
واستخدامه في دراسة الشعر الانجليزي ناتج من النقل الحرفي من المثال
اليوناني-اللاتيني. والبيت , أصبح في الشعريات الجديدة شقة كبيرة فيها
غرف كثيرة وصالات وفرندات وأثاث حديث , كما يعلق بلطف الشاعر الليبي
فرج العربي.
قصة قصيرة
المحـــاكــمــة
علي خضر الساعدي
الارض مقفرة موحشة والمسافة بعيدة، وصوت صادر من بعيد يشبه الضجيج بملأ
الافاق والسماء مهاجرة منذ وقت طويل وجسدي دمية يحملها مخنثان من الذين
ابتليت بهم الارض وتوجها بي مباشرة الى مدفع عملاق يقع في اخر الفضاء
وانزلاني في فوهته التي بدت لي تفور كالتنور، ثم اطلقاني الى الاعلى
كالبرق دون رحمة ولا ادري اين سقطت لكن الارض التي سقطت عليها كانت
حنونة ناعمة كالحرير فلم اشعر باي الم، كان المكان جميلا تملؤه الطيبة
للغاية من ناس مرحين حتى اني سمعت احدهم يقص قصة شعبية كنت احسبها
اندثرت منذ مئات السنين اعجبني المكان كثيرا حتى اني رأيت فلان، وفلان
الذين وافاهم الاجل وانا غض غرير الا انني افرطت في حلمي اليافع لاجد
نفسي مباشرة في قفص الاتهام داخل محكمة واسعة وحولي ثلاثة اشباح، وفي
صدر المحكمة يقبع وهم كبير له عشرات الاذرع ومئات الاذان وكلها تعمل
باعلى طاقتها فعرفت انني متهم، ولكن لم اعلم شيئا عن تهمتي في هذه
اللحظة طرق الوهم الكبير باحد اذرعه على طاولة الزمن معلنا بداية
المحاكمة وعند ذلك تقدم الشبح الاول من الوهم قائلا سيدي اني باسم
الحاضر اطلب من عدالتكم انزال اقسى العقوبة بهذا المتهم لانه رفض
الانصياع والاستماع الى تعاليمنا وطلباتنا والعيش معنا لاننا طلبنا منه
ان يتنازل ويتجرد من كبرياءه لكنه تغطرس وابى، ثم انحنى ببالغ الاحترام
وعاد الى مكانه دون ان يحدث جلبة، ثم تقدم الشبح الثاني اظنه امرأة
وطلب بانزال نفس العقوبة قائلا: سيدي ان الماثل امامكم العاري،
بملابسه، يهزأ بقوانيننا ويقول اننا جئنا بها من اخر الفسيحة، وهذا
واضح كما ترون فصوته خشن غير مفهوم، وهو فحل، ونحن اصواتنا ناعمة لها
جرس خاص،وهذا مخالف للقانون، وشعره قصير وهذه مخالفة اخرى للاداب
العامة في مملكتنا ثم تلاشى او تلاشت ثم تقدم الطيف الثالث وطالب بمنحي
فرصة اخيرة وبعدها يتم اجراء اختيار وعلى ضوء نتيجته يقررون براءتي او
يلقون بي في سراديب الماضي، فتقدم احد الاشباح حسبته المرؤة، واخذني من
يدي بحنية ثم مررني بدهليز ينتهي بغرفة قال لي انها للفرز والمطالعة،
وكانت مليئة بالرسوم المتشابهة فالتبست علي الامور، وقال لي لم يعد
لديك اية حجة ضدنا واعادني الى المحكمة لاجراء الامتحان، وهنا تقدم
الشبح الاول وسألني قائلا: ايها المتهم قل لي كيف تفرق بين الرجل
والمرأة فقلت الحمد لله انه سؤال سهل واجبت على الفور، الرجل شعره قصير
وصوته خشن وله عرف مثل الديك، والمراة عكسه تماما فقهقه مرددا.. هراء..
غباء.. ثم اختفى، وتقدم الثاني وسألني كيف تفرق بين المرأة المتزوجة
والفتاة العذراء، فشعرت بالضيق او انهم يمازحوني بهذه الاسئلة السمجة،
واجبت بثقة عالية العذراء تعرف من حيائها مطأطأة، الا المارقة
والمتزوجة تبقى حاملا، فهز رأسه وبرطم ثم اختفى فتقدم الثالث بقامته
المهولة، وقال: هذا سؤالك الاخير، انظر ايها المشكوك فيك الى الشارع
وقل لنا ايا من المارة رجل وايا منهم امرأة فانتهزتها فرصة بعد ان خفت
عني القيود، فذهبت الى النافذة وحاولت جاهدا وبذلت قصارى جهدي، وراح
العرق يتصبب من جبهتي، لان الاشكال بدت تمور تتلاطم كموج البحر كلها
متشابهة واخطأت اكثر من مرة وخانتني الفراسة، وكظمت حزني، واخيرا عدت
الى المحكمة معترفا بذنبي وقبلت راضيا غير مأسوفا علي في سراديب
الماضي.
هذا.. أنا
عادل فليح الخياط
هذا أنا
في اخر الليل
أنصب شباكا من خيالاتي
لعلي أصطاد أمرأة
تمنحني التوهج
وتكسر صمت القصائد
فأحلامنا الأولى
غادرتنا لمدن همشها القمر الغائب دائما
فأين هي أبجديتنا
التي سطرتها الظفائر ؟ هذا أنا
خاصمني السرير
من تقلبي الأهوج المجنون
لكني استمع لأنفاسي
وكأنها لغو الصخب
هذا أنا
دائما أبحر في النهر
وأغفو
على أنين عاشق من الجنوب
أتعمد بالماء
علني أستريح في قعره
ليغسل ما أدخرته من هموم
فالنهر
هو الوحيد الذي يفك لغز العاشقين
هذا أنا بلا أصحاب
فالزمن يبدو بلا رئتين
ليهبني نفس أيامنا الأولى
حيث كنا نعدو
في دروب لا تعرف التوقف
لعيون تتلصص من خلف الشبابيك
والهوى
في شارع الهوى
يزيد من سخونة أيامنا
ونروح نحلم ونحلم
هذا أنا
العاشق من الجنوب |