|
الاتجاه الفكري لمدرسة الإمام جعفر الصادق_ عليه السلام
د. منصور الجمري
كثر الحديث في السنوات القليلة الماضية حول إمكانية الفكر الإسلامي
مواجهة التحديات المعاصرة وإمكانية تخليصه من الشوائب والمعوقات
الموروثة. وفي هذا السياق برزت أسماء لمفكرين عرب ومسلمين حاولوا فهم
مكونات (العقل العربي) و(العقل الإسلامي)، كالدكتور محمد عابد الجابري
والدكتور محمد أركون، والدكتور عبد الرحمن الطريري وغيرهم. والحديث عن
(العقل)، هو الحديث عن قدرة الإنسان إدراك الأشياء على حقيقتها، وقدرة
الإنسان تحديد رأيه في موضوع من المواضيع. ويرتبط بمفهوم (العقل)،
مفهوم (العقلانية) التي يقصد منها قدرة الإنسان على تحديد موقفه
الفكري، وسلوكه تجاه قضايا الحياة الاجتماعية والمعرفة، وقضايا العلوم
التطبيقية. فالإنسان يحقق هدف إنسانيته من خلال تحكيم نظام عقلي يقوم
على مجموعة من المبادئ والمسلمات والقوانين الأولية التي تتفق عليها كل
العقول السليمة، وأن تلك المبادئ تتميز بالسمو والارتفاع، فوق
الجزئيات، وفوق اعتبار الزمان والمكان.
ولو رجعنا إلى القرآن الكريم، فإننا نرى الكثير من آياته تتحدث عن صيغ
مشتقة أو مرادفة لكلمة العقل مثل {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم
تعقلون} (البقرة/242)، و{النجوم مسخرات بأمره، إن في ذلك لآيات لقوم
يعقلون} (النمل/12). ومن هذا المنطلق تناول علماء المسلمين مفهوم العقل
وعلاقته بالشريعة وناقشوا المواضيع التي طرحت أسئلة في غاية الأهمية
مثل: هل أن الشرع هو أساس الإيمان؟ أم أن العقل هو الأساس؟ فكثير من
أمور الشرع لا يمكن إثباتها بالحجة والبرهان، ولهذا فإن الإشكالية التي
تطرح نفسها هي: هل الحجة والحاكمية للشرع أم للعقل؟
العلاقة بين الشرع والعقل مسألة تتعلق بموضوع المعرفة، لأن المعرفة هي
الرابطة التي تصل الإنسان بعالمه الخارجي. ولولا المعرفة لظل الإنسان
أسيرا لذاته مثل المخلوقات غير العاقلة. فالمعرفة هي التي تفتح عقل
الإنسان على الطبيعة المحيطة به، وتفتح أمامه الأسئلة حول ما وراء
الطبيعة. وعلى هذا الأساس فإن نظرية المعرفة لدى الفلاسفة تحاول تعريف
الوسائل التي تزود الإنسان بالمعرفة وطبيعة القنوات التي تربطنا
بالعالم الخارجي.
يتفق الفلاسفة المسلمون وغير المسلمين على أن التكوين المعرفي يعتمد
على نوعين أساسيين من العقلنة الإنسانية: الاستدلال والاستقراء.
الاستدلال يمكن الإنسان من استخراج النتيجة العقلية بالاعتماد على
مقدمات نظرية معروفة ومقبولة. أما الاستقراء فيمكن الإنسان من الوصول
إلى نتيجة عقلية من خلال تتبع الجزئيات باستخدام التجربة (المعتمدة على
الحواس الخمس) للتوصل إلى حكم نهائي.
والفلاسفة الأوائل يرون أن اعتقاد الانسان بشيء ما لا يمكن أن يكون
يقينيا مطلقا ما دام هناك أدنى احتمال خطأ في المقدمات التي أوصلت إلى
تلك النتيجة. ولهذا، فإن الشك اعتبر المحفز الرئيسي لتكون المزيد من
المعرفة. وقد سعى الفلاسفة للوصول إلى العلم الأساسي والمعرفة التي لا
تحتاج لدليل ولا تحتمل الشك للوصول إلى علم يقيني يمكن تأسيس العلوم
والمعارف الأخرى عليه. وهنا يشير الإمام الصادق (ع): "أما إذا خرجت من
الأفكار إلى منزلة الشك فإني أرجو أن تخرج إلى المعرفة".
لا شك أن وصول هذه الأفكار التشكيكية إلى المسلمين (بعد ترجمة الكتب
اليونانية التي بدأت في عهد الإمام جعفر الصادق) كان لها أبلغ الأثر في
دفع رواد الفكر الإسلامي لمواجهة الكثير من الإشكاليات التي طرحت نفسها
على الساحة. ولقد ساعدت الاوضاع السياسية الإمام الصادق، كما عبر عنه
أسد حيدر (1969)، "بين شيخوخة الدولة الأموية وطفولة الدولة العباسية،
إذ اتسع المجال للصادق لنشر العلم وبث الأحكام الشرعية والتعاليم
النبوية". فبين ميلاد ووفاة الإمام الصادق في 702 - 765م، عاصر ثمانية
من ملوك بني أمية واثنان من ملوك بني العباس. وبسبب تلك الظروف اشتهر
الإمام الصادق في ذلك العصر واتسع ذكره وتوسعت مدرسته الفكرية التي كان
يدرس فيها أربعة آلاف عالم، اشتهر عنها حرية القول وحرية النقض
والإبرام في شأن الحقائق الدينية والعلوم الطبيعية.
وفي الوقت الذي ركز الفكر اليوناني على النظريات والعموميات والنهج
الاستدلالي، كان الإمام الصادق يخضع بحوثه للنهج التجريبي معتمدا على
القرآن الذي ركز على الاعتبار بالمحسوس المتمثل بالواقع، وحث على رفض
المسلمات والعموميات التي تحكم مقدما على أي أمر واقع. ولذا فإن مدرسة
الإمام الصادق بالمدينة المنورة احتوت على علماء ومتخصصين في جميع
المجالات العلمية المتطورة في ذلك الحين، مثل الفيزياء والكيمياء والطب
وعلوم الجغرافيا والفلسفة، بالإضافة طبعا للعلوم الدينية كعلم الحديث
والفقه.
يقول الإمام الصادق (ع): "اطلبوا العلم ولو بخوض المهج وشق اللجج"،
ويقول لتلامذته "اكتبوا، فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا"، (أنظر سليمان
كناني/1991). هذا التأكيد على الجانب التجريبي والبحث العلمي المستمر،
مكن تلامذة الإمام الصادق من استيعاب الفكر اليوناني دون الإخلال
بمرتكزات الفكر الإسلامي. ولذلك فإن الإمام الصادق واجه المشاكل
المطروحة في عصره حول الجبر والاختيار، والقضاء والقدر، بانفتاح وحرية
لا زالت رمزا لكل من طلب الانعتاق من الاغلال. فهاهو الإمام الصادق
يتحدث بطول نفس مع الزنادقة الذين لم يؤمنوا بالإسلام، ولا يغضب عندما
يسأله أحد الزنادقة "كيف يعبد الله الخلق ولم يروه؟"، ويجيبه الإمام
"رأته القلوب بنور الإيمان وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان،
وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف، ثم الرسل
وآياتها، والكتب ومحكماتها، واقتصر العلماء على ما رأوه من عظمته دون
رؤيته" (أنظر الجندي/1977).
ولهذا فإن الإمام الصادق يقول "اطلبوا العلم، فإنه السبب بينكم وبين
الله". ويؤسس الصادق نظرية عقلية بقوله "الحسن الجوهر هو العدل، لأنه
علة كل حسن، والجور هو القبح لأنه علة كل قبح". وبهذا يتضح العمق
الفكري والسياسي للصادق عندما يربط الظلم والجور بكل نتيجة قبيحة ويربط
العدل بكل نتيجة حسنة.
على أن الإمام الصادق وقف موقفا رافضا لمبدأ "القياس" لأنه وجد ذلك
تحديدا للمنهج الفكري الذي نشره بين تلامذته. فالإمام أبو حنيفة استخدم
"القياس" كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي واستنبط أحكاما شرعية على
أساس مقارنة حالة معينة بحالة أخرى. اذا كان القياس منصوص العلة فهو
مقبول، أما إذا كان مختلف العلة فيرفض قبوله. بمعنى ان قياس الاحكام
دون النظر إلى العلة مرفوض. فمثلا: علة تحليل الخمر هو الاسكار ولهذا
فان أي مسكر يصبح حرام. ولكن القياس الشكلي قد يؤدي إلى تحريم كل شيء
يشبه الخمر وان كان ليس مسكرا. وقد يحلل ايضا مسكرا لانه لايشبه الخمر
الذي ورد ذكره في القران والسنة. ولعل من أفضل الردود المعاكسة لمنهج
القياس ما ورد على لسان جابر بن حيان، تلميذ الإمام الصادق (ع) وأبو
الكيمياء وصاحب أقدم مختبر كيميائي عرفه التاريخ. فالقياس يشبه
"المجانسة" و"مجرى العادة"، ويشرح جابر بن حيان ذلك بالقول "ومن دلالة
المجانسة دلالة الأنموذج كمن يريك بعض الشيء دلالة على كله، وهو
استدلال وغير قاطع. إذ الأنموذج لا يوجب وجود شيء من جنسه يساويه تماما
في الطبيعة والجوهر". (أنظر الجندي/1977). ويشير إلى مجرى العادة
قائلا: "وكذلك دلالة مجرى العادة، فإنه ليس علم يقين اضطراري برهاني
أصلا، بل علم إقناعي يبلغ أن يكون: أجرى وأولى وأجدر لا غير. وليس في
هذا الباب علم يقين واجب".
واستتباعا لذلك فإن الإمام الصادق علم تلامذته الأخذ بالدليل
الاستقرائي لتحصيل المعرفة الإنسانية والكونية، معتبرا القرآن مصدرا
إلهيا للمعرفة الدينية الموجهة للمعرفة الإنسانية وليست البديلة عنه.
فجابر بن حيان هو القائل في حق الإمام الصادق: "وحق سيدي، لولا أن هذه
الكتب باسم سيدي صلوات الله عليه لما وصلت إلى حرف من ذلك إلى الأبد".
ويقول جابر مسترشدا بتعاليم الإمام الصادق: "اتعب أولا تعبا واحدا،
واعلم. ثم أكمل، فإنك لا تصل أولا ثم تصل إلى ما تريد". ويقول أيضا:
"من كان دربا مجربا، كان عالما حقا، ومن لم يكن دربا لم يكن عالما،
وحسبك بالدربة في جميع الصنائع، لأن الصانع الدرب يحذق، وغير الدرب
يعطل". ويقول جابر "عملته بيدي وبعقلي، وبحثته حتى صح، وامتحنته حتى
كذب" (أنظر الجندي/1977).
إن هذا الفكر المشرق للإمام الصادق يدحض ما قاله الدكتور محمد عابد
الجابري في كتابه "تكوين العقل العربي" عندما ذكر: "أقرر أن الحركة في
الثقافة العربية كانت وما تزال حركة اعتماد لا حركة نقلة، وبالتالي
فزمنها يعدها للسكون لا الحركة على الرغم من كل حركتها، والدليل أن
الفكر الشيعي فقها وكلاما وسياسة اكتمل مع جعفر الصادق". ولا بد لنا من
الاعتراض على من يسمي فكر الإمام الصادق "شيعيا"، لانه فكر اسلامي عام
تعاطى مع مفردات المعرفة كافة كالكيمياء والرياضيات والفلك والجغرافيا
وغيرها مما سجل له اعلام الفكر سبقه إلى هذه الميادين الواسعة الافاق.
الإمام الصادق كان قائدا إسلاميا تعاطى مع جميع المسلمين دون تفريق
وفتح آفاق العلم مستلهما ما انتجته الحضارة الإنسانية انذاك ومطورا لها
- بعد أسلمتها - ودافعا لها نحو التجديد المستمر والبحث المعتمد أساسا
على المنهج التجريبي الاستقرائي، والمستلهم هداه من وحي القرآن الكريم.
الشباب واتجاهاتهم نحو العمل
ولاء حامد موسى الفهداوي
يعد الاهتمام بقضايا الشباب واتجاهاته ومشكلاته اهتماماً بالمجتمع ككل
وبمستقبله لأنهم يمثلون جيل المستقبل، والطاقات التي تسهم في تحقيق
أهداف المجتمع وإنجازاته من خلال ما تحويه من ميزات وخصائص مهمة تجعلها
بحق من أهم المراحل في حياة الإنسان، وتعد عملية ممارسة العمل واختياره
من الخصائص الأساسية لهذه المرحلة وخصوصاً لدى شباب الجامعة المقبلين
على مجالات العمل المختلفة. لذا نحاول في هذا الفصل الإشارة إلى الأسس
التي يعتمد عليها الشاب في اختياره لعمله وكذلك سنبين خصائص مرحلة
الشباب وميزاتها والكيفية التي سوف يلجون فيها مجال العمل، مع التركيز
على أهم المعوقات والمشاكل التي قد تواجه الشباب في بداية اختيارهم
لعملهم.
- أولاً: أسس احتيار العمل
إنّ الفرد بطبيعة الحال عند إقدامه على اختيار عمله فإنه يكون محاطاً
بالعديد من المؤثرات والمتغيرات التي تؤثر من قريب أو بعيد على
اختياره، فقد تدفعه إلى عمل معين حاجاته المتعددة التي يبغي دائماً
إشباعها وتطمينها. وقد تؤثر عليه وتساعده في اتخاذ قراره بخصوص هذا
الموضوع ظروف تنشئته الاجتماعية من خلال مؤسساتها المتعددة، كما قد
تدفعه إلى عمل معين تغير ظروفه أو مكانته واوضاعه مما يساهم وبشكل كبير
في تحديد نوع عمله، ان جميع ما ذكر آنفاً، يعتبر دوافع ومؤثرات تؤثر
على قرار الفرد في اختياره لنوع العمل.
ولكن هنالك مجموعة من الأسس أو المعايير التي قد تحدد عمل الفرد والتي
سنتناول منها جانبين هما المؤهلات العلمية والجنس.
1- المؤهلات العلمية:
هي منظومة من التجارب والدراسات والخبر والمهارات التي يتعلمها الافراد
بطريقة نظامية وأصولية في مدرسة أو معهد أو جامعة معترف بها. وهذه
المؤسسات تمنح دارسيها وتلامذتها شهادات مدرسية أو أكاديمية تبرهن
تعلمهم واكتسابهم الخبرات والمهارات والمعلومات والفنون الداخلة في
الحقول الدراسية النظرية والتطبيقية التي يتخصصون فيها وحامل الشهادة
في دراسة ما أو اختصاص معين يستطيع مزاولة الاعمال المؤهل على القيام
بها وممارستها. وعند أدائه إياها بصورة صحيحة ومتقنة يتقاضى راتباً أو
أجراً ويحصل على درجة معينة من الاحترام والتقدير من الأشخاص العاملين
معه ومن أبناء المجتمع الكبير. وقد ارتفعت في الوقت الحاضر أهمية
الثقافة والتربية ولاسيما بعد تشعب وتعقد المجتمع واعتماده على الأسس
العلمية والتكنولوجية في الإدارة والإنتاج بحيث لا يستطيع الفرد في
الوقت الحاضر إشغال أي عمل أو مهنة تحتاج إلى كفاءة وخبرة ومهارة دون
حمله للمؤهلات العلمية والفنية التي تدل على كفاءته ومهارته وتدريبه.
فالمؤهل العلمي الذي يحمله الشخص يسمح له بالعمل في نفس مجال تخصصه،
كما انه - أي المؤهل العلمي - قد يحدد الأعمال، فهنالك أعمالاً تتطلب
مؤهلات علمية عالية مقارنة مع أعمال اخرى تتطلب مستوى اقل من التعليم،
فالدرجة العلمية التي يحصل عليها الفرد هي في الغالب تحدد نوع العمل
الذي سوف يشغله وبذلك فهي تمثل احد المتطلبات المهمة لأعمال معينة دون
الأخرى.
والتعليم من خلال توزيعه للمؤهلات التعليمية، يقسم ويمايز التلاميذ
ويرسي رسمياً اضفاء الشرعية لتأهيلهم لوظائف معينة وعدم تأهيلهم لأخرى
ولكنه لا يقوم بربطهم بتلك الوظائف.؟
وبمعنى ادق، ان حصول الفرد على مؤهل علمي معين لا يعني انه يجب ان
يرتبط به وان يعمل وفق هذا المؤهل أو هذا الاختصاص ولكن تبقى هنا حرية
الفرد نفسه وكذلك ميوله وظروفه وحاجاته والتي تدفعه لعمل معين، فقد
يقوم الفرد بعمل ليس له علاقة بمؤهلاته العلمية.
ويبدو من استقراء التاريخ الصلة الوثيقة بين التعليم والوظائف
الحكومية. فبتحليل السلم الوظيفي، نجد ان أسلوب الترقية وتطور المستقبل
الوظيفي في كل من الحكومة والهيئات العامة يرتبط بمستوى التعليم الذي
حصل عليه الشخص، فنادراً ما يتسنى لخريج مدرسة ثانوية فنية أو نظرية ان
يتسلق السلم الوظيفي حتى يصل إلى القمة (أي الوظائف العليا ).
وهنالك نقطة اخرى يجب ذكرها، وهي ان دخل الفرد المتوقع طوال حياته يؤثر
على اختياره المهني ومن ثم على تعليمه. فعلى سبيل المثال يختار الشباب
الالتحاق بالتعليم العالي ليس بسبب الوضع الاجتماعي الذي يتمتع به
خريجوا الجامعات فحسب، وانما لأنه يؤهلهم للحصول على اجور مرتفعة مع
اتاحة الفرص امامهم للترقي بأسرع من خريجي المدارس الثانوية.
كما انه هنالك بعض من خريجي الجامعات يعتبرون المؤهل العلمي أو الشهادة
بأنها اعتبار اجتماعي أكثر من كونها وسيلة للحصول على العمل.
يتضح من ذلك انه على الرغم من ان العمل الوظيفي في الغالب يتطلب من
الفرد الحصول على مستوى تعليمي معين وذلك لتأهيله لهذا النوع من العمل،
فمن النادر ان يشغل الفرد مكانة مرموقة في عملاً وظيفياً من دون ان
يكون لديه مؤهل علمي، فيستلزم العمل الوظيفي الحصول على هذه المؤهلات،
ولكن هذا لا يعني ان العمل الحر لا يتطلب مثل هذه المؤهلات فهنالك
اعمالاً حرة تتطلب مستوى من التعليم ويشترط ان يكون الفرد حاملاً
للمؤهلات العلمية في اختصاص معين، فضلاً عن ان هناك اعمالاً حرة لا
تتطلب من الفرد ان يحصل على مستوى علمي عالي، أو انها لا تشترط عليه ان
يكون حاملاً لها، فمن هذه الناحية يكون العمل الحر أكثر مرونة من العمل
الوظيفي.
وقد يتحدد دخل الفرد أو راتبه ومكانته على وفق مؤهلاته العلمية التي
يحملها. ونلاحظ انه في الوقت الحاضر زاد الاهتمام للحصول على الشهادة،
وان اغلب الأعمال تتطلب ان يكون الفرد متعلماً وحاصلاً على شهادة
معينة، حتى ان فرص التعيين والترقية تتخذ الأفضلية لمن يملكون المؤهلات
العلمية العالية.
2- الجنـــس
ان كون الإنسان يعمل أو كونه يعمل في وظيفة معينة، لا يتوقف بالضرورة
على مقدرته وكفاءته، وانما يمكن ان يتوقف على عوامل اخرى مثل الجنس.
الذكورة أو الأنوثة خاصية بايولوجية، ولكن المهمات والأدوار المحددة
اجتماعياً لكل منهما تترسخ من خلال التنشئة الاجتماعية، ولذلك فهي
متغيرة مع الزمن وتختلف داخل الثقافة الواحدة وكذلك بالضرورة من ثقافة
لأخرى.
فمن الملاحظ ان أساليب التنشئة الاجتماعية قد توجه الأولاد والبنات في
ألعابهم ونشاطهم وبرامجهم التعليمية وبما يتفق ومقتضيات دور الرجل الذي
يتميز عن دور المرأة فالأعمال الخشنة التي تتطـلب مجهوداً جسيماً
كبيراً أو الأعمال الحرفية اليدوية: الحدادة والنجارة تعـد من صميم عمل
الرجل ووظائفه.
والعمل لا يقتصر على جنس معين دون الآخر بل على العكس فتطور أي مجتمع
وتقدمه يعتمد على عمل أفراده سواءاً كانوا ذكوراً أو إناثاً، ولكن في
بعض الأحيان قد يتجه الأفراد إلى نوع العمل متحددين به على أساس الجنس
وخصوصاً الإناث فقد تؤثر ظروف التنشئة الاجتماعية لها أو نظرة المجتمع
إلى بعض الأعمال التي لا تلائمها في اختيارها لنوع العمل. كما ان بعضهم
لا يشجع عمل المرأة اصلاً.
ان الاتجاهات التي تنظر إلى مسألة اشتغال المرأة أو عدمها أو اقتصارها
على نمط معين من الأعمال، قد يقف حائلاً دون تطور المجتمع وتقدمه.
وبما ان الادوار التي يقوم بها الذكر والأنثى مكتسبة من خلال عملية
التنشئة الاجتماعية وثقافة المجتمع، وبما ان أساليب التنشئة الاجتماعية
وأفكار افراد المجتمع خاضعة للتطور والتغير ومتأثرة بالأحداث والتغيرات
التي تحدث في المجتمع فقد تتغير الأدوار المتعلقة بالجنسين ولاسيماَ في
مجال العمل وذلك من خلال اعطاء الفرص الواسعة للمرأة في العمل.
- ثانياً: الشباب وتوجههم نحو العمل
الشباب ظاهرة اجتماعية تشير إلى مرحلة من العمر تعقب مرحلة المراهقة
وتبدو خلالها علامات النضج الاجتماعي والنفسي والبيولوجي واضحة. كما
انها فئة ذات خصوصية في خصائصها التي تميزها عن غيرها بحكم المرحلة
وطبيعة النمو وانعكاساته على جوانب الشخصية للشباب الجسمية والعقلية
والنفسية.
فكل مرحلة يمر بها عمر الإنسان تحوي على العديد من الخصائص والميزات
التي تميزها عن المرحلة التي سبقتها والتي تليها وذلك بحكم الطبيعة
البيولوجية وطبيعة النمو الاجتماعي والنفسي، فمرحلة الشباب تحوي على
العديد من السمات والمزايا والتي قد تجعلها أهم مرحلة في عمر الإنسان
كونها مرحلة عطاء وحيوية والتي يصل فيها إلى قمة النضج.
فهي - أي مرحلة الشباب - تتميز بخصائص اجتماعية ونفسية تجعلها من أهم
المراحل في حياة الإنسان، فهناك خصائص نضوج صورة الذات وتبلورها
والقدرة على اتخاذ القرار واخذ المبادرة في التنفيذ والاستجابة الفعالة
للمثيرات الاجتماعية المختلفة، وكذلك القدرة على نقد القيم الاجتماعية
السائدة في المجتمع وتكوين مجموعة الاتجاهات النفسية والأهداف
المستقبلية والإنتاجية والاجتماعية. وتتميز كذلك بأنها طاقة هائلة،
وحاجة عالية إلى التنفيس عنها، ورغبة للتجديد وحساسية مفرطة من التهميش
والإقصاء والاستبعاد، وتطلع شديد إلى الأدوار القيادية وتمسك بحقه في
البروز والترقي.
لذا فإن أهمية الشباب تتأتى من انها أكثر الفئات العمرية حيوية وقدرة
على العمل والنشاط كما انها الفئة التي يكاد بناؤها النفسي والثقافي ان
يكون مكتملاً على نحو يمكنها من التكيف والتوافق والتفاعل والاندماج
والمشاركة بأقصى الطاقات التي يمكن ان تسهم في تحقيق أهداف المجتمع
وتطلعاته وإنجازها، هذا فضلاً عما يتسم به الشباب من مرونة إلى حد ما
يمكن ان يكون عوناً اساسياً في عمليات التكيف مع المواقف التي تواجههم
من جهة، ودعامة يعتمد عليها المجتمع في رسم سياسات استثمار جهود الشباب
من اجل التنمية والبناء من جهة اخرى.
ومن الجدير بالذكر ان الخط الفاصل بين مرحلتي الطفولة والمراهقة من
جهة، والشباب من جهة اخرى يمكن تحديده على أساس فكرة المسؤولية، إذ لا
يصبح الشاب مكتملاً أو ناضجاً الا إذا تحمل مسؤولية محددة، ومن ثم لا
ينبغي إطالة مدة الطفولة لتجنب النتائج غير المرغوبة بها. إذا ان
الشباب الذين لا يقومون بأي دور في المجتمع يفشلون في اكتساب الإحساس
بالمسؤولية، فتتبدد طاقاتهم الهائلة، وقد تتجه إلى اتجاهات مضادة
للمجتمع فلا يصبح الشاب عامل بناء بقدر ما يكون عامل هدم. هنا بالإضافة
إلى انه كلما شعر الشاب ان هناك من يوجهه ويتولى رعايته دائماً، ويتحمل
عنه المسؤولية ادى ذلك إلى إحباط روح الاستقلال عنده، وإضعاف قدرته على
اتخاذ قراراته المستقلة.
ولكن هذا لا يمنع من ان هذه المرحلة تحتاج إلى الإعداد والتوجيه، فلكل
مرحلة ظروفها وخصائصها وأوضاعها، ففي هذه المرحلة يظهر الجانب الإرشادي
والتوجيهي أكثر من أي جانب آخر وان دل ذلك على شيء فإنما يدل على
استمرار عملية التنشئة الاجتماعية في هذه المرحلة. |